حين تقرأ للعديد من الكتاب والصحفيين الجادين والبارزين من أمثال نعوم تشومسكي في الغرب وعبد الإلاه بلقزيز في الشرق وغيرهم وهم يتناولون موضوع التطور التاريخي للمجتمع البشري خلال العقود الأخيرة تجدهم يجمعون ويتفقون على التشاؤم بخصوص مستقبل الحياة الإنسانية حاملين مشعل الدعوة إلى حالة الاستنفار الفكري والثقافي لمواجهة ما قد تؤول إليه الأوضاع في العالم من كوارث محتملة بعدما وصل إليه الإنسان المعاصر من نزوع متزايد إلى العنف والحروب المفتوحة، وانغماس أعمى في ثقافة الاستهلاك المادي لخيرات الطبيعة ممّا يضرّ بمحيط الإنسان وبقدرته المعيشية، واستلاب ثقافي أو لا ثقافي بما يخدم تهافت الشركات العملاقة إلى الربح السريع على حساب القيم الروحية والثقافية للمجتمعات، ناهيك عن حالة الانحدار السياسي التي أصبحت تلازم الدول وتزعزع نموذجها السياسي السائد المتمثل في النظام الديمقراطي، ذاك النموذج الذي بدأ يفقد اليوم جاذبيته وجدواه وإن كان لا يزال يحتل مكانة السيادة في تدبير شؤون البلدان في العالم.

ولعل الحالة المرضية التي يعرفها العالم اليوم تستحق من الإنسان المعاصر الاهتمام بها بالدرس والعناية أكثر من أي شيء آخر بحكم حاجته الملحّة إلى بلوغ استقلاله الفكري الذي فقده منذ أن انسلخت السياسة من الإيديولوجية ومنذ أن اختفت الفلسفة من المناهج التعليمية فاختفت معها قدرة الإنسان على التأثير في قراره الجماعي المشترك حتى أصبح مثل المريض أو الموبوء بداء عالمي من الأجدر تسميته بداء القصور الفكري.

أفلا يعاني الإنسان المعاصر من هذا الداء أو من هذه الحالة؟ أفلا يحس أغلبكم بحالة من العجز والسلبية عندما يقوم في الصباح لعمله أو لما قد يسعى إلى تحقيقه في يومياته إن كان دارسا أو باحثا عن عمل أو مهما كانت حالته الاجتماعية؟
في الحقيقة هناك شعور سائد عند غالبية الناس في العالم كله _حسب ما ترصده أقلام المحللين والمفكرين_ أنهم مسيّرون وعاجزون عن التحكم في مسيرة الأحداث التي تدور في حيّزهم الضيق وفي ما هو أوسع من حيزهم، لذلك تجدهم نافرين من السياسة بل وكارهين لها ولكل من يمثلها من رؤساء أحزاب وحكومات وزراء ومناضلين، وتجدهم فاقدين للثقة في ما يعبّر عنه السياسيون من برامج ومشاريع لأنهم كثيرا ما كانوا شهودا على الفشل في تطبيق البرامج المعبّر عنها في الانتخابات المختلفة على أرض الواقع اللهم إلا ما رحم ربك.

ففي عالم اليوم هناك دول ما سمي بالربيع العربي التي تعاني من آفة الحروب الأهلية وما يواكبها من آثار انشطارية على مستوى مجتمعاتها ونزوح جماعي نحو دول الشمال، وهناك دول أوروبا التي صارت مثقلة بتداعيات الأزمة العالمية التي لا تنتهي ولم تنته في الموعد الذي حدده لها بعض الخبراء الاقتصاديين ومثقلة كذلك بمشكلة الانقسام المجتمعي لشعوبها حول طريقة التعامل مع النازحين إليها من دول الجنوب بين رافضين لها يتزايدون كل يوم وقابلين لها ولفكرة إدماج المهاجرين والنازحين داخل النسيج الأوروبي، وهناك دول تسمى "عظمى" كالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا تتسبب في الحروب وتشارك فيها بشكل غير مباشر (عن طريق وكلائها في مناطق التوتر) بغاية الاستفادة من الموارد المتواجدة فتحصد منها الأرباح تلو الأرباح وتحصد منها كذلك الكراهية تلو الكراهية، ويبقى الأمل معقودا في نظري، في البلدان الصاعدة علّها تستطيع إعمال التوازن الاقتصادي والأمني في عالم يرفض السلم ويرفض التغيير اللهم إلا في المنحى السلبي التنازعي، ذلك التغيير الذي يبدو عصيّا على التطبيق في ظلّ سيطرة القوة العالمية المحافظة على سلطة الإعلام والمعلومة وسلطة السلاح وتداولاته وفي ظل صمتها على الفضائع الإنسانية التي ترتكبها العصابات المحدثة والمستحدثة من قبيل داعش وأشباهها، وإلا فكيف يمكن تفسير حصول تلك العصابات على الأسلحة والعتاد؟ وكيف يمكن تفسير استفادتها من حرية التجوال في منطقة قريبة جدا من إسرائيل وخاضعة للمراقبة الدقيقة بالأقمار الصناعية المتطورة ومع ذلك لا نسمع ولم نسمع أن إسرائيل وحماتها متخوفون على أمنها ومصالحها في المنطقة؟

في مقال قرأته للصحفي والكاتب الفرنسي جاك أطالي طالب هذا الأخير قيادة مجموعة العشرين (G20) بمراجعة نهجها السياسي العام والبحث عن حلول للأزمات العالمية المتزايدة وهي دعوة محمودة لكنها لا يمكن أن تسفر عن أي نتيجة، في نظري المتواضع، مادامت الدول المحافظة في العالم هي التي تتحكم في مجموعة العشرين مثلما تتحكم في جمعية الأمم المتحدة وتتحكم في مجلس الأمن.

وأما التغيير فلن يؤتى في اعتقادي إلا من خلال ثورة ثقافية عالمية حاملة لمشروع عالمي جديد تؤمن به الشعوب الحرة المنتجة أولا ثم القادرة على التفكير في مصائرها بكل تجرد واستقلالية، مشروع مبني على السلم والأمن وضمان الاستقرار للأجيال الصاعدة وخصوصا على التضامن بين كافة شعوب الأرض.

هل هذا ممكن؟ أترك الجواب للمستقبل.
ومادام المستقبل يبدو ضبابيا أو بالأحرى سوداويا، فلنسعى لإضاءته بكتاب التاريخ الذي يحمل الكثير من العبر والدروس، ولنتوقف عند المحطات التاريخية التي عرف فيها الإنسان ثورات مجيدة لم يكن منطلقها هو السلاح بل كانت الفكرة هي المنطلق وكان الإيمان بالفكرة هو المحرّك الذي جعلها تغير مجرى التاريخ.