ركز اعداء “الدولة الاسلامية” وما اكثرهم، طوال العامين الماضيين على نقطة جوهرية في اطار حملاتهم ضدها، وتشكيكهم في نشأتها ونوايا من يقفون خلفها، على عدم وجود اي اشارة في ادبياتها وبياناتها على العدو الاسرائيلي، وعدم تنفيذها بالتالي اي عمليات عسكرية انتحارية او تقليدية، ضد اهداف تابعة له، ولقيت مثل هذه المحاججات صدى واسعا، وتفاعلا كبيرا على اوساط وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة “الفيسبوك” و”التويتر”.

بالامس نشرت “الدولة الاسلامية” شريطا مصورا على “الانترنت” يتضمن القاء شخصا ملثما يتوعد فيه اسرائيل، ويهددها بالزوال، واكد، وبلغة عبرية فصيحة “ان حدود سايكس بيكو التي تحمي اسرائيل ستزول مثلما تم ازالتها في سورية والعراق”.

لا نعتقد ان هذا الشريط جاء ردا على “المنتقدين” و”المشككين”، فحسب ابحاثنا ودراستنا، يمكن القول انه ليس من عادة “الدولة الاسلامية” الرد بشكل مباشر او غير مباشر على هؤلاء، ولا نستبعد ان يكون هذا الشريط تمهيدا لعملية او هجوم تخطط له احدى خلاياها، سواء داخل الاراضي المحتلة او خارجها.

ان يتزامن بث هذا الشريط مع الانتفاضة الفلسطينية في القدس، والاراضي المحتلة الاخرى، وتصاعد الاعدامات الميدانية التي ينفذها جنود الجيش الاسرائيلي والمستوطنون في حق الشبان العرب والمسلمين المدافعين عن المسجد الاقصى وحرمته في مواجهة الاقتحامات اليهودية المتكررة، فهذا يعكس محاولة للدخول على خط الانتفاضة، واستغلال التعاطف الشعبي العربي والاسلامي معها، وايصال رسالة مفادها ان “الدولة الاسلامية” لم تسقط ما يجري على ارض فلسطين من مقاومة من حساباتها واهتماماتها.

هناك وجهتا نظر حول اطلاق هذا الشريط واثاره وانعكاساته على الانتفاضة، والقضية الفلسطينية بشكل عام:

الاولى: ترى ان اي عمل يصب في خدمة الانتفاضة، ويلحق الاذى بالاحتلال الاسرائيلي، هو جهد مرحب به في ظل التجاهل، بل التواطؤ العربي الرسمي.

الثانية: ترى ان دخول “الدولة الاسلامية” على خط الانتفاضة الفلسطينية قد يلحق الضرر بها، ويعطي بنيامين نتيناهو ورقة قوية لكي يقول للعالم بأنه مهدد بارهاب هذه “الدولة” مثل جميع الاطراف الاخرى، عربية كانت او غير عربية.

من المؤكد انه، وفي ظل حالتي الاستقطاب والانقسام الطائفي التي تسود المنطقة، ستجد وجتها النظر هذه من يؤيدها، او بالاحرى يميل الى احداها، وان يقدم الادلة والبراهين التي تدعم موقفه، ولكن علينا ان نضع في اعتبارنا امرا مهما واساسيا، يتلخص في ان هذه “الدولة” لا تحتكم الى المعايير الدارجة والرائجة حاليا في المنطقة، وان لها معاييرها ومنطقها الخاص بها، ولو كانت تحتكم الى معايير الآخرين، لما حققت ما حققته على الارض، واقامت “دولتها” وتوسعت على حساب دولتين اقليميتين عظميين، ولما صمدت في مواجهة اكثر من سبعة آلاف غارة جوية يشنها تحالف يزيد عن ستين دولة، ويضم دولتين عظميين، هما امريكا وروسيا على دول متوسطة العظمة والقوة مثل الدول الاوروبية والشرق اوسطية (ايران والسعودية).

واذا وضعنا في اعتبارنا ان النواة الصلبة، والعقول المدبرة التي تدير شؤون هذه “الدولة” هي في معظمها من قيادات الحرس الجمهوري، والجيش العراقي السابق الذين تخلوا عن عقيدتهم البعثية وتحولوا الى الاسلام العقائدي والسياسي المتشدد، فان محاولة اللجوء الى الورقة الفلسطينية والنزول الى الحلبة، ولو اعلاميا، لتهديد اسرائيل، من الامور المتوقعة.

ملاحظة اخرى لا يمكن ان تمر دون الالتفات اليها، وهي ان من القى البيان الذي احتوى على التهديد بإزالة اسرائيل استخدم اللغة العبرية لايصال هذا التهديد، ولا غرابة في ذلك، فالعديد من الشبان الفلسطينيين من الاراضي المحتلة عام 1948 انضموا الى صفوف هذه “الدولة” وباتوا من مقاتليها، وربما انخرطوا ايضا في صفوف مراكز ابحاثها وآلتها الاعلامية الجبارة، التي اعترفت معظم اجهزة الاستخبارات الغربية بفاعليتها وحداثتها وتقدمها.

تنظيم “القاعدة” واجه الاتهامات نفسها، وكان الرد دائما هو اتباعه القاعدة الشرعية والفقهية التي تقول بضرورة التركيز على العدو القريب اولا (الانظمة العربية)، كخطوة اساسية للوصول الى العدو البعيد (اسرائيل)، لان العدو الاول هو من يوفر الحماية للعدو الثاني، ومع ذلك نفذ تنظيم “القاعدة” هجوما على فندق يؤمه السياح الاسرائيليون في ممباسا شمال كينيا عام 1998، وحاول اسقاط طائرة اسرائيلية تتولى نقلهم، لكن الصاروخ اخطأ هدفه.

“الدولة الاسلامية” ربما تلجأ للشيء نفسه، او هجمات اكثر اعدادا وتحضيرا، للوصول الى اهداف اسرائيلية خارج الارض المحتلة، او تفتح لها فرعا في داخلها، وهناك مؤشرات متعددة عن وجود تعاطف كبير معها في اوساط بعض الشباب الفلسطيني، بل وفي اوساط جماعات اسلامية مثل “حماس″، وزاد هذا التعاطف بعد انخراط “حماس″ في مفاوضات غير مباشرة مع الاسرائيليين عبر الوسيط البريطاني توني بلير للوصول الى هدنة تمتد الى عشر سنوات، او اكثر، لانهاء الحصار المفروض على قطاع غزة، وبدء عملية اعادة الاعمار.

بيان “الدولة الاسلامية” يجب ان يؤخذ بعين الاعتبار لاهميته، وكونه مؤشرا لتحول جديد ستكون له تداعياته وانعكاساته على المنطقة بأسرها، واذا وصلت “الدولة” ومقاتليها وايديولوجيتها فعلا الى الاراضي الفلسطينية المحتلة، فإن المسؤولية الكبرى في هذا المجال تقع على عاتق اسرائيل وبنيامن نتنياهو، لانهما قتلا العملية السلمية وحل الدولتين، مثلما قتلا معسكر الاعتدال الفلسطيني، ودمرا قاعدته الشعبية.