خلال خطاب ألقاه بالقنيطرة يوم 5 يونيو الجاري، أمام شبيبة حزبه، انتقد السيد بنكيران، رئيس الحكومة وزعيم حزب العدالة والتنمية، سكان القرى “لعروبية”، متهما إياهم باقتراف أفدح وأكبر خطيئة؛ بتصويتهم لحزب الأصالة والمعاصرة
في انتخابات 2015 الجماعية..

خطيئة، على ساكنة القرى أن يتطهروا منها ويتوبوا.

خطيئة، يشبّهها السيد بنكيران، انطلاقا من خلفيته الإسلامية، بـ”الجنابة”، فهي شأنها شأن قذف الحيوانات المنوية في الرحم بعد الوصول إلى الذروة الجنسية، وشأن حيض المرأة وجنابة الرجل اللتين تستوجبان الوضوء الأكبر.

يقول رئيس الحكومة بهذا الصدد “عليكم أن تغتسلوا بماء جافيل والصابون ومنتوجات تنظيف أخرى، حتى تتخلصوا من هذا الرجس الذي يلتصق بجلدكم منذ الاستحقاقات الجماعية والجهوية الأخيرة”، مسترسلا: “هل تريدون أن يرافقكم هذا العار إلى ما لانهاية؟”، هكذا يقول وهو يستعد لتسديد ضربته القاضية:” لقد منحتم أصواتكم لحزب لا أصل له”، أو بمعنى أوضح حزب لقيط وابن زنى.

هذه التصريحات توضح جليا كيف يعتبر السيد بنكيران من لا يدعمه ويدعم حزبه عدوا، “مخطئا” يجب القضاء عليه ومسحه من على الخريطة. هذه التصريحات تبين، بشكل لا يحتاج تفصيلا أكثر، ما الذي يقصده السيد بنكيران بالديمقراطية، ما الذي يعنيه بالتسامح، باعتبار أن السيد بنكيران ومناضلي حزبه لا يمكن أن يقبلوا بغير نموذج الحزب الوحيد والفكر الوحيد، هو طبعا حزبهم وفكرهم هم. وأنهم وحدهم يملكون الحقيقة. هكذا، في رفض تام لأي حوار، مع أن الإسلام نفسه لا ينفك يدعو لهذا الحوار، ومع أن الله ناقش إبليس، حتى.

خطاب مثل هذا لا يقل في شيء عن الخطاب الداعشي.

بالرغم من كل هذا، فإن السيد رئيس الحكومة يرى بأن هذا “الخاطئ” بوسعه أن يتدارك ويتوب وينال المغفرة وذلك باستعمال.. ماء جافيل. والسيد بنكيران يعرف جيدا عما يتحدث، يعرف جيدا ما هو هذا المحلول وما هي تأثيراته. ألم يكن هو نفسه (بنكيران) مالكا ومديرا لمعمل إنتاج هذه المادة (جافيل)؟ دون أن ننسى بأن الرجل ذا تكوين علمي فقد درّس الفيزياء لفترة وله بالتالي معرفة بالكيمياء.

هذا معناه أن رئيس الحكومة ليس جاهلا بطبيعة المحلول السامة والمسببة للتآكل. (إذ يتسبب في سلخ للجلد والأغشية المخاطية وحتى حروق على مستوى العينين). وقد يؤدي استنشاق رائحته إلى ردة فعل تنفسية (التهاب في الشُّعب الهوائية يرافقه انخفاض جزئي لضغط الأوكسيجين في الدم) تظهر من خلال ضيق في التنفس (أو عجز في التنفس وإحساس بالاختناق) وسعال (قد يستمر لعدة سنوات بعد ذلك).

في هذه الحالة، الاغتسال بماء جافيل ليس غرضه التطهر بل سلخ الذات لانتزاع الذنوب منها ونيل الغفران.

بالنسبة إلى السيد رئيس الحكومة، هؤلاء “لعروبية” ليسوا سوى “بقر علال” جَهَلة، سُذّج ولربما حتى أغبياء، يتم التلاعب بهم واستخدامهم متى وأنى أُريدَ ذلك.

لكن زعيم “البي جي دي” يحتفظ لنفسه بهوية ذلك “المجهول” الذي “يتلاعب” و”يستخدم”.

على الرغم من أنه، وكما لا يخفى على أحد، فإن هذا “المجهول” في العالم القروي يعني الأعيان وبالأساس المخزن، وهؤلاء هم من يقودون الحرْكة و”يدبرون” الانتخابات.. هل ينم تحفظ الزعيم الإسلامي هذا عن قلة شجاعة، أو عن جبن، أو ربما خوف من مواجهة قد تكون عواقبها ثقيلة؟؟

بالمقابل، فإنه يستحلُّ إذلال واحتقار واستبخاس “بقر علال”، فهذا أمر لا عواقب له ولا يشكل أي خطر، حيث أن هؤلاء يجسدون أكباش فداء مناسبة وغير مؤذية للزعيم الإسلامي المفدى، وبوسعه أن يمارس أمامهم اختياله ويستعرض أمامهم عضلاته.

أما بالنسبة لتصريحه بأن “البام” حزب نشأ عن علاقة حرام ولا أب معروفا له، فإن هذا الأمر ينم عن سوء نية، على الأقل، إن لم يكن عن شيء آخر.

فالسيد بنكيران يتناسى عمدا بأن هذا “الوالد” يدعى فؤاد عالي الهمة، وهو ذات الرجل الذي تفضل رئيس الحكومة بشتمه ونعته بأفدح الأوصاف واتهامه بكل الشرور بل وتحذير الملك منه ونصحه بإبعاده عنه دون انتظار.

وكما يقول صديقي الحكيم خريشفة:” سبحان مبدل الأحوال والله ينصر من صبح والراس اللي ما يدور.. كدية”.