عبد الله أفتات*

نشير بداية أن مشروع مدونة الصحافة والنشر كان من المفروض أن يخرج إلى حيز الوجود منذ سنة 2013، لكن ذلك لم يحدث، ونقدر أسباب ذلك في ما يلي :

ـ تجاذب كبير داخل أجهزة السلطة، خاصة وأن هناك من يرى من داخلها أن الوقت مناسب لضبط إيقاع حرية الإعلام، والصحافة الإلكترونية على وجه التحديد التي استفادت من سياق المرحلة، والتي استطاعت أن توسع من هامش الحرية إلى أقصى مداها خلال مرحلة الحراك الذي شهده المغرب سنتي 2011 و 2012 ولا زالت صامدة تكافح رغم كل التحديات .

ـ الانتظار حتى يتراجع وهج ضغط الشارع، بحيث كلما أخذنا مسافة من الحراك كلما كان حجم التراجعات كبيرا، وتضحيات السلطة متواضعا، للخروج بنص يوافق المرحلة القادمة التي تعرف تراجعات على مستويات عدة .

ضرورة "تصفية" الساحة الإعلامية من كل الملفات العالقة
في كل مناسبة تتاح له يؤكد مصطفى الخلفي وزير الاتصال أن النص القادم لمشروع مدونة الصحافة والنشر "متقدم وتطور وخالي من البنود السالبة للحرية"، هذا إذا استحضرنا إقرار وثيقة دستورية جديدة في سياق حراك وطني وإقليمي غير مسبوق، فإنه من المفروض لاستقبال هذا "الحدث" تصفية الساحة الإعلامية من كل "الشوائب" والملفات العالقة، وليس بإضافة قضايا جديدة كما هو حاصل اليوم.

فكيف للوزير أن يدعي أن الساحة الإعلامية ستعرف مرحلة جديدة، ولا زال موقع إلكتروني (لكم) محجوبا دون تعليل مقنع يطمئن، ولا زال ملف الزميل علي أنوزلا الذي اعتقل لأسابيع يراوح مكانه عند قاضي التحقيق، في الوقت الذي يستعد فيه الزميل علي إطلاق موقع إلكتروني جديد، كما أن الزميل حميد مهداوي رئيس تحرير موقع "بديل" يتابع في العديد من القضايا، ويتلقى في كل مرة استدعاء جديد، وهي طريقة من طرق "الترهيب والتضييق"، هذا دون أن ننسى تواجد الصحفي مصطفى الحسناوي وراء القضبان بسبب ما يعتبره البعض "آراء صحفية"، بالإضافة إلى الاعتداءات التي يتعرض لها مجموعة من العاملين في الإعلام خاصة الإلكتروني منه.

بمعنى أوضح و في انتظار خروج النص بالمعايير التي يحدثنا عنها الخلفي مصطفى لا بد من توقيف المضايقات والمحاكات والاعتداءات وإطلاق سراح الصحفي مصطفى الحسناوي، ورفع الحجب عن موقع "لكم"، وهي بمثابة حسن نية للانطلاقة المبتغى، أما ما عدا هذا فإنه لن يكون أي معنى لم يدبره الخلفي .

محاولة "إخلاء" الساحة من كل المنتقدين

قبل أن يتم الإفراج عن مشروع "مدونة الصحافة والنشر" الذي بقي وراء قضبان السلطة زهاء 3 سنوات، حيث كان في كل مرة يقدم وزير الاتصال مشروعا ثم يسحبه، عملت السلطة بمكونات متعددة على إخلاء الساحة من كل الأسماء المقلقة والتنظيمات المعنية التي يمكن أن تزعجها، وهكذا بادرت السلطة كعادتها إلى ما يلي تجنبا لخطوات قد تكون مكلفة إعلاميا وحقوقيا :

ـ وذلك عبر الاستمالة والدعم الذي يفقد الإطار استقلاليته، وهذا ما حدث مع النقابة الوطنية للصحافة المغربية، والفدرالية المغربية لناشري الصحف، والفدرالية الوطنية للإعلام، وهو ما يفسر تواجد رموزهما باللجنة العلمية لصياغة المشروع دون غيرهما، وتلقيهما لدعم دوري ومناسباتي .

ـ إقصاء العديد من الإطارات الممثلة لجزء من الإعلاميين ومحاولة دفعها للهامش تحت مسمى "الأكثر تمثيلية" وهو ما يجعلنا نسائل هذه التمثيلية على جميع المستويات.

ـ بغض النظر عن المشاكل الداخلية التي تعرفها الرابطة المغربية للصحافة الإلكترونية، فإن عدم تسليم الوصل القانوني لهذا الإطار بعد مؤتمرها الوطني الأخير ساهم في أزمته، وكان استمرارية تواجد الرابطة من شأنه أن يكون له وقع إيجابي، هذا إذا علمنا أن إخلاء الساحة تزامن مع بداية مسيرة الاتحاد المغربي للصحافة الإلكترونية .

ـ دفع العديد من الأسماء الصحفية الكبيرة إلى تغيير مهنتها (محمد حفيظ، أحمد البوز، عمر بروكسي..نموذجا)، أو إلى مغادرة البلاد ( بوبكر الجامعي، الحسين المجدوبي..نموذجا) أو حرمان البعض من الكتابة داخل الوطن (علي المرابط نموذجا) بطرق شتى.

ـ الأسماء التي فضلت الاستمرار في ممارسة عملها الصحفي الجاد، فقد فضلت السلطات المغربية نهج أسلوب مغاير معها، وصل حد الاعتقال والمحاكمة، (مصطفى الحسناوي، علي أنوزلا، حميد مهدوي...) .

ـ الأمر تعدى المضايقات والمحاكمات والاعتقالات لدرجة رفض السلطات المغربية رفع الحجب عن موقع "لكم" لتضمن استمرار الساحة فارغة من خط تحريري مزعج، رغم المراسلات التي قام بها مدير الموقع للجهات المعنية خاصة رئيس الحكومة، ووكالة تقنين الاتصالات..، لما طلب المعني بالأمر حجب الموقع لما كان وراء القضبان استجابت السلطات لطلبه، ولما طالب برفع الحجب قيل له أنت لست صاحب الموقع، يا للغرابة .

في "المنهجية التشاركية" المفترى عليها

لا يترك مصطفى الخلفي وزير الاتصال مناسبة إلا ويتبجح بنهج وزارته "مقاربة تشاركية" غير مسبوقة، لكن لما تعود لترى حقيقة ما يدعيه الوزير تجد ما يلي :

ـ اللقاءات الاستشارية لم تكن متاحة للجميع، بل هي اعتمدت فقط على النقابة الوطنية للصحافة المغربية، وفدرالية الناشرين ..في حين هناك إطارات أخرى متواجدة في الساحة ولها مكانتها لم يتم الاستماع إليها إلا بعد أن تم الكشف عن المشروع في صيغته الأخيرة، وهناك من الإطارات الممثلة لجزء من العاملين في الإعلام الإلكتروني لم يتم مراسلتها إلا في محاولة لتحقيق الاجماع ليس إلا .

ـ من بين طرق "الاستشارة" التي قامت بها الوزارة أنها وضعت ورقة على موقعها عبارة عن أسئلة من قبيل كيف ترى؟ وما رأيك في كذا ؟... وهل هذه طريقة يتعامل بها مع الإطارات الممثلة؟ هل هذه هي الطريقة التي قصدها روح الدستور المغربي ؟ لذلك الاتحاد المغربي للصحافة الإلكترونية رفض وانتفض ضد هذه الطريقة التي وصفها في بيان له ب "الإخبارية" )نموذج لقاء الجمعة 12 أكتوبر 2012 الذي حضرته قيادات من الاتحاد المغربي للصحافة الإلكترونية)، وهي تضرب حقيقة فصول من الدستور المغربي التي أعطت مكانة معتبرة لهيئات المجتمع المدني .

في تمثيلية الصحافة الإلكترونية

اعتمدت الوزارة الاتصال على طريقة غريبة في استدعائها للقاءات التي تسميها بالاستشارية، فبالإضافة إلى الرابطة المغربية للصحافة الإلكترونية (قبل أن يتوقف نشاطها) والاتحاد المغربي للصحافة الإلكترونية (قبل أن ينتفض على الطريقة التي اعتبرها اخبارية وليس استشارية) كانت الوزارة تستدعي 20 موقعا ممن يعتبرون من الأوائل حسب تصنيف "اليكسا"، ولما وقفنا على أسماء المواقع المعنية وجدت معظمها مع استثناءات قليلة هي قريبة أو مقربة من السلطة .

وهذه الطريقة في التشاور لم تكن موفقة على الإطلاق لأنها حاولت تهميش إن لم أقل ضرب الإطارات المفروض إعطاءها المكانة المناسبة لتشجيع الانتظام والتنظيم ومنحها دفعة حديدة في أفق التوسع والانتشار ليكون بذلك مخاطبا محددا ليسهل التواصل ، لكن يبدو أن طريقة وزارة الاتصال كانت مقصودة، وإلا لماذا فقط مع الإطارات الممثلة للصحافة الإلكترونية وليس مع باقي التعبيرات الأخرى؟ ...يتبع .

*رئيس الاتحاد المغربي للصحافة الإلكترونية