نشرت الصحافة المغربية أن "المغرب دعا منظمة الأمم المتحدة ومختلف هيئاتها، إلى تبني مقترح تقرير المصير بمنطقة القبايل الواقعة شمال الجزائر، وكذا إدراج حماية والنهوض بحقوق شعب القبايل ضمن جدول أعمالها، وفقا لميثاق الأمم المتحدة والآليات والإعلانات الأممية ذات الصلة.

ووفقا لما ذكرته "وكالة المغرب العربي للأنباء"، فقد قال عمر ربيع، مستشار بالبعثة المغربية في نيويورك: "إن الشعب القبايلي يجب أن ينصت إليه من أجل الاعتراف باحتياجاته وانتظاراته" وأن "من واجب المجتمع الدولي مواكبته حتى يتمتع بحقوقه الشرعية في تقرير المصير والحكم الذاتي".

وأضاف المسؤول المغربي، أنه "يتعين على المجتمع الدولي إبراز أصوات أزيد من ثمانية ملايين قبايلي ظلوا لمدة طويلة تحت وطأة الصمت والخفاء. وهكذا سينهار جدار التعصب ضدهم وإنكار تطلعاتهم المشروعة".

لماذا صعدت الدبلوماسية المغربية في العلاقة مع الجارة الجزائر بهذا الشكل غير المسبوق ؟ هل نفذ صبر المغرب اتجاه استفزازات الدولة الجزائرية وتحرشاتها الدبلوماسية بخصوص نزاع الصحراء المغربية؟ هل ما صرح به السيد ربيع عمر يعبر عن موقف ثابت للخارجية المغربية أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد رد فعل دبلوماسي أملاه التحرش المتكرر للدولة الجزائرية ضد الوحدة الترابية للملكة؟ ما مدى تأثير مثل هذه التصريحات في الداخل الجزائري وفي مسار العلاقات المغربية الجزائرية؟ هل تسعى الدولة المغربية من خلال الموقف الذي عبر عنه الدبلوماسي المغربي في نيويورك إلى معاملة الدولة الجزائرية بالمثل؟ ماهي تبعات الدفع في اتجاه تقرير مصير القبايليين على الداخل الجزائري؟ وأي تداعيات ممكنة له على صعيد العلاقات الثنائية بين البلدين وعلى مستوى الفضاء المغاربي برمته؟

الإجابة على هذه الأسئلة الشائكة هي المفتاح الأساسي لفهم موقف المستشار الدبلوماسي عمر ربيع، لاسيما، وأن المغرب عانى مند عقود من تدخل الدولة الجزائرية في شؤونه الداخلية من خلال احتضانها ودعمها وتبنيها المطلق وبكل الوسائل لجبهة البوليساريو، بل إن التدخل الجزائري بلغ في وقت سابق، إلى حد التقدم أمام الأمم المتحدة بمشروع قرار لتقسيم الصحراء المغربية، مع العلم أن حكام الجزائر ظلوا يرددون في أكثر من مناسبة أنهم غير معنيين بنزاع الصحراء.

تصريح الدبلوماسي المغربي في نيويورك، والذي وجه من خلاله الدعوة لمنظمة الأمم المتحدة من أجل تبني مقترح تقرير المصير بمنطقة القبايل، ستنظر إليه الدولة الجزائرية مما لاشك في ذلك، على أنه تدخل سافر في شؤونها الداخلية يروم من خلاله المغرب تأجيج الأوضاع الداخلية في الجزائر وإثارة القلاقل فيها، لا سيما، وأنه قد سبق للجزائر من خلال تصريحات مسؤولين جزائريين وفي وسائل إعلامها أن اتهمت المغرب بالوقوف وراء أحداث غرداية. كما أن النظام الشمولي في الجزائر سيرى أيضا في دعوة الديبلوماسي المغربي في نيويورك سلوك غير ودي من جانب الدولة المغربية، يمكن أن يكون من تداعياته حزمة من الإجراءات الدبلوماسية يمكن أن تصل إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ويمكن لا قدر الله أن تتطور الأمور إلى حد نزاع مسلح ولو عن طريق الوكالة مادام أن جبهة البوليساريوا في يد الجزائر..

موقف الدبلوماسي المغربي سيقرأ من طرف الجزائريين وفقا لمبادئ القانون الدولي كشكل من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية، ووفقا لمبادئ العمل الدبلوماسي كسلوك غير ودي، رغم أنه وفقا لنفس المبادئ يظل للجزائر باع طويل من التدخل في الشؤون الداخلية للمغرب، وتاريخ حافل أيضا بالمواقف غير الودية، بل إن النظام في الجزائر أقام على نفسه أكثر من دليل على أنه نظام معادي لمصالح المغرب ولا يحترم علاقات الجوار وساهم بدور كبير في تعطيل الوحدة المغاربية، وهذا هو السياق الذي حكم السلوك الدبلوماسي المغربي وفقا لمنطق كما تدين تدان وهو الذي نسميه بلغة القانون الدولي " المعاملة بالمثل".
غير أن المثير للانتباه في هذا الموقف، الذي يغلب عليه طابع الانزعاج والانفعال الدبلوماسي في تقديري الشخصي، هو أنه يتناقض مع الموقف الرسمي للدولة المغربية من الانفصال. كما يتناقض مع مساعيه من أجل منع حدوث الانفصال في شمال مالي في الملف الأزوادي..

دعوة الأمم المتحدة إلى دعم تقرير مصير ما سمي بالشعب القبايلي " أمازيغ الجزائر" في رأيي المتواضع مجازفة دبلوماسية غير محسوبة ومتسرعة، بل وتنطوي على مخاطر جمة، لاسيما، وأن هناك أصوات أمازيغية مغربية داخل المملكة وخارجها لها أجندات انفصالية أو تتحرك من أجل حكم ذاتي لما يسمى بالريف الكبير !!!

لا شك أن الدعوة التي وجهها الدبلوماسي المغربي لمنظمة الأمم المتحدة، هي وسيلة أو ورقة للضغط على الجزائر ومحاولة ردعها بقضية داخلية حساسة بعد أن تمادت في استفزازاتها ومناوشاتها ضد الوحدة الترابية للملكة، لكن يبقى السؤال الجوهري، هل تقرير مصير الشعب القبايلي يخدم الأمن والاستقرار في المغرب والجزائر وفي كل المنطقة؟

لا شك أن الطغمة العسكرية الحاكمة في الجزائر طعنت المغرب مرات عدة وأساءت لحسن الجوار في العلاقات المغربية الجزائرية وجعلت من نزاع الصحراء جبهتها الخارجية الحيوية التي تستعملها كمطية لشرعنة تحكمها وفساد واستبدادها وجرائمها الاقتصادية ضد الشعب الجزائري، ومع ذلك ينبغي للدولة المغربية الانتباه إلى مخاطر لعب ورقة القبايليين دبلوماسيا في مواجهة الجزائر، لأن توظيف هذه الورقة سيعزز اتهام العسكر الجزائري للمغرب بالوقوف وراء أحداث غرداية، وهو الأمر الذي سيستغله النظام الجزائري لتنفيذ أجنداته الداخلية والخارجية.