في الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية "رجالات الدولة" ليس بالضرورة أن يحملوا صفات رسمية، يمكنهم أن يكونوا كذلك، دون الحاجة لحمل هذه الصفات بشكل رسمي؛ الفرق فقط أنه في الدول الديمقراطية حين يُفتضح أمرهم لا شيء يمنع من مثولهم أمام القضاء، بينما في الدول غير الديمقراطية، وبينها المغرب، يمكن أن تُثار حولهم "عاصفة" من الإتهامات دون أن يطالهم عقاب، وحتى إذا سقط "فأر" صغير منهم، ضمن سياق حسابات سياسية معينة، كحال الإتحادي خالد عليوة فتكفي مناسبة أليمة، كوفاة والدته ليخرج من السجن دون العودة إليه، في تحدٍّ سافر للدولة ومؤسساتها.

كيف الاهتداء إلى "رجالات الدولة المغربية" غير الحاملين للصفات الرسمية؟

في الريف رجل، يُدعى الياس العماري، قيل إنه مثَّلَ القصر في أزمة "إكديم أزيك" سنة 2010، ولم ينف الديوان الملكي صحة الخبر، واتُّهِم من طرف شباط بالتحكم في مؤسسة "الفرقة الوطنية للشرطة القضائية" ولم تتقدم "المديرية العامة للأمن الوطني" بشكاية في الموضوع، على غرار ما تفعله ضد الصحفيين المغاربة، ولا أصدرت ولو بيانا تتبرأ فيه من إلياس؛ كما راج بأن الأخير دخل على خط الحوار بين الفرقاء الماليين، وبأنه تحدث بـ"لسان الدولة" في الباراغواي، وبأنه مثَّلَ شركة "الضحى" في مفاوضاتها مع دفاع ساكنة "ولاد سبيطة" قرب سلا، بل إن بنكيران قال في الياس العماري ما تقْشعِرُّ له الأبدان و يعْجِز اللسان عن حصره، بما يفيد أن رئيس الحكومة عجز عن محاكمته، إذن إلياس العماري، وفقا للتحليل أعلاه، يمكن الاستنتاج بأنه "أحد رجالات الدولة المغربية" !

محمد بنعيسى تطاول على اختصاص حصري لعامل الإقليم، حين هدم مشروعا سياحيا دون العودة للعامل، بل واقتنى أرضا من أحد أقربائه دون تصفيتها عقاريا، علما أن المادة 22 من الميثاق الجماعي الجديد توجب عزل أي مسؤول أبرم صفقات مع أقربائه، ومع ذلك لا عزل طاله، ولا مساءلة خضع لها، من طرف سلطة الوصاية، في وقت عُزل فيه رئيس جماعة "مارتيل" ونائبه الأول، وغيرهم كُثر، فقط بسبب تقديمهم لرُخص بناء غير قانونية، وهي أخطاء إذا قورنت بما ارتكبه بنعيسى قد لا يظهر لها أثر، إذن بنعيسى، وفقا للتحليل أعلاه، يمكن الاستنتاج بأنه "أحد رجالات الدولة المغربية" !

عبد الوهاب بلفقيه قيل فيه ما لم يقله "مالك في الخمر"، حيث اتهم بـ"اختلاس الملايير وتبديد أموال عمومية وتزوير وثائق رسمية"، ورغم مراسلة الديوان الملكي بشأن هذه الإتهامات وتنظيم ندوات صحفية حوله، ورغم عجزه عن الإجابة عن 51 استفسارا، وجهتها له لجنة موفدة من الداخلية، بعضها يتضمن اتهامات توجب الحبس، ومع ذلك هاهو اليوم يسارع الزمن لوضع أخيه على رأس مجلس البلدية فيما يتسابق هو نحو رئاسة مجلس جهة كلميم السمارة، إذن بلفقيه، وفقا للتحليل أعلاه، يمكن الاستنتاج بأنه "أحد رجالات الدولةالمغربية" !

في فاس اتُّهِم شباط، جِهارا نهارا، ببيع الكوكايين، ولم يُفتح معه بحث قضائي، علما أن النيابة العامة تتحرك فقط بالوشاية؛ وفي "العرجات" قرب مدينة سلا، بنى شباط "فيلا" ومسبحا دون ترخيص، ولم يجرؤ مسؤول على هدم "الفيلا"، كما هُدِّمت براريك فقراء فوق رؤوسهم، واتّهَمَ شباط حزب "البام" بجمع الملايير من المخدرات، وبأن زعيمه الياس العماري، يرسل عناصر "الفرقة الوطنية للشرطة القضائية" إلى منازل المواطنين الرافضين الإنضمام لحزبه، ومع ذلك، فلا فُتِح تحقيق مع شباط ولا صدر بيان من مؤسسة الأمن ينفي صحة تصريحاته، إذن شباط، وفقا للتحليل أعلاه، "أحد رجالات الدولة المغربية" !

وإذا صدق التحليل أعلاه، وجاز لنا أن نعتبر المذكورين من بين "رجالات الدولة المغربية" لنا أن نتساءل: لماذا عجز هؤلاء في حسم معاركهم نحو رئاسة المجالس الجهوية والجماعية لحدود كتابة هذه السطور؟

فلغاية الساعة لم يحسم محمد بنعيسى في رئاسة مجلس أصيلا، وهو الذي دأب على إعلان نفسه رئيسا، مباشرة بعد انتهاء التصويت، طيلة أزيد من ثلاثة عقود، ولا حسم بلفقيه في رئاسة مجلس "كليميم" ولا رئاسة مجلس جهة "واد نون"، ولا حسم إلياس العماري في رئاسة جهة "طنجة تطوان الحسيمة"، أما شباط فقد خرج مُبكرا من المنافسة، في وقت تروج فيه أنباء عن مُصارعته من أجل رئاسة جهة "فاس مكناس"!

هناك تفسيران؛ إما أن الدولة تريد التخلص منهم بعد أن "خفت موازينهم" وبالتالي فـ"أمهم هاوية"، وإما تريد الدولة أن تعطي الإنطباع للرأي العام بأن هؤلاء كباقي المتنافسين، في محاولة للتنكر لخدماتهم والتنصل مما قيل عن علاقتها بهم طيلة سنوات؟

السؤال الحارق والوجودي الآن: من سيعوض هؤلاء بعد "وفاتهم السياسية"؟ إنهم "البيجيديون"؛ رجالات الدولة الجُدد، فبنكيران أعطى من العرابين والضمانات ما يكفي لـ"أصحاب الحال" بأنه سينفذ أجندة "البام" التي وُلِد من أجلها، أكثر مما كانت تحلم به الدولة نفسها مع "الجرار"، وبالتالي كان طبيعيا أن تعبد له الطريق نحو كبريات حواضر المملكة، وترمي بـ"البام" إلى هوامشها، خاصة وسط جو إقليمي "داعشي" وظروف وطنية تتسم بتزايد الطلب الإجتماعي، أمام إمكانات هزيلة للدولة.

وزُبدة القول، تساؤُل مع عقلاء البلد: هل يخطُر في بال أحمق، فبالأحرى عاقل، أن يصف بنكيران الياس العماري بـ"السلكوط"، وهو بنفسه يقول عنه بأنه كان يشتم المدير العام للأمن الوطني ووكلاء الملك، إذا لم يكن بنكيران قد تلقى معلومة عن "وفاة" الياس العماري، داخل "دار المخزن"، وهل يَخطُر في بال أحمق فبالأحرى عاقل أيضا، أن يفوز "البجيدي" في مدن مثل مراكش والدار والبيضاء وطنجة والرباط وفاس وهي القلب النابض للبلد، اقتصاديا وسياحيا، ويُلقى بـ"البام" في هوامش المملكة المغربية، إذا كانت "أجندة" بنكيران وصحبه تتعارض مع "أجندة المخزن"؟