• سعيد غيدَّى

كان من حُسن الصّدف؛ أن قطع التّاكسي مسافة طوِيلة من منطقة "اغرم العلام" إلى مدينة "بني ملال"، حيثُ شغَّل السّائق راديو "وطني" وبدأ كلّ الركاب في تخشع كبير انقطع معه الزفير والشهيق، والمناسبة: خطاب العرش الذي سبقته "الملحمة الغنائية" المشهودة.
من حسنات المسافات قلتُ أن استمع للخطاب، فبيني وبين خطابات "سيدنا" تاريخٌ محترم من المقاطعة.

وعدتُ نفسِي أن أكون حسن النيّة في عملية الاصغاء، والقاعدة تستوجبُ أن انصت إذا قُرئ الخطاب الملكِي، أعلى سُلطة في البلاد تُخاطبُ الرّعايا بمناسبة 15 سنة من التربّع على عرشِ أسلافها. قال الملكُ كلاما كثيراً في مدّة 29 دقيقة من الزّمن.

"سيدنا" استهلّ كلامهُ بعدم الحدِيث عن الحصيلة، مبديا رغبتهُ الملحّة في عدم اهتمامه بالأرقام التي يُمكن أن يطّلع عليها ويقِف على صحّتها من عدمها. "لأنّها مهما بلغت لن تُرضيك شعبي الوفيّ". بقدر ما يهمه التأثير المباشر والنوعي في تحسين ظروف عيش كل العباد على امتداد هذه البلاد.

كاد سائِق التاكسِي أن يصطدم بدراجة هوائية، كانت تطلقُ عجلتيها للرّيح في الاتّجاه المعاكس، انقطعت كلّ أنفاسنا، وبدأ شيخٌ كان يجلسُ في الخلف يُهمهم قِصر السُّور، بدأ بـ"أعوذ بربّ الفلق من شرّ ما خلقْ"، قاطعتهُ شابّة تبدُو "قارْية" من خلال كلامها، طلبتْ من السّائق أن يرفع من صوت المِذياع حتّى تتمكّن من التقاط كلمات خِطاب العرش.

"إذا كان الإنسانُ يعتقد أنه على صواب ولا يخطئُ، فإنّ هذا سيؤدّي به إلى الانزلاق والغرُور"، تبادرتْ إلى ذِهني أغنية "دنيا غَرُورَة... دُنيا ما دايْماشْ... لا بِتخلّي الرّاكب راكبْ... ولا بتخلّي الماشِي ماشِي" بصوت أحمد عدوية، والتي أداها في فيلم "نصف دسته مجانين". واصلَ الملكُ حديثه عن الوقُوف على الذّات، فالطّريق واضحٌ والاختيارت مضبُوطة وأنّه يعرفُ ما يريد، وإلى أين يسيرُ، وبدأ جلالته في سرد الحصِيلة الّتي تفادى الحديث عنها في أوّل الخطاب. فالذّات والوقوف عليها يسلتزم لا محالة كرولونوجيا المبادارات السامية السابقة التِي لم تكلّف الدّولة غيْر تبدير المال العام، ممّا يعنِيه المنطِق، غياب حقيقي لسياسات عمُومية شعبِية وديمُقراطِية تشترطُ ربْط المسؤُولية بمبدأ المُحاسبة والتي لطالما تبجّحُ بها النّظام المغرِبي.

ليْس عيبا أن يكون خطابُ العرش بهذا الكمّ الوفِير من جلد الذّات، هذه الذّات، التي بدأت أمراضُ العصر تنخُرها، وصار الشّارعُ المغرِبي يحاصرُها ويسائِلها ويطالبُها برفع يدها على خيْرات البلاد، وبتحدِيد صلاحيات الملك ويُناديها بفصل السُلط وتحرِير الإعلام خاصّة العمُومي منه، وبجعل الملِك أيضاً شخصاً تحت سُلطة القانُون يُحاسَب. وليْس شخصاً منزّها عن كلّ شيْء، فالدّيمقراطية كونيا لا يُمكنها أن تكون مجزّءة بهذا التخلّف.
لقدْ صارتِ الحركَة الجماهِيرية بكلّ إطاراتها الحزبية والنقابية والجمعوية وعمُوم الشّعب تُمارسُ وظيفة الرقابة، اليوم، على مؤسسات الدّولة، خاصّة التي تدور في فلك القصر والبرلمان والحكُومة والقضاء، وبات من الطّبيعي أن يلجأ المخزن إلى أساليب التّضييق وفرض السّيطرة تفادِيا لأيّ توازُن في القوى التي تتشكّل منها لبنات الدّولة المغربية.

كدتُ أن أجنّ، عندما التقطتْ أٌذني سؤال الملك عن الثّروات في البلاد، وهل جميع المواطنِين يستفيدون منها، عادتْ بي ذاكِرتي "الانفعالية" إلى تقرِير أنجزته مجلّة "شالانج"" الفرنسية المختصة في الاقتصاد والاستثمار والمال والأعمال، والتي صنفت الملك رابع الملوك العرب في الثّراء، وقالت أن مصادر ثروة ملك المَغرب المقدرة بـ 1.9 مليار أورو، تأتي من الاستثمار في صناعة الغذائية – التوزيع- والطاقات المتجددة. وقبل سنة تقريبا، صنَّفت المجلة الأمريكية المتخصصة في عالم المال والأعْمال، "بيبل ويد ماني هي الأخرى"، الملك محمد السَّادس على رأس قائمة "المُلوك الأعْلى أجرا"، مع عائدات سنوية تُقدر بنحو 96 مليون أورو، مُتجاوزا بذلك بقايا مُلوك العالم الذين تعرَّضت ثرواتهم للتَّراجع بسبب تداعيات الأزْمة الاقتصادية العالمية.
حاولتُ مرارا أن أخرُج من أجواء الخطاب داخل "التّاكسِي" وأن أسافر بعقلِي خارج كلّ هذا السياق الّذي فرضته عليَّ سلطة السّائق ومن معه من رُكّاب، لكن، تذكّرتُ أن نظامنا تبعي ورأسمالِي فحين يتمّ التّزواج بين الرّأسمالية كنظام اقتصادي محضْ، والاستِبداد الدّاخلي ينتج عنهُما التّخلّف ويتجلى في كل النُّظُم. نظامنا ابن الغَرب المدلّل، "مدلّل والله مدلّل هذا محبُوبي مدلّل"، لم أستطع أن أركّز على هذه الأغنية الجمِيلة التي أملتها عليّ -مشكُورة على تضامُنها المبدئِي- ذاكرتِي.

تبادر إلى ذهنِي سؤالٌ رغم استهلاكه بشكل نمطي كبِير، أين يُمكن أن يتموقع المثقّف في بلادنا، وبإيّ موقفٍ قد يخرُج من جرّاء هذه الويْلات والخيبات التي صرنا نغرقُ فيها؟ لمْ أجِد جوابا شافِيا في ظلّ سُؤال آخر ملحّ هل لديْنا مثقّفون؟ وما طبيعتهم؟
إنَّ شرائح كبيرة من المُثقفين غير العُضويّين في البلدان النَّامية ولا سيما أولئك الذين تربَّوا على موائد وعَوائد الدُّول الغربية، قد أسهمُوا في تَنمية وعيٍ مشوَّه وزائفٍ لدى الجَماهير، خاصَّة تلك التي تُعاني الأمية والفَقر والجَهل. هذا التشوه وهذا الزّيف الذي حاول الأستاذ محَمّد أحمد الزعبي، سردهما في دراسته المُعنونة بـ"التخلُّف والتقدُّم في البلدان النَّامية والوَطن العرَبي - جدلِية السَّبب والنَّتيجة" في عدة نقط أهمها:
- محاولتهم تنشئة الأجيال على صورتهم عبر سيطرتهم على مُؤسّسات التّربية والتّعليم والتّأهيل والإعْلام والقَمع والتّموِيل.
- إضعاف عُنصر الإبْداع الذّاتي والاعْتماد على النَّفس في بُلدانهم بترويجِهم لـ "النَّموذَج المِثالي" الغَربي الجَاهز.

- القُبول بدورِ "مُثقف السُّلطة" الذي يسخّر مَعرفتَه العِلمية في خِدمَة النّظام السّياسي القائم، حتَّى في حَال كوْن هذا النِّظام قَمعياً وديكتَاتُورياً ومُتعارضاً كلياً أو جُزئياً مع المَصالِح المشرُوعة للأغلبية السَّاحِقة من جمَاهير.
دخل "التّاكسِي" أخيرا بني ملال، طلبتُ من السّائِق أن "ينزّلني" قبل دخُوله "محطّة التّاكسِيات"، كان غارقاً في طقُوس تجدِيد الولاء، استفزّني الكثِير فيه ومنه، كان رجُلا طاعِنا في السّن، قبْل أن ننطلق من "اغرم لعلام" سمعتُه يعدّ بطُولاته في عملية الحصاد عندما كان شابّاً، وكيْف وجدَ نفسهُ مشرّداً بعد أن أفلسَ والدهُ، بسبب ديُونه الكثِيرة التي اقترضها من إحدى البنوك المهتمّة بالفلاحين الصّغار، وعندما عجزَ عن ردّ الدّين تدخلّ القضاءُ الذي صادرَ كلّ مُمتلكاته لأجل البنْك.
نزلتُ، ولم يشفِ قذارةَ ما التقطتهُ أذني غيْر فيروز:
"طلعلي البكي نحنا وقاعدين
لآخر مره سوى وساكتين
بعيونك حنين وبسكوتك حنين
لو بعرف حبيبي بتفكر بمين ."