يقول الأديب والشاعر الفرنسي فيكتور هوجو : “لا تكثر الإيضاح فتفسد روعة الفن”
لكن المشهد أو المشهدين المُسربين من فيلم "الزين اللي فيك" تجاوزا المقولة بعيون حمراء لِيُحْدِثَا ضجَّة قبل أوانها تخدم الفيلم بطريقة غير مباشرة.
بين جرأة الموضوع و عقم الفيلم لن تجد سوى الاستسهال والتمادي والاعتقاد بأن النجاح يمكن أن يصنع بِمُيُوعَةِ السيناريو و الذي لا يرقى أن يُمَثِّل في ميزان الفن السابع للأسف سوى شريط متواضع المستوى ليحسب ضمن أفلام السنة.
ربما يبتهج صنّاع الفيلم بالإيرادات العظيمة، و يفخرُونَ بقوة الواقع التي لفت معظم مشاهده لكنهم تناسوا أن الفن لا يختزل الإخبار أو النقل الحرفي و لم يكن يوما مجرد مرآة للمجتمع، أو إعادة تجسيد الأحداث الواقعية فقط بل لطالما كانت رسالته أرقى و أنبل تُنَمِّي رَعْشَة الْوَعْي و تُكَرِّسُ لَذَّة الْمَعْنَى و تَخْلُقُ فِي دوَاخلِ الْإِنْسَانِ أحاسيس متأججة و مشاعر جياشة يبحث من خلالها عن ذاته التي ضاعت بين زحمة الحياة اليومية وهو مَشْدُوهٌ فِي تفسير المشهد الدرامي المعروض أمامه وفق تراكماته النفسية والاجتماعية والثقافية.
يقول د. مصطفى عبده أستاذ فلسفة الجمال بجامعة النيلين –السودان-
"الفن وسيلة لإظهار الجمال والمحبة والترقي والسمو، وتأكيد إنسانية الإنسان لتعمير الأرض، وإنشاء إنسان أخلاقي متجمل يعيش في المستويات العليا الرفيعة. الفن أداة لمقاومة التدني والهبوط والسقوط إلى القاع، واستيقاظ النفوس لترى الجمال وتعمل بمقتضاه من خلال الحق والخير والجمال والاستعلاء والاعتدال، والعمل في "الوسط" المتعالي من بين طرفي الإفراط والتفريط. الفن أصدق أنباء التاريخ؛ فكم من حقائق تاريخية انزوت في ظلمات التاريخ، وكان الفن هو الكاشف عن تلك الحقائق الخفية، لأن الفن هو تعبير الشعوب عن نفسها بنفسها لنفسها."
إلا أَنَّ بَعْضَ الأعمال الفنية المطروحة في السوق المغربية اليوم تجاهلت كل المعاني الْمَطْلُوبِ اِسْتِنْبَاطُهَا مِنهَا لتغرق في واقع مُضْمَحِلٍّ بَائِسٍ و تُعْرَضَ فِي صَالَةِ مُظْلِمَة فقدت رونقها بفقدانها أهم الشرائح التي كانت تنتظر نزول فيلم الشهر بفارغ الصبر، و هو ما لامسناه في المشاهد المُسربة من فيلم "الزين اللي فيك" حيث عجز صناعه عن طرح بديل أكثر إشراقا يعتمد على افتراض حلول و لو نسبية ، ليكتفوا بنقل عالم الليل و اللهو والجنس المأجور و بصورة ربما أكثر سطحية.
الدعارة هي أقدم مهنة بشرية صمدت في وجه مختلف التحولات التي عرفتها المجتمعات، و قد تمكنت من تطوير وسائلها و أساليبها ، من أجل الحفاظ على وجودها و استمراريتها طيلة القرون الماضية .. هي حقيقة مؤلمة و واقع قائم بذاته نحتاج لجرأة زائدة و قوة استثنائية لكسر هذا الطابو و التَّعَمُّقِ فِي أَسْبَابِهِ الجذرية " الإنسانية والاجتماعية و الاقتصادية " بدل إطلاق الأحكام المسبقة الْمُبَطَّنَةِ بِالْاِحْتِقَارِ و التبخيس ..
آفة اجتماعية ستظل قائمة و بقوة ، حتى في ظل تجريمها والمعاقبة عليها ولو بأقسى العقوبات ،ظاهرة كغيرها من الظواهر التي لازمت و تلازم المجتمع في السر و الخفاء تحت رعاية الدولة في غالب الأحيان بل لها قابلية التطور لتتعايش و التطورات الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية المصاحبة لها .
حتى لا نكون مُجْحِفِينَ فِي حَقِّ أحَد لا يمكننا إنكار جرأة الممثلة -بطلة الفيلم- التي برعت في أداء دورها و اجتهدت في إطلالتها لتتقمص الشخصية بمهارة عالية لكن التَّذَبْذُبَ و الانحلال الشفهي و البصري أخفيا مفهوم الرسالة فلم نلتقط إشارات الفن المبدعة ولم نلمس مغزى إتقان الصنعة و كل فن إنساني لا يخضع لهذه القاعدة إلا و تحَوِّرت رِسَالَتُهُ و فَقَدَتْ بَريقهَا..
هذا لا يعني أن ينفصل الفن عن الواقع و يَنْشَقَّ عَنهُ ، لكنه لا يعني في المقابل أن يكون تحت قبضة التجاوز و التمرد حد الانحلال خاصة في مجتمع ، مُشْبَعٍ بِالْمُحَاكَمَاتِ الدينية والاجتماعية ..
وفي انتظار عرض الفيلم لَا نُخْفِي أَنّنَا نعي جَيِّدًا أنه من الصعب أن تستغني السينما المغربية عن الفيلم التجاري لكن من الواجب عليها أن تستحضر أخلاقيات الفن في الرسالة المراد التطرق لها و مراعاة طبيعة المجتمع ليتقبلها بسلاسة و احترام .. وهنا نستحضر الجميلة غادة السمان في قولتها "وحدهُ الفن قد ينجح في اعتقال لحظة هاربة ما دون ان يقتلها أو يموت بموته".