عندما نحاول فهم مواقف التيارات التي تتأسس مرجعيتها على الخطاب الديني بشأن الجماعات والتنظيمات الإرهابية التي تنامى نفوذها وخطرها خلال السنوات الأخيرة، نستنتج أن أغلبها لا تعبر بوضوح عن رفضها لهذه التنظيمات، بل إنها تسوغ السلوك الدموي الذي تنتهجه هذه الجماعات وتبرر ممارساتها. وفي أحسن الأحوال يرى البعض  ممن يوصفون ب"المعتدلين" من الإسلاميين أن تنظيمي القاعدة وداعش وغيرهما لا يمثلان حقيقة الإسلام.

وهذا بالطبع هو رأي كل إنسان مسلم ينتصر للجوانب الحضارية في هذا الدين. غير أن كل شيوخ الفضائيات الذين يلوثون أسماع الناس بخطابات التكفير هم الذين يقدمون الإطار النظري الذي يؤسس لسلوك داعش. وحتى أولئك الذين يعلنون ظاهريا عن رفض الإرهاب واستنكاره لا يعبرون عن حقيقة الإسلام التي يدعون امتلاكهم المعرفة بها، مادامت المرجعية الفكرية المؤطرة للخطاب الديني سواء سمي "متشددا" أم "معتدلا"  تجد أدواتها المشتركة في التأويلات والتفسيرات التي صاغها واقع القرون الأولى بعد النبوة، وأريد لها أن تظل صالحة لكل زمان ومكان.

    في هذا السياق، يذهب بعض الدعاة والشيوخ الذين يمتلكون الجرأة لمخالفة داعش أن هذا التنظيم لا يمت بصلة إلى التراث الإسلامي، بل هو منتوج حداثي. وكأني بهؤلاء يعتبرون عنف ودموية دولة الخلافة صناعة أنوارية. والحال أن الإطار النظري المؤسس للسلوك الداعشي الهمجي يجد ثوابته ومنطلقاته في عمق التراث الإسلامي كما تطالعنا عليه تفسيرات بعض المتقدمين من (علماء) الحديث... ذلك أن تنظيم دولة البغدادي ينشد مشروعية سلوكه الدموي في كثير من مضامين هذا التراث. وهو بذلك، ومن خلال منهجه في تطبيق الحدود الشرعية داخل المناطق التي تقع تحت سيطرته في العراق وسوريا، لا يعمل إلا على الإمتثال لقواعد الفهم التقليدي والمنغلق للنص الديني وإعادة إحيائه وإنتاجه من جديد. فكل الجرائم التي تقترفها عصابات داعش تجد أساسها النظري في خطابات العنف التي أنتجها التأويل السلفي. وعندما تم إعدام  الطيار الأردني معاذ الكساسبة حرقا قبل أشهر قليلة، وجد منفذو الجريمة في ما تواتر في كتب التراث عن فعل الصحابة ما يبرر سلوكهم الشنيع، فقد قدم الحافظ بن حجر مثلا  في " فتح الباري"  شرحا لقوله صلى الله عليه وسلم: ( وإن النار لا يعذب بها إلا الله) جاء فيه: " قال المهلب: ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع، ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة، وقد سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين بالحديد المحمي، وقد حرق أبوبكر البغاة بالنار بحضرة الصحابة، وحرق خالد بن الوليد بالنار ناسا من أهل الردة.". ( فتح الباري: 6 – 174).

    يمكن لقائل أن يقول أن الروايات التي يستند إليها هؤلاء الإرهابيون في تنفيذ جرائمهم لا تعبر عن إجماع  جمهور فقهاء الإسلام، وأن ميلهم لاختيار التأويلات التي تناسب أهواءهم وأفهامهم هو الذي يثبت أنهم لا يعبرون عن روح الإسلام، بل يتصرفون من منطلقات حداثية تلغي الإحترام للتخصص وتنظر إلى كل القيم بنظرة الشك والنسبية. وتبعا لهذا المنطق فإن داعش نتاج لفلسفة الفوضى الخلاقة كما صنعها النظام العالمي الجديد. وواضح أن هذا الموقف لا ينفصل عن نظرية المؤامرة التي أصبحت شماعة تعلق بها كل مآسي العرب والمسلمين.

   إن ممارسات داعش لا تمت بصلة لقيم الحداثة وشروطها، فدولة الخلافة لا تعترف بالحقوق الكونية، ولا تؤمن بالتعدد والإختلاف، ولا تؤسس للعقلنة... هذا التنظيم يعيش في زمن الحداثة ويستهلك منتوجاتها المادية، لكنه يتصرف بعيدا عن قواعدها وقيمها الحضارية والإنسانية. ولا تحضر أدوات الحداثة عنده إلا في التقنيات العالية التي يستخدمها في أشرطته الإستعراضية المصورة، أما المضامين فلا تنفصل عن أدبيات الجلد والرجم والحرق وقطع الرؤوس التي يحفل بها التراث الإسلامي الذي أصبح في أمس الحاجة إلى إعادة النظر.

   إن المشكل إذن يكمن في حضور التراث الذي عجز فقهاء الإسلام عن تجاوزه بالرغم من كل المضامين اللاعقلية واللاإنسانية التي يحملها في كثير من روايات الحديث والتفاسير، والتي تحتاج إلى تدخل ذوي الإختصاص لتنقيتها من كل الشوائب التي علقت بها إستنادا إلى أن الإسلام دين رحمة وتعايش لا دين إرهاب ... ولأن تعطش الجماعات الإسلامية للدماء يجد أسسه ومنطلقاته النظرية والعملية أيضا في خطاب التكفير الذي كان دائما حاضرا في كل المحن التي طبعت تاريخ المسلمين ولونتها الدماء  بسبب التوظيف السياسي للدين أحيانا، وبسبب فتاوى القتل وتطبيق الحدود الشرعية أحيانا أخرى، فإن المصالحة مع الذات وإظهار الوجه الحضاري للإسلام ينبغي أن ينطلق من الأساس:  القطع مع ثقافة الجهل المقدس وتطهير التراث من كل المظاهر  التي تسيئ لهذا الدين. وحينها فقط، يمكن أن نستعد لركوب قطار الحداثة.