يحيى بن الوليد

قبل أسبوعين، فاجأني صحفي صديق في جريدة عربية وازنة، تصدر في المهجر، بالسؤال تالي: "كيف تفسر شهرة البعض مع أنهم فارغون فكريا؟". ومن دون شك فالسؤال لا يطرح مجالا للاعتراض أو المراوغة، وإما أن يجيب عليه الدارس أو لا يجيب. وكان ردّي أنه ينبغي التمييز بين مستويات داخل هذه الشهرة. وقبل ذلك ردّدت على أسماعه النكتة الشهيرة في أمريكا، وحول الشهرة ذاتها، والتي بطلاها كل من شارلي شابلن وإنشتاين. وحصل ذلك حين مرا البطلان بشارع في سان فرانسيسكو فإذا بالصفير يعلو عليهما معا، فما كان من شابلن، بدهائه، إلا أن استفسر إنشتاين حول سر الشهرة التي يحظى بها هذا الأخير في بلده، وكان ردّ إنشاتين أنه يمر بالشارع نفسه عشرين سنة دون أن يخصه أي شخص بالصفير أو التحية.

فمن الواضح أن الشهرة، هنا، ذات صلة بالقيمة الزمنية. وهو ما لا نقصد إليه، هنا، أو في الحال المغربية تعيينا. ذلك أننا نجد صنفا من الكتاب والمحللين والمعلقين... يكتسحون الفضاء العام، مثلما يتصدّرون مقدمة المشهد مع أن "بضاعتهم عادية" ولا تسشتكل مواضيعها. فلا نحن بصدد فكرة محورية، ولا بصدد أفكار داعمة لها؛ إضافة إلى الشكل الذي هو قرين "إراة القول" بالتعبير الدريدي حيث اللغة التي تخدم الفكر مثلما يخدمها هذا الأخير عبر إواليات التضافر.

وشهرة من هذا النوع غير نازلة من السماء، وإنما هي نابتة من الواقع الفكري والإيدولوجي لمرحلتنا هاته. وكان لوسائل الاتصال دوره الأبرز في هذا المجال. فقد أصبح "المرور عبر الشاشة" علامة من العلامات الجارفة على مرحلتنا، وعلى النحو الذي جذر نوعا مخصوصا من "الكتابة". الكتابة على الشاشة وفي الوقت ذاته القراءة على الشاشة. وكل ذلك في المدار الذي يطرح سؤلا، عادة ما لا نفكر فيه، ويتعلق بإذا ما كنا نكتب لأصدقائنا أو نكتب للقراء المحتملين.

ومن هذه الناحية فالمشكل، هنا، في سيل الألقاب والأوصاف من شاعر ومثقف ومفكر وفيلسوف... إلخ. مع أن أغلب ما يكتب لا يعدو أن يكون مجرد "توليف" و"استنساخ"؛ وهذا بالإضافة إلى "التفكك" الملحوظ في المنتوج. ورغم ذلك تتم المناصرة والمبايعة، وبما يعيد إلى الأذهان فكرة "اندساس القبيلة" في ممارستنا الثقافية في سياق "صناعة الطاغية الصغير". وكما قال الراحل محمود رويش: "سنصير شعبا حين ننسى ما تقول لنا القبيلة".