.. أخيرا وبعد ترقب كبير، تخللته هواجس الخوف من الهزيمة وفقدان كرسي الزعامة الذي لطالما رفع من سقف حلمه ليصله، فوصله بسبل عدة،لايهمه مصدرها وشكلها.
كان يخشى أن يفقد كل ما من شأنه أن يبعده عن الكرسي.. أخيرا خلد إلى مضجعه في وقت غارق في غمس الليل، بلغ فيه التمييز ليفصل الخيط الأبيض عن الأسود من الليل.
مرت سويعات قليلة من نومه ، كثيرة على نفسه الموؤدة، هزته خلالها كوابيس وأحلام أفقدته صوابه، واضطرته إلى ممارسة لعبته المعهودة في هسيس الليل .
ضرب الصبح بأرديته على غرفته المظلمة، ظل ينتظر رنات هاتف بشوق وترقب منذ أمسه اللعين. غير أن وقته تعطل إلى أن حان أوانه.. هي اللحظة التي سيقدم فيها شهادته حول الدعوى المرفوعة ضد حكومته.
وصل قاعة المحكمة ، تفحصها ببصره وتنهد ببصيرته في عناية بالغة، سجلت ذاكرته مثول تشكيلته الحكومية أمام أنظار الشعب، وهي مصفدة المعصم، في قفص الإتهام.
كانت تشكيلته الثانية تقتنص مكانا بالواجهة أمام عدسات الصحافة، تماما كعادتها الدائمة، التي دأبت عليها في عملها الحكومي اليومي.
طالبه قاضي المحكمة بترديد خطاب الشهادة، منبها إياه أنه يختلف عن الخطاب الشعبوي الذي اعتاد أن يعزف على أوتاره في كل الشوارع والأزقة والمحافل ،دون استثناء،لكن الرجل رد ببصره في صفحة وجه قاضيه: أحفظ الخطاب مثلما أحفظ رقم حذاء وزيرك.
ردد السيد رئيس"الحكومة المتهمة" الخطاب وقلبه مفعم بالندم والتردد والتمنع، وكأني به يخفي أشياء إن تبدو تسيئ للمتحولقين حوله، وللكثير من تماسيحه وعفاريته.
حاور نفسه بترو وتلهف في الآن نفسه قبل أن يدلي بدلوه في منتوجه الحكومي. تقدم أمام الحضور الجرار من عموم الشعب، يختطف نظرات من عيون تشكيلة حزبه كانت تطالبه بأنه آن الأوان لممارسة ضجيجه الصاخب المعهود عنه من أجل إسقاط المحكمة في مصيدته الملغومة.
نعم، سيدي القاضي تعلمون أنني رجل ألتزم فعلا وقولا، أحكم الله عز وجل في سلوكي السياسي، ولا أخاف في الله لومة لائم.
تسلح القاضي بجرأة كان يستمدها من عيون مجهولة ، في لحظة يرى فيها وزيره خلف القضبان يتحسسها مثلما كان يتحسس كل ما يصدر عن عدوه الأبدي.
نبش القاضي ببنت شفة في صمت: حكومتكم سيدي الرئيس متهمة بالفساد والإفساد لمصالح العباد، ونهب أموال المواطنين.
أستطيع أن أؤكد لكم سعادة القاضي أنني أضمن أن أدافع عن قومي وإخواني التابعين لصفي، على الأقل فأنا زعيمهم وأعلم عنهم ما لاأعلم عن غيرهم ممن هم ضمن تشكيلتي الحكومية، فليعذرني فرقائي السياسيين...
تفضل، ماذا يمكن أن تقول عن إخوانك؟
وزيري في العدل والحريات أخفق حينما لم يحرك جحافل كبيرة من الدعاوى والقضايا التي رفعها المجلس الأعلى للحسابات باعتباره مؤسسة دستورية عمومية محترمة، واقتصر على رصد هنات وأخبار وسقطات الاعداء، ومتابعة القضاة الشرفاءا الاحرار، وتكبيل حركتهم في الرأي والتعبير، فكانت القشة التي قسمت ظهري، عزل "الهيني" بمبررات بعيدة عني.

أما وزيري في الإعلام، فقد كان جعجعة دون طحين، كان يتكلم كثيرا دون فعل يذكر، يبهرك بحفظ الأرقام والإحصائيات، بيد أنه لايجيد حفظ لسانه من زلات "الماخور والحنطور" التي قوضت صورتنا في العالم الآخر.
ولم أكن راضيا حينما كان يترك شققا ممتدة للقيل والقال بممارسته للعبته الشهيرة داخل حزبه، و التوسط للأهل والأصدقاء لقضاء مآرب أخرى.
وماذا عن أخويك في الطريق السيارة؟ من الأول الوزير أم المنتدب؟
رد القاضي: كلاهما معا فهما أخوان لا يختلفان.
لا يا سعادة القاضي فثمة اختلاف ساحق بينهما . فالمنتدب أقل خطيئة من الوزير.
ماذا تقصد السيد الرئيس؟
أعني أن الوزير، قاطعه القاضي: تقصد السيد المسؤول الاول عن كارثة "تيشكا" .
بالضبط ، فقد أغرقنا في صفقات مشبوهة لإنشاء الطرق السيارة دون طائل من أجندته الزمنية التي يحددها عند كل مناسبة لنهاية الأشغال بمختلف الطرق، لكنه في الوقت نفسه ناضل، وهو ابن العواوشة، لفك العزلة عن بعض الدواوير مثلما أعاد النظر في مدونة السير التي قذف بها وزير سابق من خندق المعارضة اليوم إلى ملعبنا الحكومي.
أما بخصوص الوزير المنتدب، سيدي القاضي، فهو رجل طيب، كان ينبغي أن يتفرغ للبحث العلمي ولعمله دون أن يغرق السائقين في مسابقة كبرى للفوز بسيارة لمن قل خطؤه.فكان عليه أن يفعل مثلما فعل منافسي السابق الدكتور ن الذي يذكرني بصوت الترو والحكمة اللذان فقدتهما بفقدان نصفي الثاني وعلبة أسراري المرحوم "عبد الله باها".
اهدأ سيدي الرئيس، لا تدرف دمعك ، فما أغلى دموع الرجال، نحن معك واصل شهادتك.
سأل القاضي مرة أخرى ليدفع الرئيس إلى مواصلة شهادته، هل تستطيع إخفاء الفساد القائم في وزارة تعليمك العالي؟
السيد الأمازيغي، لم يخوصص الجامعة، ولم يسب أساتذها. بل على العكس من ذلك جابه لوبي اشتراكي متغلغل في جذور نقابة التعليم العالي،إلا أن مجابهته باءت بالفشل، لذلك أردنا أن نخفف عنه وطأة المجهود فشددنا أزره بأخته المنتدبة الاستاذة الجامعية" التي حصلت على مغادرتها الطوعية بصرف مبلغ محترم واقتحمت أبواب الوزارة بعد أن تدربت سابقا في أحضان وزارة" العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني " دون أن تكون على علم بما ألحقته بها من تراجع على مستوى الترتيب الذي تقدمه المؤسسات الدولية حول تطور البحث العلمي والتأثير الجامعي في محيطه من جهة، وبما ستفجره قنبلة وقوعها ، دون إشعار أو بإشعار مسبق، في عشق منتهاها المشتهى، ضمن مسرحية الكوبل الحكومي، ستفجره من آثار وكوارث أخلاقية ورسمية على بيتنا الحزبي تخصيصا والحكومي تعميما.

بلغت الجلسة الأولى من محاكمة الحكومة ساعتها الثالثة، فهي قضية أمة وشعب قضى نحبه وآخر ينتظر، مازال الترقب سيد القاعة، ومازالت معه باقي الأطياف الأخرى للحكومة تنتظر من يدافع ويترافع عنها.
فقد أعلنها السيد رئيس الحكومة بصراحة: لا أملك لكم من أمري شيئا، فأنا قبلتكم على مضض ، بفعل نظامنا الإنتخابي الذي يتأسس على التحالف، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتكم خارج تشكيلتي التي كنت أراهن بها ومن خلالها على امتلاك النجوم وقطف اللذات ومحاربة المفسدين وتحسين أجور المعوزين، ووضع المملكة بين المصنفين، وترسيخ أسس الإسلام السياسي بين الديمقراطيات والديمقراطيين، والقضاء على كل المخالفات والمخالفين من السياسيين والصحفيين، وكل من تربى على كتابات وأفكار حركة "العماريين"..
أرجوك سعادة الرئيس أجب عن سؤالي، هل لديك معلومات عن وجود تماسيح وعفاريت فاسدة بين أحضان بيتكم الحزبي؟
قطعا، لا نحن تشكيلة محترمة ، دائما نستحضر تربيتنا ومذهبنا الإيديولوجي في دراعنا الدعوي"حركة التوحيد والإصلاح" .
يسأل القاضي: هل "أنتم "من أعطى تعليماته لوزيرتك في الأسرة والتضامن لتصرف أموالا طائلة من المال العام مقابل أن تصبح "جائزة التميز" من أفضالكم على المرأة المغربية؟
لا يا سيدي تعلمون أن النساء شقائق الرجال، و"عيالاتنا "في المغرب لا يصلح لهن سوى القعود في بيوتهن، فيقرن فيها. فهن لايصلحن سوى للإنجاب والتربية والعناية بربطة عنق الرجل.
ولكن من أوصل الوضع الكائن اليوم إلى ما هو عليه اليوم؟ يسأل القاضي.
ثمة تماسيح وعفاريت من جهة، وساحرات وحاطبو وحاطبات ليل أغرقنني في هذا الوحل الساحق الذي لم أقدر مستوى عمقه. وهي الكائنات نفسها التي حاكت ضدي وضد حكومتي هذه المحاكمة الملغومة.
هل تستطيع أن تفصح عن هوية هذه الكائنات الغريبة، التي صدعت عقولنا وقلوبنا بترديدها بيننا؟
عفوا سعادة القاضي ليس لي من الجرأة والقوة السياسية-وهو اعتراف من منطق النخوة والإباء لا منطق الضعف والخنوع- لأكشف عن هويتها، فقط لأنني لا أستحضر صورها بين صوري الدهنية، لذلك أطلقت عليها العفاريت والأشباح وأنا أعي ما أقول.
فاعلم سعادة القاضي أنني أمثل أكبر حزب بالمغرب، وصلت إلى الحكم عبر صناديق الإنتخابات، وبإجماع شعبي جماهيري ، فكنت أنا الضامن لاستقرار المملكة المغربية ، دون أن تسقط في دهاليز الفوضى والدماء التي حملتها رياح انتفاضات التغيير في عالمنا العربي.
كما أن حزبي "الحاكم اليوم" كان أول من وافق على صيغة الدستور الجديد الذي تأرجح بين الإجماع وعدم الإجماع من أطراف أخرى.
فالعفاريت والتماسيح هي من تحرك الآن خيوط محاكمتي ومحاكمة فريقي. فأنا ما زلت أحظى بالشرعية بين المغاربة، ومازلت رئيس رئيسك،"فهمتيني ولا لالا" فعد إلى صوابك..
ومن عمر الجلسة الأخير، تفحص القاضي وجه وزيره ورئيس حكومته وفريقه الموضوع في قفص الإتهام، فأرسل ابتسامة ناعمة تخبر قارئها وملتقطها-بعد الإستماع للشاهد، والإطلاع على الأوراق المعتمدة- بانها ستكون الجلسة الأولى والأخيرة لإصدار الحكم المنتظر..
فجأة رن الهاتف واستفاق الرجل من غفوته على أنغام كابوس قفص الإتهام...