كرست الحملات الانتخابية الممهدة للإستحقاقات الجماعية والجهوية ل 4 من شتنبر وما سبقها من تحضير وإعداد من جانب الاحزاب السياسية ، فرضية أساسية مفادها،أن الإطار الدستوري والقانوني والمؤسساتي المهيكل للإستحقاقات الإنتخابية ،لم يفلح- رغم التطور الذي عرفه منذ العشر سنوات الأخيرة على الأقل- في إعادة الروح إلى العمليات الإنتخابية، بحسبانها مدماك البناء الديمقراطي؛ إذ من خلالها يمارس المواطنون – الناخبون سيادتهم في إختيار ممثليهم بالإقتراع الحر والنزيه والمنتظم في المؤسسات المنتخبة محليا وجهويا ووطنيا. 

فقد أثبتت المعاينة والرصد للحملات الإنتخابية الممهدة للإستحاقاقات الجماعية والجهوية ل 4 من شتنبر، وما سبقها من تحضير وإعداد من جانب الأحزاب السياسية والفاعلين في إطار العمليات الإنتخابية أن السلوك الإنتخابي للأحزاب ومرشحيهم، وكذا المواطنين المتفاعلين مع الظاهرة الإنتخابية لا يعكس بأي حال السياق السياسي والدستوري والقانوني المؤطر لهذه الإنتخابات الأولى في ظل دستور جديد،حفل بمضامين ديمقراطية غير مسبوقة،وخاصة على مستوى تعزيز الديمقراطية المحلية،من خلال تمكين المواطنين من انتداب ممثليهم بشكل حر ومباشر في مؤسسات التدبير المحلي والجهوي مع توسيع صلاحيات هذه المؤسسات في أفق بناء نموذج جهوي فاعل يستجيب لمتطلبات التنمية والديمقراطية
وبالتأكيد،أن بلوغ هذا المرام يفترض بديهيا نضجا سياسيا وإجتماعيا لدى الفاعلين السياسيين أولا،بإعتبار دورهم السياسي والدستوري في تأطير وتأهيل المواطنين ،ثم لدى المجتمع المدني ثانيا، بإعتباره حجرالأساس في أي عملية بناء ديمقراطي.وتشكل الإنتخابات محطة أساسية للتعبير عن النضج السياسي والوعي الإجتماعي سواء لدى الأحزاب السياسية أم لدى المجتمع المدني ،من خلال السلوك الإنتخابي الذي يفترض أن يتحلى بمعايير التحضر والديمقراطية و المنافسة الشريفة بين المرشحين والأحزاب السياسية على قاعدة برامج سياسية إجتماعية تشكل أساسا للتعاقد بين المنتخبين والمواطنين ،والحال أن الظروف والحملات الإنتخابية الممهدة للإستحقاقات الجماعية والجهوية تنبئ باستمراربعض السلوكات الممجوجة التي لازمت العمليات الإقتراعية في المغرب،منذ أول إنتخابات عرفتها المملكة،ويمكن التمثيل لهذه السلوكات بالآتي:
-تهافت الأحزاب على الأعيان بقصد وضعهم في صدارة لوائحها ،في مقابل إقصاء المناضلين المنتظمين في هياكل الحزب، لأن المهم عند قادة هذه الأحزاب هو إنتزاع المقعد الإنتخابي ،ويمكن أن نرصد في هذا الصدد مئات الحالات لمرشحين تصدروا لوائح أحزاب من دون أن يكون لهم أي إنتماء سابق لهذه الأحزاب.
-المتاجرة في منح التزكيات للترشح،بناء على معايير القرابة والزبونية والمحسوبية والرشوة،وإقصاء المناضلين المنتمين إلى هياكل الحزب،مما يؤدي بهؤلاء إلى ترك أحزابهم والبحث عن أحزاب تقبل بمنحهم التزكيات التي حرموا منها من طرف أحزابهم الأم ،
-الإستعانة بسماسرة الإنتخابات لإستمالة الناخبين للتصويت لهذا الحزب أو ذاك،مقابل رشاوي عينية يحصل عليها السماسرة من المرشحين،أو مقابل وعود بقضاء مآربهم ومصالحهم من طرف المرشحين عند نجاحهم في الوصول إلى مقاليد التدبير في الجماعة أو المقاطعة أو الجهة.
-هيمنة الصراعات الشخصية الضيقة بين المتنافسين،على الحملات الإنتخابية ،في مقابل غياب التنافس بين البرامج الحزبية ،التي أضحت متشابهة إلى درجة لا يمكن للناخب فيها التمييز بين هذا الحزب وذاك،
-وضع مرشحين في لوائح أحزاب مبحوث عنهم من طرف العدالة ،بسبب إرتكابهم جنايات أو جنح أو مخالفات ،وفي هذا الإطار رفضت السلطة أسماء مرشحين إكتشفت أنه مبحوث عنهم من طرف العدالة،
-الإستعانة- في الحملات الإنتخابية- بشباب وشابات مقابل أجر ،غير مؤطرين ولا عارفين بقواعد وأخلاق الحملات الإنتخابية ،مما حول الساحات والشوارع والأزقة العمومية إلى فضاءات "للبلطجة" وتخسار الهضرة" وترديد شعارات ماسة بشرف وكرامة المتنافسين،ما كان سببا في إندلاع مواجهات وأعمال عنف هنا وهناك.
ولعل السؤال الذي يطرح بصدد هذه الظواهر السلبية التي تعاكس تطلعات ورهانات المشرع الدستوري والتشريعي الذي إرتقى بمنظومة القوانين المؤطرة للعمليات الإقتراعية في إتجاه تعزيز ديمقراطيتها ونزاهتها هو،من يتحمل مسؤولية إستمرار هذه الظواهر المسيئة إلى التجربة الديمقراطية للمغرب ،التي تكرس العزوف الإنتخابي و السياسي للمواطنين عن صناديق الإقتراع والمشاركة السياسية ،وتعيق – بالتالي- عملية التنمية ،التي لا تنشأ بغير إشراك ومشاركة المواطنين في إختيار ممثليهم في المؤسسات المنتخبة في إطار إنتخابات ديمقراطية،نزيهة وشفافة؟
لعلي لا أجازف إذا قلت أن المسؤول عن إستمرار هكذا ممارسات-هذه المرة- هي الاحزاب السياسية،أقول هذه المرة،لأن "الإدارة" التي اعتدنا على تدخلها السافر في العمليات الإنتخابية امتثلت-ظاهريا على الأقل- الحدود الدستورية والقانونية المرسومة لها،ولم يسجل عليها أي انتهاك مباشر أو تدخل سافر في أي من أطوار العمليات الممهدة للانتخابات أو في شؤون الأحزاب السياسية.وهذا معطى مهم إذا تكرس في الحياة الإنتخابية والسياسية، من شأنه أن ينزع طابع الاتهام الذي ظل يوجه"للإدارة"في إفساد العمليات الإنتخابية،ويغيب دور الأطراف الأخرى،وفي مقدمتها الأحزاب السياسية،التي تتحمل قسطا كبيرامن المسؤولية في تشويه مصداقية العمليات الإنتخابية،حتى ليمكن القول ،بناء على معطيات ملموسة وممارسات واقعية،أن الأحزاب السياسية أصبحت اليوم تتقدم"الإدارة" في خدش وتشويه مصداقية العمليات الإنتخابية،وبالتالي،في تكريس العزوف السياسي وعرقلة التطور الديمقراطي،ولعل الممارسات المومئ إليها آنفا خير مثال على ذلك،وهي تكاد- أي الممارسات- تصير سمة مشتركة بين جميع الإحزاب إلا ماندر.ولم ينفع في إصلاح أمورها لا إصلاح دستوري ولا تحديث منظومة القوانين المطؤرة لعملها؛فممارستها في واد والقوانين في واد أخر.وهي بهذا تطرح تحد لإرادة الإصلاح المعبر عنها على أعلى مستوى في الدولة،لذلك يلزم من الدولة ان تبرح موقف "الحياد السلبي" إزاء الحياة الإنتخابية والسياسية،وتتدخل بكل حزم لفرض إحترام القوانين والأنظمةالجاري بها العمل في إطار العمليات الإنتخابية والسياسية.هذا إذا كانت تريد حقا إصلاح المشهد الحزبي والسياسي وإفساح المجال أمام المواطنين للمشاركة في الحياة السياسية في إطار نظام ديمقراطي سليم.وإلى أن يتبلور هذا الحزم لدى الدولة في التعامل مع الأحزاب السياسية،فإنه لا مناص لنا كمواطنين وناخبين من المشاركة في الإنتخابات لتزكية المرشحين والأحزاب الأقل فساد،وفي هذا الإطار نستحضر الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 62 لثورة الملك والشعب الذي دعا فيه المواطنين إلى تحكيم ضمائرهم أثناء التصويت،واختيار الأنسب،وهي رسالة إلى الناخبين وعاها من وعاها وجهلها من جهلها!