قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول إجراء معمول به و تثبت الممارسة الدولية ان عدد من الدول لجأت إلى هذا الإجراء الذي يدخل ضمن أعمال السيادة بسبب وجود توثر أو أزمة بين دولتين لهما تمثيل دبلوماسي متبادل.
ومن هذا المنطلق يمكن القول ان إجراء قطع العلاقات الدبلوماسية يعد أحد تمظهرات الأزمة او التوثر في العلاقة بين دولتين لهما تمثيل دبلوماسي متبادل.القرار الذي اتخذته المملكة العربية السعودية في العلاقة مع إيران قرار سيادي يمكن لها ان تبرره بتدخل إيران في شؤونها الداخلية من خلال تصريحات غير ودية او تنطوي على تهديد صريح للمملكة صدرت عن مسؤولين كبار في إيران على خلفية اعدام المملكة للمعارض السعودي الشيعي نمر باقر النمر...
كما يمكن للسعودية ان تتحجج في تبرير قرارها القاضي بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران بالاعتداء على مقر بعثتها الدبلوماسية وانتهاك حرمتها من طرف غاضبين إيرانيين على اعدام نمر باقر نمر دون توفير الحماية اللازمة لها وفق ما تقتضيه قواعد اتفاقية فيينا للعمل الدبلوماسي للعام 1961 ..
في تقديري الشخصي المملكة السعودية ستجد ما يكفي من المبررات التي تبرر بها قرار قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، لكن ماهي خلفية هذا القرار في العمق؟
خلفية القرار لا تخرج عن نطاق رغبة المملكة السعودية في التغطية على حدث اعدام 47 شخص من ضمنهم المعارض الشيعي السعودي لنظام حكم ال سعود نمر باقر نمر، لا سيما، وان هذا الاعدام قد جر على السعودية انتقادات كبرى من طرف المنظمات الحقوقية الدولية رغم ان السعودية ربطت اعدام هذا المعارض بالإرهاب للتخلص منه.
وفي هذا السياق، وجب القول، ان المملكة العربية السعودية قامت بتصفية او اغتيال نمر باقر نمر ليس لأنه إرهابي او يحرض على الإرهاب،بل قامت بتصفيته لأنه يشكل خطرا داخليا على استقرار حكم آل سعود، بحكم مرجعيته الشيعية وبحكم ارتباط أجندته الطائفية بنظام الملالي في إيران، وبحكم مواقفه الصريحة والواضحة مما يصفه بفساد واستبداد العائلة الحاكمة في السعودية.
من جانب اخر، الموقف الإيراني، كان موقفا انفعاليا وتصعيديا، وخلفية هذا التصعيد الذي بدأ دبلوماسيا مفهومة ومعلومة، لكنه يعطي فرصة لآل سعود لتبرير اعدام المعارض السعودي الشيعي نمر باقر النمر،كما أنه يظهر إيران كدولة بوجهين: دولة تنتقد اعدام نمر باقر نمر من طرف السلطات السعودية دون سواه وفي نفس الوقت تنفد عشرات أحكام الإعدام في حق ايرانيين وغير ايرانيين آخرها حكم الإعدام الذي نفذ في حق شاعر عراقي بسبب قصيدة شعرية أزعجت الملالي.
أما فيما يتعلق بدخول عدد من الدول على خط المقاطعة الدبلوماسية لإيران فهذا الدخول يندرج في اطار انصر أخاك ظالما كان او مظلوما لا سيما وأن دول الخليج ترتبط فيما بعضها بمجلس التعاون الخليجي.
لا شك ان العلاقات الإيرانية السعودية وصلت إلى مستويات خطيرة من التوثر ستفضي حتما إلى تفجير الأوضاع في الخليج والمشرق بحكم التمدد السعودي الايراني في المنطقتين معا وهو الانفجار الذي سيورط عدد من الدول في الانجرار إلى المستنقع الإيراني السعودي بسبب علاقاتها مع المملكة السعودية وهي علاقات مبنية في المجمل على المصالح والريع...
النظام السعودي نظام معادي للحريات والحقوق وتصرفاته يمكن ان تجر المنطقة لحرب مدمرة يمكن ان يترتب عنها تغيرات جيو استراتيجية كبرى سيكون المستفيد الأول والأخير منها هو القوى الكبرى التي ترعى المشروع الفتنوي الطائفي التقسيمي. بعبارة أدق المشروع الامريكيو صهيوني.
نظام الملالي بدوره نظام معادي للحقوق والحريات وقوته تكمن في قدرته على التمدد في عدد من الدول مثل لبنان من خلال حزب الله والعراق من خلال حزب الدعوة والجماعات والتيارات الشيعية الأخرى واليمن من خلال الحوثي وسوريا من خلال الحرس الثوري والسعودية من خلال جماعة نمر باقر نمر والبحرين من خلال أغلبية الشعب الشيعية.
نحن إذن أمام نظامين تيوقراطيين استبدادين يشكلان خطرا داهما على الأمن والسلم والاستقرار في الخليج والمشرق مع كل ما يمكن ان يترتب على هذا الخطر من تداعيات إقتصادية كبرى ستضر العالم بأسره.
التوقع: إيران ستعيد للواجهة أحداث منى التي عرفت فقدان أكبر عدد من الإيرانيين من ضمنهم ضباط في الحرس الثوري الايراني ودبلوماسيين على مستوى عال من الخبرة مثل السفير الايراني السابق في بيروث الذي عاش كل تفاصيل حرب تموز 2006، وهي ورقة محرجة بالنسبة للنظام السعودي، بحكم ان العدد الأكبر من المفقودين والضحايا سجل في صفوف الايرانيين، مما يرجح فرضية ان تكون بواعث أحداث منى امنية استخباراتية صرفة وليس تدافعا بشريا عاديا.