بديل ــ أنس العاقل

في هذا المقال القيم الذي خص به الأستاذ الباحث، أنس العاقل، موقع "بديل"، يكشف الكاتب العديد من مواطن الخلل في المنظومة التعليمية بالمغرب، حيث استعرض العاقل، جملة من النقاط السلبية التي أدت في نظره إلى تقهقر و تدني مستوى التعليم، رغم كل الإجراءات المتخذة مع تعاقب الحكومات.

 وانتقد العاقل في مقاله، الساسة المُتبعة في محاربة الهدر المدرسي، وغياب التحفيزات المادية للأطر التربوية، إضافة إلى افتقاد المدرسة العمومية لعناصر الجذب والإبداع، من أجل تطوير طاقات التلميذ.

وطرك الكاتب العديد من سبل النهوض بالنظام التعليمي بالمغرب و الرقي به، عبر توصيات و حلول عملية، من شأنها الرفع من مردودية التعليم في المغرب الذي احتل مراتب متأخرة عالميا خلال السنين الأخيرة.

و هذا نص المقال كاملا:

حول مردودية المدرسة العمومية المغربية

أود المساهمة في النقاش العمومي الدائر حول إصلاح منظومة التربية والتكوين انطلاقا من التجربة الميدانية في مجال التدريس بالمدرسة العمومية المغربية، حيث سأقدم وجهة نظري مستعرضا أهم مواطن الخلل في منظومتنا التربوية-التعليمية مع اقتراح سبل كفيلة بتجاوزها. وسأنطلق من تقرير الخمسينية الصادر سنة 2006 والذي أشار إلى أن نظام الحصص "العتبة" المعمول به حاليا في مستويات التعليم الأساسي والإعدادي يعتبر المسؤول الأساسي عن تدني جودة المدرسة العمومية المغربية، فهو يسمح للتلميذ أن يحمل معه تعثرات المستوى السابق، لذلك يصعب على المدرس أن يبني على أساسها قدرات جديدة، خصوصا عندما يقترن ذلك بالاكتظاظ، الشيء الذي يجعل التقويم الفردي لكل تلميذ على حدة مطلبا مستحيل التحقق. 

كما أن سياسة تعميم التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي تؤثران بشكل مباشر على جودة التعليم في ظل محدودية العرض المدرسي من مؤسسات وأطر، وغياب بنيات خاصة باستقبال التلاميذ موضوع الهدر المدرسي، حيث يتم دمجهم في نفس الأقسام مع باقي التلاميذ، مما يوتر أجواء التحصيل الدراسي لأن أغلب تلاميذ الهدر المدرسي يعانون من مشاكل نفسية حسب معاينتنا الميدانية، مما يعرقل عملية تعلمهم، وذلك في غياب أي شكل من أشكال الدعم النفسي داخل فضاء المؤسسات التعليمية.

ينضاف إلى ذلك غياب التحفيز المادي بالنسبة للمدرسين مع تكريس تمثلات خاطئة عنهم لدى قطاعات واسعة من المجتمع المغربي، وتقادم منهجيات التدريس المعتمدة في المدرسة العمومية وفي مراكز التربية والتكوين.

ونود أن نشير إلى أن المدرسة العمومية المغربية تفتقد لعناصر الجذب من قبيل الأنشطة الفنية الإبداعية التي تجعل التلميذ يطور شخصيته ويصرف عنفه ليصبح طاقة إبداعية خلاقة.
إننا نقترح بعض الإجراءات الكفيلة بتحسين جودة التعليم والرفع من مردوديته ،حيث يجب قبل كل شيء إلغاء نظام "الحصص" المعمول به حاليا والرجوع إلى نظام المعدل الموجب للانتقال إلى المستوى الموالي، ويلزمنا التحقق من استيفاء المتعلم كفايات التعليم الأساسي قبل الانتقال من المستوى الابتدائي إلى الثانوي الإعدادي،وحصر عدد التلاميذ داخل كل قسم في عشرين تلميذا، مع التخفيف من جدول الحصص الدراسية ليصبح ثمانية عشر ساعة، مع برمجة ست ساعات إضافية تخصص لممارسة الأنشطة الإبداعية المبرمجة داخل البرنامج الدراسي.

ونقترح حل مشكل الدعم النفسي داخل المدرسة عبرتكوين الحراس العامين في مجال التربية الذاتية والتوجيه التربوي، وذلك من أجل مصاحبة التلاميذ في مسار التطوير الذاتيCoaching، وتوجيههم توجيها صحيحا يتلاءم مع ميولهم وطريقة إدراكهم المعرفية. ويجب أن يتم التركيز على زرع ثقافة احترام الذات والآخر، والإيمان بقدرة التلميذ على تحقيق أحلامه، كما يجب تدريبه على طرق تحويل الطاقة السلبية إلى طاقة إيجابية تصبح وقود الإرادة. ويمكننا إعفاء الحراس العامين من المهام الإدارية من أجل ضمان تفرغهم التام للتوجيه التربوي والدعم النفسي.

أما تحفيز الأطر التعليمية فيلزمه ربط الترقية المهنية بالمردودية، وذلك حسب معدل نسبة التلاميذ الذين استوفوا كفايات كل سنة دراسية، حيث يمكن أن يقترح المفتش التربوي تقييما إجماليا موحدا على التلاميذ يسمح بتحديد قدراتهم وكفاياتهم. ويجب تجنيد الإعلام من أجل تقديم صورة حقيقية عن التضحيات التي يقدمها رجال ونساء التعليم مع تثمين دورهم في صناعة وعي الإنسان المغربي.

كما تفرض تطورات العصر إعادة النظر بشكل جذري في طرق التكوين بالمراكز الجهوية للتربية والتكوين في أفق تكوين أطر تربويةمبدعة تمارس دوريا التفكير النقدي تجاه طريقة تدريسها وتقوم بتحيين معارفها بشكل يومي، وتتميز بالمرونة الكافية التي تجعلها تكيف شخصيتها في كل مرة تحس فيها بأن العالم من حولها يتغير. كما تفرض تطورات العصر أيضا الانفتاح على منظومة التعليم الأنكلو- ساكسونية المتميزة بوظيفيتها وفاعلية نتائجها على المتعلم، فهي تقدر الإبداع، الفاعلية، والقدرة على الإنجاز.

إن تنفيذ هذا البرنامج يتطلب منا تخصيص موارد مادية مهمة وأطر بشرية مؤهلة وكفؤة تعرف قيمة الاستثمار البشري، وقدرته على تحقيق أرباح أضعافا مضاعفة، حيث ينتج نخبا تشتغل بإبداعية وابتكار وفاعلية في جميع الميادين، ويمد سوق الشغل بأطر مؤهلة يمكنها المساهمة في الرفع من وتيرة النمو الاقتصادي، كما يجنب مخاطر ثورات اجتماعية وقودها شباب نصف متعلم لم يستطع أن يجد له موطئ قدم في سوق الشغل، فتربى لديه نوع من الحقد الاجتماعي بسبب السياسة التعليمية الإقصائية. إن الكلفة التي نؤديها جميعا بسبب تدني جودة التعليم تفوق بكثير ما يلزمنا أن ننفقه على الإصلاح، فالرهان على التعليم هو رهان على الاستقرار الاجتماعي وعلى دورة النشاط الاقتصادي، والهدر التعليمي يدمر المواطنة كما يدمر الرأسمال البشري.إن شعبا متعلما يستطيع حماية استقرار البلد أكثر مما تستطيع أن تفعله قوة أقوى جيش نظامي.

الأستاذ الباحث، أنس العاقل