أن يبتز صحافي مسؤولا حكوميا أو حتى دولة بكاملها أمر عادي، وقد يحدث هذا في جميع دول العالم، كما حدث، مؤخرا، مع الصحافيين الفرنسيين المنبطحين، كاترين غارسييه وإريك لوران، حين ضبطا متلبسين بمبالغ مالية، حصلا عليها من محامي الملك محمد السادس، نظير التزامهما بعدم نشر كتاب، يروج أنه مسيء للمؤسسة الملكية المغربية.

وقد سبق تسريب وثائق منسوبة للمخابرات الخارجية المغربية، تفيد أن أحمد الشرعي، مالك "الأحداث المغربية" و"ميد راديو" قدم أموالا لصحافيين أمريكيين، نظير كتابتهم لمقالات تزين وجه النظام المغربي وتشيد بإنجازاته، ولحد الساعة لم تنف السلطات المغربية هذه الاتهامات، ولا فتحت بشأنها تحقيقا، رغم خطورتها الشديدة؛ حيث اكتفى أحمد الشرعي بتهديد ناشر الخبر، الزميل توفيق بوعشرين، بمقاضاته من خلال اتصال هاتفي اجراه مع موقع "بديل"، دون أن ينفذ تهديده لحدود اليوم، وربما كانت مجرد حيلة منه، لجأ إليها أيضا، مؤخرا، مندوب المغرب في الأمم المتحدة محمد أوجار، حين هدد بدوره بمقاضاة موقع "بديل"، على خلفية نشر الموقع لتصريح للزميل علي المرابط، يقول فيه بأن " اوجار أخبره بان مشكلته مع الملك"، دون أن ينفذ أوجار تهديده ضد "بديل" لحد الساعة، ما قد يستنتج منه أن غاية أوجار، كما كانت غاية الشرعي، هو محاولة "خلط الأوراق" وتخفيف حدة ووقع الفضيحة وسط الرأي العام.

وبالمناسبة، هُناك مُدراء جرائد مغاربة، يهاجمون، اليوم، الصحافيين الفرنسيين، ويُنَظِّرُون في الأخلاق ويعطون دروسا في القيم لرجال السياسة والاقتصاد باسم هذه الأخلاق والقيم، وهم يُقيمون في شقق حصلوا عليها من وزير مغربي سابق، نظير صمتهم على خوصصة القطاعات العمومية بعد إطلاق مشروع "المغربة"، فيما بعضهم حصل على امتيازات خيالية في تجزئة الحدادة في القنيطرة وتجزئات أخرى في مناطق مختلفة من المغرب.

كما أن هناك صحافيين مغاربة يهاجمون اليوم كاترين ولوران ويتقمصون صور الملائكة، كانوا قد أنجزوا تحقيقات صحافية حول أصيلا، قبل أن يتخلوا على نشرها بعد أن فاوضوا عليها "ديناصور المدينة". بل وهناك صحافيين مغاربة إلى عهد قريب لم يكن بوسعهم أن يجدوا ما يأكلوه أو يلبسوه، واليوم، بعضهم يملك شقتين وفندقا وأرصدة مالية في الأبناك، فيما بعضهم أصبح ملاكا عقاريا كبيرا ويدير مقاولة عقارية، وطبعا هناك صحافيين نزهاء وشرفاء، ما بدلوا مواقفهم تبديلا.

لا نريد التوغل أكثر في عرض نماذج مما سبق، المغاربة يعرفون هذه الحقائق وغيرها كثير. كما أن ما قام به إيريك لوران وكاثرين غارسييه عمل مُدان و جبان، وهي جريمة أخلاقية بكل المقاييس، لن تجر عليهما سوى وابلا من الشوهة والذل والإحتقار، والحرمان من الاحترام، فيما تبقى لهما من العمر.

وربما يتمنى الصحفيان الفرنسيان، اليوم ، لو أنهما كانا في السجن بدل أن يضيع رصيدهما الأخلاقي ويفقدا احترام الناس، لأن ما هو أفظع وأخطر عليهما، هو أن جريمتهما كانت ضد التاريخ والأخلاق والشعوب والمعرفة، أكثر مما هي جريمة ضد القانون، الذي يبيح لهما أن يبيعا فكرهما والكتاب الذي ألفاه أو قيد التأليف، إذا جرى الأمر بدون ابتزاز وبعرض مسبق من القصر المغربي، فلا يوجد شيء يمكن أن يبرر به الصحافيان اعتقال فكرهما وقلمهما بعدم الحديث عما يجري داخل المؤسسة الملكية أو المغرب عموما مهما كان حجم الأموال المقدمة إليهما.

فلا التاريخ ولا الشعوب ولا المعرفة ولا الأخلاق يسمحون جميعا لصحافي أو كاتب بأن يتعاقد مع مسؤول على عدم نشر معلومات وأحداث ومعطيات تاريخية؛ تهم مؤسسة عمومية بين يدها حياة ملايين الناس، مهما كانت أوضاع هذا الصحفي أو ظروف عائلته، لأن هذه المعلومات والمعطيات هي ليست ملكا له، حتى وإن كان هو من وفرها وعانى في سبيل تحصيلها، إنها تبقى ملكا للتاريخ والشعوب والمعرفة.

وحتى إن تبث قضائيا أن لوران وكاثرين فعلا كانا قد ابتزا الملك، وتبث أيضا أنهما لصان أوقاتلان، هذا ليس هو المهم عند المغاربة، لأنهم يعرفون أن الفرنسيين يسرقون ثرواتهم وخيراتهم ليل نهار ،قبل الاستعمار وإلى غاية اليوم، ويتدخلون بكل قواهم لوَأدِ أي تجربة ديمقراطية في المغرب، وإضعاف لغتهم العربية وإراداتهم الوطنية، إن ما يهم المغاربة اليوم فعلا هو حقيقة الكتاب وما يتضمنه من معطيات وهل هي معلومات حقيقية أم لا؟ ثم ما مدى خطورتها على أمن واستقرار البلاد؟ كما تهمهم معوقات الانتقال الديمقراطي وأسباب تعثره.

ومن يعتقد أن سقوط كاترين ولوران الأخلاقي سينقص من قيمة الكتاب أو سيُنسي المغاربة والعالم فيه، فهو واهم؛ لقد أصبح الكتاب اليوم أهم من كتاب "الملك المفترس" وربما من كتاب "صديقنا الملك"، فالكل متعطش لمعرفة طبيعة هذا الكتاب الذي خلق كل هذا الجدل، والذي يصل ثمن عدم نشره إلى ثلاثة ملايين يورو، وبالتالي سيكون الديوان الملكي حكيما أكثر بعد أن نجح في الإيقاع بالصحفيين المنبطحين، لو تفضل بالسماح بنشر هذا الكتاب أوتقديم توضيحات بخصوصه إن كان بين يديه نسخا منه بكل شجاعة.

لقد كانت شجاعة الملك محمد السادس التي لم تضاهيها شجاعة ملك علوي قبله حين اعتذر بكل شهامة لضحايا "البيدوفيل" الإسباني وعانق آهاليهم البسطاء داخل قصره في الرباط، ما مكَّن نظامه من نزع أخطر فتيل كاد أن يشعل المملكة المغربية.

واليوم، وبعد أن تبث تحرش الفرنسيين بالمؤسسة الملكية وتعاطف قسم واسع من المغاربة مع الملك، أمام هذه المؤسسة خطة قد تجنبها في المستقبل أي خطر قد يحدق بها، بل من شأن هذه الخطة أن تنقل المغرب إلى نادي الدول الديمقراطية، وتعيد الملك إلى الواجهة من جديد كما كان الشأن في قضية "البيدوفيل الإسباني"، وذلك بفتح باب القصر الملكي للصحافة المغربية وكشف ملابسات وحقيقة هذا الكتاب، وتوضيح ما يستحق التوضيح ونفي ما يستحق النفي، مع ضرورة إعطاء موقفها من بعض القضايا الساخنة كالهجوم الذي يتعرض له رجال أعمال شرفاء ككريم التازي وميلود الشعبي، حتى من طرف فرنسيين، قبل تقديم توضيحات ملحة وضرورية بشأن التصريحات الخطيرة والفظيعة الصادرة عن حميد شباط ضد الياس العماري و الصادرة عن بنكيران حول ظروف وفاة باها وحديثه حول وجود حياته في خطر، مع ضرورة فتح النقاش مع المغاربة حول أسباب تعثر مشروع الملكية البرلمانية وسر عدم حبس بعض المسؤولين رغم وجود دلائل قاطعة تدينهم.