حميد المهدوي ـ يعتقد كثير من المغاربة أن خصوم المغرب هم جنرالات الجزائر والبوليساريو، والرأي عندي أن خصوم الوطن الحقيقيون هم بنكيران وشباط ولشكر والباكوري وبوانو..، إذ لولا تقلبات مواقف هؤلاء، لما كان هناك اليوم شيء اسمه جبهة البوليساريو، مادامت الأخيرة مجرد حاصل لغياب الديمقراطية في آخر المطاف ليس إلا.

فعندما يُقيم حزب مثل "العدالة والتنمية"، وهو في المعارضة، الدنيا ويقعدها من أجل إبعاد الداخلية عن الانتخابات، ثم يأتي رئيس فريقه البرلماني عبد الله بوانو، بعد أن وصل حزبه إلى الحكومة، ويقول (بلا حشمة بلا حيا): "الإدارة لا تخرق القوانين الانتخابية، الأحزاب هي التي تخرق هذه القوانين، والداخلية لا تزور الانتخابات"؛ ثم حين يعارض حزب "العدالة والتنمية" مقترح تعديل على المادة 3 من قانون المالية، تقدمت به المعارضة، الذي يقضي بمنع التبادل التجاري مع إسرائيل، وهو الذي ظل يعارض هذا التبادل التجاري، حين كان في المعارضة، فلا يمكن وضع هذا الحزب (العدالة والتنمية) إلا في صف خصوم الوطن مادام لا يمكن تصور وطن بدون ديمقراطية، التي لا يمكن تصورها بدون ساسة مخلصون لمواقفهم مهما كان الثمن.

وعندما يأتي الباكوري و شباط ولشكر اليوم ويطالبون بإشراف لجنة مستقلة على الانتخابات بدل وزارة الداخلية ويطالبون بوقف المبادلات التجارية مع اسرائيل بعد أن قبلوا بإشراف الداخلية على الانتخابات خلال ولاية حكومتهم السابقة مثلما ظلوا يقبلون دائما بالمبادلات التجارية مع اسرائيل، فلا يمكن وضعهم ( الباكوري وشباط ولشكر) إلا في صف خصوم الوطن مادام لا يمكن تصور وطن بدون ديمقراطية، التي لا يمكن تصورها بدون ساسة مخلصون لمواقفهم مهما كان الثمن.

وحتى في عز الغطرسة والعدوان الإسرائيلي، عندما كان كيان الاحتلال يدك المنازل فوق رؤوس الأطفال والشيوخ والنساء سنة 2006 وقبلها وبعدها لم يُسمع صوت لا للباكوري ولا لشكر ولا لشباط، يطالبون من خلاله بوقف المعاملات التجارية مع اسرائيل في وقت كانت فيه حكومتهم ماضية في تطبيعها ورفع رقم معاملاتها التجارية مع اسرائيل.

وبالتأكيد إذا أصبح الباكوري ولشكر وشباط غدا في الحكومة فسيدافعون عن التبادل التجاري مع إسرائيل كما سيدافعون عن إشراف الداخلية على الانتخابات، في وقت سيعارض فيه "البجيدي" ذلك.

لكن لماذا هذه التقلبات في المواقف؟

ببساطة شديدة؛ لأنه لا الباكوري ولا بنكيران ولا شباط ولا لشكر يمارسون السياسة من أجل الوطن بل من أجل الوصول فقط إلى الحكومة، التي من اجلها لا يستبعد أن يكون بنكيران اليوم قد عقد صفقة مع الدولة العميقة، تخلى بموجبها عن جميع مواقفه السابقة سواء ما تعلق منها بقضية الاشراف على الانتخابات أو التبادل التجاري مع اسرائيل أو غيره..

وحين يدافع شباط ولشكر والباكوري عن إشراف لجنة مستقلة على الانتخابات وعلى توقيف المعاملات التجارية مع اسرائيل فليس من أجل الوطن والديمقراطية وفلسطين بل فقط لإحراج بنكيران و"البجيدي" أمام الرأي العام؛ ليظهروه حزبا "منافقا"، لا يستقر على حال وموقف، وبالنتيجة ستنزل أسهمه السياسية والنضالية أمام أعين الشعب، مما سيقوي حظوظ المعارضة في الانتخابات المقبلة.

ثم من هو هذا "الفحل السياسي الشجاع" الذي يجرؤ على توقيف المعاملات التجارية مع اسرائيل  فيما المبادلات تذر على خزينة الدولة ملايين الدراهم سنويا ؟ وكيف يجرؤ أحد على إبعاد وزير الداخلية عن مجال حيوي واستراتيجي كالانتخابات، وهي الحاسمة في كل قواعد اللعب داخل نظام سياسي شبه مغلق وشبه شمولي، وهو يعلم "هذا الفحل السياسي" أن وزير الداخلية يعينه الملك وليس رئيس الحكومة الذي لا يتبع له إلا نظريا؟

بكلمة، مواقف المعارضة والحكومة اليوم والأمس من الإشراف على الانتخابات والمبادلات التجارية مع اسرائيل فقط مواقف سياسية للمزايدة والإحراج ليس إلا، فلا أحد في الحكومة ولا المعارضة يستطيع أن يمس ذرة مصلحة إسرائيلية في المغرب ولا أحد في الحكومة ولا المعارضة يستطيع إبعاد الداخلية عن الانتخابات مادام وزيرها محسوب على الملك وليس على حزب سياسي؟