أمرت النيابة العامة في دولة بنما بإجراء تحقيق، على إثر كشف الاتحاد الدولي لصحافة التحقيق لمجموعة من الوثائق تتضمن معلومات، وبيانات، دقيقة، ومفصلة، باستعمال أشخاص، من جنسيات مختلفة، و بواسطة الشركة المدنية للمحاماة "موساك فونسيكا"، لقوانين دولة باناما، عن طريق إنشاء وتأسيس شركات في مختلف مناطق العالم، المعروفة بإعفاءاتها الضريبية وكتمانها لهوية المالكين، من أجل استثمار، أو تبييض الأموال، أو التستر عليها، أو التهرب الضريبي عنها.
وقد عمدت الشرطة البانامية المكلفة بالبحث، وتحت إشراف النيابة العامة، تفتيشا لمكتب المحاماة، المذكور، الذي قدم خدمات لموكليه الموزعين بين؛ مجموعة من قادة دول العالم، ورؤساء حكومات ك، ووزراء، ومشاهير، في مجال الفن والرياضة، ورجال أعمال وأثرياء، بالنظر لوجود أدلة كافية، وشبه لمخالفات جنائية في الوثائق المسربة. وهي نفسها الأبحاث التي أمر بها من ذي قبل الإدعاء العام في مجموعة من الدول، خاصة فرنسا واسبانيا، وإيطاليا، وألمانيا وبريطانيا، وعزم تونس في ذلك.
وبغض النظر عن الغايات الجيوسياسية من هذا التسريب، التي لا تنتج شيئا يدفع الشبهة عن الفاعلين، وبعيدا عن التداعيات السياسية لهذه الفضيحة، والتي أطاحت بمجموعة من الأسماء، منهم رئيس حكومة ايسلندا، و ووزير الصناعة باسبانيا، ناهيكم عن الضغط الذي اشتد على رئيس الحكومة البريطانية دافيد كاميرون. فلا شك أن ما بات يعرف بأوراق باناما، تضع كل الواردة أسماؤهم في حرج كبير، كما تضع مكاتب المحاماة المتورطة في واجهة الاتهام، في علاقتها بضوابط ممارسة المهنة، و المسؤولية، الأخلاقية والتأديبية والجنائية.
صحيح، أن طبيعة، و قَدَرَ ممارسة المحامي لمهنته، جعل المحامون في مرات عدة- خاصة في قضايا إستأثرت باهتمام الرأي العام، الذي يميل بالفطرة، والعادة إلى مناصرة ومساندة الضحية- أثناء اختيارهم طوعاً ، أو في إطار المساعدة القضائية إتيانهم لواجب الدفاع والمؤازرة، والوقوف بجانب وصف عتاة المجرمين،رأنفسهم في مواجهة تيار جارف للرأي العام، الذي تدفعه حرقة ولهيب مشاعر إيقاع العقاب على المجرم وتسفي الانتقام منه بعجالة، و لو سمح القانون دون محاكمة ، لبشاعة الجريمة وفداحة الضرر الذي مس المجتمع.
إلا أن المحامي، ورغم ذلك يأبى أن يتخلى عن مبادئه، ولو ضد إرادة غالبية المجتمع، بضمان حق الدفاع، وضمان المحاكمة العادلة للفاعل والمجرم، ملتمساً له كل الأعذار، بدواعي متعددة ومختلفة، تتوزع بين ما هو نفسي، واجتماعي، واقتصادي، أو عائلي وغيرها، وطالبين إخضاع المتهم، والمشتبه فيه لمختلف الخبرات، لعلهم يفلحون في الظفر له بمخرج يبرؤه أو يخفف عنه العقوبة، ولا يراعي المحامون في ذلك، غير الحدود التي رسمها و يسمح بها القانون. ومن أجل غاية وحيدة، هي ضمان الحق العالمي في محاكمة عادلة.
واليوم، أسقط مكتب المحاماة "موساك فونسيكا" مهنة المحاماة في ورطة ومستنقع الدرن والوسخ، فالمهنة وجدت نفسها شريكة ومساهمة في فضيحة أخلاقية، فهي مدانة بسبب تسهيلها، البحث عن ملاذ آمن، ومجاني وسري لحفظ الأموال، وتنميتها تحت عناوين بأسماء شركات أجنبية، و بعيداً عن أعين المراقبة والملاحقة والتتبع الأمني والعام في أوطانها ، وبعيداً عن أعين الإدارة الضريبية فيها، أو من أجل إعطاء شرعية، قد تكون مفقودة لها بسبب مصدرها لربما غير المشروع.
فهل أدركت مكاتب المحاماة المتدخلة في هذه الفضيحة خطورة عملها، أم سَتَدَّعِي عدم علمها بقصد ونية زبنائها، وتلتمس لنفسها البراءة وإخراجها من الدعوى، أم أنها كانت تعلم علم اليقين ما تقترحه على موكليها من خدمات، توفر لهم السرية والملاذ، والشرعية لأموال ضخمة في مبالغها، وقد يجهل مصدرها ومالكيها، وتبقى تهمة الفضيحة والجريمة لصيقة بالمحاماة بفعل المشاركة.
على أية حال، فكما العقوبة شخصية، فهي كذلك بالنسبة لجسم المحامون، فالجريمة إن كان لها وجود، فهي لا تطال إلا المحامي أو المكتب المشارك فعلاً، و لا يطال خبث الفاعل عموم المحامون الشرفاء، بل يبقى محصورا ومنحصراً في من أتى فعل التحريض أو التسهيل أو التوسط، وتبقى المحاماة شامخة وبريئة من فعل "موسانيك فونسيكا" وغيره من المكاتب المتخلة، و المحاماة تتبرأ منهم براءة الذئب من دم جريمة يوسف.