د. نجيب البقاش

يعكس القانون عادة القيم الأخلاقية و مستويات السلوك المتواضع عليها بين أفراد المجتمع الذي ينبثق منه، فالصياغة التشريعية ليست أكثر من صوغ القيم الأخلاقية التي ارتضى المجتمع الاحتكام إليها في شكل قواعد محددة من الحقوق و الواجبات تنتظم الجزاء في أحوال الخروج عن هذه القيم.[ن.ج.كولسون،في تاريخ التشريع الاسلامي،ترجمة وتعليق محمد أحمد سراج،الطبعة الأولى،1992 ،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع] لذلك لا بد لكي تكون قواعده نافعة و فعالة أن تتوافق مبدئيا مع البنية النفسية للأفراد المكونين له،اذ لا يمكن تصور تنزيل مقتضيات أو قواعد قانونية ما ،أبدى المجتمع رفضا واشمئزازا مسبقا منها،لذلك فان كل قانون لا يعبر عن مستويات السلوك السائدة والطموحات المشتركة و التي ارتضاها مجتمع ما، قد يظل حروفا ميتة بسبب المقاومة الايجابية أو السلبية له من قبل المواطنين برغم كل ما للعملية القانونية من قوة و فعالية.(دينيس لويد ،فكرة القانون،صفحة133 ،سلسلة عالم المعرفة ،عدد24 )

وعنصر الجزاء هذا ،يعد بالنسبة للنظام القانوني شرط حياة و وجود ،صحيح أن القيم الأخلاقية تلعب دورا لا يستهان به في الضبط والتنظيم التلقائيين للمجتمعات بالرغم من خلوها من عنصري الاكراه والقسر،يصدق الأمر كذلك على القيم الدينية التي أمرت بها مختلف الشرائع السماوية وأكمل صياغتها الاسلام والتي يستند خطابها في أغلب الأحوال لاستمالة المومنين الى اكتسابها على الترغيب والترهيب الأخروي ،لكن وبالرغم من كل ذلك يبقى العامل المادي الجزائي الدنيوي الذي يتوفر عليه القانون ويتميز به عن باقي الوسائل الأخرى التي تنظم المجتمع، هو الأكثر استنجادا به من طرف أولي الأمر أو القائمين على شؤونه ،فالطبيعة البشرية خطاءة و تأبى الانصياع تلقائيا للقوانين الجارية مهما عبر مشرعو هذه القوانين عن أعلى مستوى من الحكمة والمعقولية ،وقديما عبرت الحكمة الصينية عن ذلك قائلة :"ان قانونا واحدا مقترنا بعقوبات شديدة لضمان تنفيذه أفضل من كل كلمات الحكماء لحفظ النظام "(د.دينيس لويد،فكرة القانون،صفحة 15،سلسلة عالم المعرفة عدد24) أما من جهة ثقافتنا الاسلامية فقد أعلنها صراحة الخليفة عثمان بن عفان ،بعد تجربة مريرة عاشها أثناء فترة ولايته أودت في نهاية المطاف بحياته،قائلا:ان الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"

غير أن القانون من جهة أخرى، لم يوجد فقط ليكون مجرد قوة مفيدة لكبح نزعات الإنسان الشريرة كما يقول طوماس الاكويني، بل يجب النظر إليه كعامل ايجابي يستخدم أداة للتقدم الاجتماعي و الرفاه (دينيس لويد،نفس المرجع،صفحة18)، فالتجربة دلت على أن القانون هو إحدى القوى التي تساعد على التحضر الإنساني و على أن نمو الحضارة قد ارتبط على الدوام بالتطور التدريجي لنظام من القواعد الشرعية و لجهاز يجعل تنفيذها فعالا و منتظما ،لذلك ليس يلزم من مشرع مجتمع متخلف مثلا أن يقتصر، و هو يسن القوانين التي تنظمه أن يعكس فقط ما ارتضاه الأفراد المكونون لهذا المجتمع من قيم سلوكية تعبر عن مستواه الثقافي الهزيل ،بل على العكس فهو يعمد باعتباره سلطة متنورة و حكيمة أن يسطر القوانين التي من شانها أن تدفع به إلى الأمام مع العمل على تذييلها و إتباعها بعقوبات زجرية أو وسائل جبرية تضمن تنزيلها على ارض الواقع بطريقة فعالة و شرعية في نفس الآن.

هذه التوطئة كان لا بد منها للاقتراب رويدا من قانون جد طموح لتحقيق هذا التقدم، أصدره المشرع المغربي في بداية الاستقلال، لكن لم يعرف سبيله إلى التنزيل العملي على ارض الواقع بالرغم من محاولة إحيائه من جديد عند بداية الألفية الثالثة. يتعلق الأمر هنا بقانون إلزامية التعليم الصادر بتاريخ 13/11/1963 و المتمم بظهير 19/05/2000.
و لعل المرء يتساءل من خلال مجرد قراءة عنوانه، كيف أمكن لقانون استراتيجي يتأسس عليه المصير العلمي و الحضاري لأمة عريقة النسب المعرفي أن يلقى حتفه بمجرد ولادته، ليظل للأسف غائبا عن وعي الساهرين على تطبيق القانون و كذا عن وعي الحاملين لهاجس الشأن التعليمي و محاربة الأمية، فلحد تاريخه لم يتم متابعة أي مواطن مغربي، أبا كان أو وليا لأمر طفل بلغ سن التمدرس ، على خرق مقتضياته بالمواد الزجرية المضمنة به ، بل أكثر من ذلك فان المشرع المغربي الذي أصدره، وأثناء وضعه للقواعد التي تنظم التزامات الآباء تجاه أبنائهم بمدونة الأسرة ذات المرجعية الدينية الاسلامية و منها الالتزام بتعليمهم، لم يستحضر إطلاقا ظهيرنا هذا خاصة الجانب الزجري منه بالرغم من ارتباطها به و تعويلها عليه كوسيلة وحيدة تضمن تنفيذ هذه الالتزامات . يتعلق الأمر هنا بالفقرة السابعة من المادة 54 من مدونة الأسرةالتي تنص على أن من حقوق الأطفال على أبويهم :التعليم والتكوين الذي يؤهلهم للحياة العملية وللعضوية النافعة في المجتمع،وعلى الآباء أن يهيئوا لأولادهم قدر المستطاع الظروف الملائمة لمتابعة دراستهم حسب استعدادهم الفكري والبدني.

هذه المادة قد تبدو واضحة من قراءتها الأولى لكنها في الواقع تثير كثيرا من الغموض بالنظر إلى عدم وجود أية إشارة منها تحيل على المقتضيات العقابية المضمنة بالمادة السادسة من ظهير 19/05/2000 باعتبارها المؤيد الجزائي الوحيد الذي بإمكانه ضمان تنفيذ هذا الواجب الأبوي القانوني والشرعي في نفس الآن تجاه الأطفال الذين يوجدون تحت مسؤوليتهم . بل أكثر من ذلك فان مشروع الدليل العملي لمدونة الأسرة الصادر شهر مارس 2004 عن وزارة العدل و التي رمت هذه الأخيرة من انجازه أن يكون مرجعا لتقريب المفاهيم و توحيد التطبيق السليم لمقتضيات المدونة ، لم يشر إطلاقا أثناء شرحه لمضمون المادة 54 خاصة الفقرة السابعة منها إلى النصوص القانونية و الزجرية المضمنة بظهير إلزامية التعليم، وهنا يحق لنا أن نتساءل عما اذا كانت وزارة العدل باعتبارها مؤسسة مشرفة على تنفيذ السياسة الجنائية وتطبيق القانون الجنائي (المادتين 51 و49 من قانون المسطرة الجنائية) ، وقبلها اللجنة الاستشارية المكلفة بإعداد مشروع مدونة الأسرة، قد استحضرت فعلا هذا القانون أثناء إعدادها له و الذي صيغت مواده تقريبا بتزامن مع انطلاق التنزيل الفعلي لمشروع الميثاق الوطني للتربية والتعليم سنة 1999 كمخطط فكري واستراتيجي عام لبنية المنظومة التربوية والتعليمية و الذي جعل من أهدافه الكبرى تعميم تمدرس جميع الأطفال المغاربة مع اعتبا ر عشرية 2000-2010 عشرية تعليمية بامتياز(البند 20 من مشروع الميثاق) ووضع قطاع التربية والتكوين كثاني أسبقية وطنية بعد الوحدة الترابية.(البند21 من مشروع الميثاق) لا نستطيع الجزم بذلك مادام أننا لا نملك محاضر الأشغال التحضيرية لمشروع المدونة.

غير أنه من جهة أخرى فان بعض الدوريات الصادرة عن وزير العدل الى مختلف محاكم المملكة ،خلال سنوات تنزيل مقتضيات الميثاق، كشفت أن وزارة العدل لم تكن منشغلة بهاجس الأولوية الوطنية الثانية وان التنسيق في هذا الشأن كان يجري فقط بين وزارة التربية الوطنية و وزارة الداخلية،و هذه المسألة لا تستدعي أي استغراب اذا علمنا بأن وزارة العدل، عكس القطاعات الحكومية الأخرى، غير ممثلة بأي عضو في مجالس الأكاديميات الجهوية للتربية و التكوين باعتبارها أجهزة يناط بها تطبيق السياسة التربوية و التكوينية التي وضع أسسها وغاياتها الكبرى الميثاق الوطني للتربية والتكوين ،ذلك أنه بمراجعة لائحة الممثلين الحكوميين داخل هذه المجالس يلاحظ أنه تم استثناء من يمثل وزارة العدل بها ( المادة4 من قانون00-07 القاضي باحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين المؤرخ في19-5-2000 والمادة 1 من المرسوم رقم1016-00-2 الصادربتطبيقه بتاريخ29-6-2001 )،هكذا أدى غياب من يمثل الوزارة الوصية على تطبيق القانون الجنائي والسياسة الجنائية داخل هذه المجالس والتي يفترض أن يكون هم ممثلوا النيابات العامة بالمحاكم الابتدائية ،أن أضحى الشأن و الهاجس التعليمي غائبا عن وعي الساهرين على تطبيق القانون ولعل هذا هو ما يفسر بكل تأكيد عدم متابعة أي مواطن مغربي على خرق المقتضيات الزجرية المضمنة بظهير 19-5-2000 منذ صدوره حتى اليوم.

غير انه من جهة أخرى فان إشكالية المادة 54من مدونة الأسرة كمادة "قانونية"والتي أبان واضعوها عن نظرة جد مثالية وهم يقومون بصياغتها في تغييب تام لما يؤيدها جزائيا ،ليست هي الوحيدة المتميزة بمثاليتها داخل المدونة ، بل يمكن اعتبار المسألة ظاهرة طبعت العديد من المواد المضمنة بهذا القانون ذي المرجعية الفقهية المالكية التي يستند عليها و ينهل منها ،ولعل الظاهرة هي التي سبق أن لمح اليها أحد الباحثين عندما تساءل عن جدوى ادخال مدونات الأحوال الشخصية ضمن القواعد القانونية ما دام أنها فاقدة لعنصر الجزاء الذي تشترطه أي قاعدة قانونية نافذة(نقلا عن د عبد المجيد غميجة،موقف المجلس الأعلى من ثنائية القانون والفقه في مسائل الأحوال الشخصية،صفحة 21و22).

هكذا أدى غياب المؤيد الجزائي عن الكثير من موادها إلى بروز حالات انتهكت فيها بجلاء مقتضياتها القانونية ، فاستمرار عقود الزواج بمجرد قراءة الفاتحة خاصة في الأوساط القروية و الفقيرة دون سلوك الآجراءات المسطرية المنصوص عليها و كذا استمرار ظاهرة تزويج القاصرات دون استصدار إذن القاضي المكلف بذلك و التفافا عليه و نفس الأمر بالنسبة للزواج بالتعدد الذي أضحى يقع التفافا على الإذن المشروط للمحكمة بعد تأكدها من أهلية الزوج المادية و النظر لمبرراته ، كلها ظواهر شهدتها المحاكم بعد صدور مدونة الأسرة و لا زالت تشهدها و ما كان يمكن أن تكون لو أن المشرع المغربي تدخل مسبقا ووضع لانتهاك هذه المقتضيات نصوصا زجرية موازية كفيلة لردع كل من تسول له نفسه الاستهتار عمدا بالقوانين الجاري بها العمل وهو الأمر الذي لا يوجد ما يمنع شرعا وفقها اتخاذه حسب المذهب المالكي الذي يعد رائد المذاهب السنية الأخرى في هذا الباب كما سنوضح في مقال لاحق. و لقد وضعت هذه الظواهر الجديدة محاكم الأسرة في حرج حقيقي بين أن تعتبر هذه الزيجات المنافية للقانون كان لم تكن و بين واقع اليم و مصير غامض لأطفال نتجوا عنها و من ثم لا بد من إيجاد تسوية و حل لوضعيتهم الغريبة التي لم يكن حصولها يخطر على بال المشرع المغربي بالرغم من أن ذلك سيتم على حساب المقتضيات القانونية السارية المفعول.

سنترك الحديث لاحقا عن الخلفيات المعرفية والاجتماعية الضاربة في أعماق التاريخ ،التي جعلت على الخصوص، واضعي ومشرعي قوانين ومدونات الأحوال الشخصية الصادرة في المغرب حتى اليوم ،مشبعين بالنظرة المثالية التي جسدتها بجلاء وضعية المادة 54 وكذا المواد الأخرى التي لمحنا لاشكالياتها أعلاه، ،فالكشف عن الجذورالتاريخية الفقهية ل "أم الاشكاليات" التي تعاني منها هذه المدونات ،وهي اشكالية تسربت اليها عبر تبنيها لأحكام الفقه الاسلامي عموما والمالكي المتأخر على الخصوص ،يتطلب بحثا مستقلا لا تشكل بالنسبة اليه وضعية الفقرة السابعة من المادة 54 الا احدى تجلياتها ،اذ هي بمثابة "الشجرة التي تخفي الغابة ". فنصوص القوانين المنظمة للأحوال الشخصية ما هي الا امتداد ثقافي عبر الزمن لهذا الفقه تنعكس حتما طبيعة أحكامه على المجالات القانونية التي يستمد واضعوها نصوصهم منه ،وهي مجالات ذات طبيعة عقائدية شخصية محضة، قد يبدو للكثير أن عملية ضبطها واخضاعها يحسن أن تعتمد أكثر على الوازع الديني منه الى المقتضيات الزجرية ، لكن هنا على الخصوص أبدت بعض المواقف والاجتهادات الفقهية الصادرة عن جيل الصدر الأول للاسلام ،روحا جد قانونية في تنظيم مثل هذه المجالات الشخصية الدقيقة ربما هي التي افتقدها الى حد ما واضعو مدونات الأحوال الشخصية في المغرب بما فيها مدونة الأسرة الصادرة سنة 2004، . أما الآن فلنستعرض مضمون المواد المشكلة لكلا ظهيري الزامية التعليم الصادرين في كل من سنة 1963 و2000 ، سنحاول الكشف عن الأسباب التقنية و القانونية التي جعلت إمكانية تطبيقهما على ارض الواقع مستحيلة استحالة مطلقة و ذلك بالرغم من الحماسة الوطنية المفرطة التي أبداها القائمون على الشأن التعليمي في المغرب و المترجمة إلى مبادرات و مشاريع و مخططات جادة أشهرها الميثاق الوطني للتربية و التعليم الصادر خلال سنة 1999و الذي جاء ظهير إلزامية التعليم المؤرخ في 19/05/2000 كانعكاس قانوني له.

أولا:ظهير 13/11/1963

يمكن اعتبار الظهير الصادر بتاريخ 13/11/1963 أول قانون فعلي في تاريخ المغرب جعل مسؤولية تعليم الأبناء بتسجيلهم بالمؤسسات المدرسية تكتسي صبغة جزائية، فهذا القانون الذي صدر في السنوات الأولى لعهد الاستقلال جاء كامتداد قانوني للمبادئ الأربعة للإصلاح التعليم التي أقرتها اللجنة الملكية المتشكلة لهذا الغرض بتاريخ 25/04/1958 و التي اعتمدها التصميم الخماسي 1960 ـ 1964 حيث حدد في جانبه الخاص بالتربية و التعليم على ضرورة تعميم التعليم على جميع الأطفال و رفع نسبة التمدرس مع توحيده و تعريبه، ذلك أن فترة الحماية تركت من ورائها حصيلة كارثية في هذا المجال تجلت في نسبة التمدرس لا تتجاوز 10 في المائة و في تكريس ظاهرة الطبقية التعليمية باستنبات مدارس خاصة بالأوروبيين و مدارس خاصة بأبناء الأعيان و النخبة المغربية و ذلك في مقابل مدارس مهنية خاصة بالعامة أو الطبقات الشعبية لتزويد سوق الشغل باليد العاملة .(نقلا بتصرف عن أبريك مزون ،الميثاق الوطني للتربية والتكوين و الممارسة البيداغوجية،الطبعة الأولى 2008 ، صفحة 11 ومايليها).
وهكذا بعد أن جعل المشرع في المادة الأولى من هذا الظهير المتكون من ثماني مواد، التعليم إجباريا بالنسبة لجميع الأطفال المغاربة ذكورا و إناثا ابتداءا من السنة التي يبلغون فيها السابعة إلى غاية الثالثة عشر ، فقد اوجب في المادة الثالثة منه على كل شخص مسؤول عن طفل أبا كان أو أما أو وصيا، أن يطلب تسجيله بمؤسسة للتعليم في السنة التي يبلغ فيها سن السابعة، كما فرض عليه أن يسهر على تردده بصفة منتظمة على المؤسسة، وكل تقصير من لدن الأشخاص المسؤولين عن هذه الالتزامات يؤدي حسب مقتضيات المادة السادسة منه إلى إنذاره من طرف السلطات المحلية مع معاقبته في حالة ثبوت تهاونه بغرامة تتراوح بين 12 و 120 درهم إذا لم يدل بعذر مقبول داخل الأجل المحدد، هذا و تتولى النيابة العامة بطلب من وزير التربية الوطنية أو ممثله المؤهل قانونا بالمتابعة عن المخالفات لمقتضيات هذا الظهير.
هذه بصورة مجملة مضمون المواد الثمانية المشكلة لظهير إلزامية التعليم الصادر بتاريخ 13/11/1963 و يمكن تسجيل عائقين رئيسيين حالا بنيويا دون تطبيقه على ارض

الواقع:

الأول: عدم صدور أي قرار عن وزير التربية الوطنية حسب ما أشارت إليه المادة الثالثة منه توضح كيفيات مراقبة تسجيل و تردد الأطفال على المؤسسات التعليمية حتى يتسنى متابعة المسؤولين عنهم قانونيا، مع الإشارة إلى أن هذا القرار التوضيحي صدر بعد أربعين سنة من صدور هذا الظهير[وهو القرار عدد1036.00 الصادر عن وزير التربية الوطنية بتاريخ24-4-2003 منشور بالجريدة الرسمية عدد5144 وتاريخ18-9-2003]
الثاني: لم يتم تحديد هوية السلطة المحلية التي كلفها الظهير المذكور بتوجيه إنذار إلى كل شخص قصر عن الوفاء بالالتزامات المسطرة به و بالتالي انجاز محضر امتناع أو تقصير حتى يتسنى متابعته زجريا من طرف النيابة العامة بعد توصلها به .و لقد تعين كذلك انتظار مرور حوالي أربعين سنة أي بعد تعديله و تتميمه بمقتضيات ظهير 19/05/2000 ليصدر عن السلطات المعنية ما يوضح ويحسم في هوية السلطة المحلية التي تضاربت في تحديدها القرارات و الدوريات الصادرة بين أن تكون هذه الجهة هم مديري المؤسسات التعليمية أو المصالح الإقليمية للأكاديميات الجهوية للتربية و التكوين[نفس القرار أعلاه]

هذا القانون إذن ولد ميتا منذ اللحظة الأولى التي رأى فيها النور فعدم استتباعه بالمراسيم و القرارات التي توضح تنزيله على ارض الواقع، جعل فعلا عقودا من الزمن تضيع من العمر المعرفي للمغرب فما بين صدوره سنة 1963 و صدور القانون المغير و المتمم له سنة 2000 و هي قترة ناهزت الأربعين سنة ظل واقع التعليم في المغرب يحصد النتائج السلبية تلو الأخرى بحيث أضحى من المستحيل خلق أجيال مغربية جديدة لا تعرف الأمية ذلك انه بين سنة 1960 و 2004 انتقل عدد السكان الأميين من ستة ملايين إلى اثني عشر مليون فرد فيما بلغ عدد الأطفال الذين غادروا المدرسة قبل استكمال التعليم الإلزامي حوالي مليوني طفل.[المغرب الممكن تقرير الخمسينية،مطبعة دار النشر المغربية 2006 صفحة 108]

ولقد عبر المرحوم الملك الحسن الثاني عن هذا الواقع الكارثي الذي آل إليه الوضع التعليمي و الذي كشف عنه صدور البنك الدولي عن أوضاع المغرب العامة سنة 1995 حيث صرح في خطابه الافتتاحي للدورة البرلمانية لتلك السنة قائلا "لقد قرأنا هذه التقارير فوجدنا فيها فصاحة موجعة و أرقاما في الحقيقة مؤلمة تجعل كل ذي ضمير لا ينام"[نقلا عن ذ.ابريك أمزون صفحة21،نفس المرجع أعلاه]
ولعل هذه التشخيصات الموجعة و المقلقة كانت بمثابة إنذار قوي لأصحاب القرار للتفكير جديا في الأخطار المحدقة بالمجتمع و الدولة و هو ما حذا بالتفكير في مداخل جديدة لإصلاح تعليمي شامل و منهج أسفر بعد سنوات قليلة عن ميلاد ما يسمى بالميثاق الوطني للتربية و التكوين و الذي اعتبر آنذاك حدثا تاريخيا و تحولا جوهريا و جذريا داخل مسار المنظومة التربوية لبلادنا ذلك أنه ولأول مرة في المغرب أصبح النظام التعليمي يملك وثيقة توافقية تضع بوضوح مبادئه الأساسية (عدم التمدرس في المغرب،دراسة من انجاز عبد الرحمان برادة ونورالدين العوفي سنة 2007 بتعاون مع منظمة اليونيسف،صفحة 19) ،و هكذا جاء ظهير 19/05/2000 المتمم و المغير لظهير 13/11/1963 بشان التعليم الإجباري و الذي صدر بنفس السنة التي انطلق فيها العمل بالميثاق كتقنين مسطري وجزائي لتنزيل مقتضياته .

ثانيا: ظهير 19/05/2000: بين الحماسة المفرطة و الإخفاق من جديد


من مميزات هذا الظهير الذي صدر عند بداية الألفية الثالثة انه ولد عقب أجواء تميزت بالحماسة و الانشغال الوطني العام بقضية التعليم(تعيين حكومة التناوب،خطاب العرش1998،التصريح الحكومي أبريل 1998) و هي أجواء أكدت الانشغال المذكور و أعلنت ضرورة إصلاح نظام التربية و التكوين [ّذ.أبريك أمزون ص27 نفسه]
ولقد اعتبرت التوجيهات السامية الواردة في الرسالة الملكية الموجهة بتاريخ 2/2/1999 لرئيس اللجنة الوطنية الخاصة بالتربية و التعليم بمثابة الدليل المنهجي لبلورة مشروع إصلاح تعليمي شامل منسجم وفعال هو الذي سيسفر عن خلق الميثاق الوطني للتربية و التكوين الذي تم إقراره من طرف صاحب الجلالة في أكتوبر 1999 منيطا باللجنة المذكورة تتبع عمليات تطبيقه و تقويم نتائجه و إغنائه.

وعلى هذا الأساس و بهدف المثابرة على ضمان أوفر حظوظ النجاح لإصلاح الشأن التعليمي بادرت اللجنة بأعمال و أنشطة وبتنسيق مكثف مع جميع القطاعات الحكومية المشرفة على التربية و التكوين، و قد كان من بين هذه الأعمال إبداء رأيها في مشاريع القوانين المتعلقة بتطبيق بنود الميثاق وذلك بهدف ضمان ملاءمة مقتضيات النصوص القانونية الصادرة للتوجهات الكبرى المسطرة في الميثاق الذي أعلن بان عشرية 2000ـ2010 عشرية وطنية للتربية و التكوين و بكون قطاع التربية و التكوين يعد أسبقية وطنية بعد الوحدة الترابية و بجعل المتعلم بوجه عام و الطفل بوجه خاص في قلب الاهتمام و التفكير و الفعل خلال العملية التربوية مع جعل التعليم إلزاميا ابتداءا من تمام السنة السادسة من العمر إلى تمام الخامسة عشر تبعا لتقدم إرساء الهياكل و الشروط التربوية الكفيلة بإعطاء هذه الإلزامية محتواها العملي.[البند26 من الميثاق الوطني]
اذن ما هو الجديد الذي حمله ظهير19-5-2000 و هل استطاع أن يتجاوز المعوقات البنيوية التي حالت دون تطبيق سلفه ظهير13-11-1963 وهل فعلا سيكون رهانا قانونيا حقيقيا للأهداف الكبرى المسطرة بالميثاق الوطني للتربية و التعليم خاصة في الجانب المتعلق بتعميم التمدرس ومراقبة المواظبة أم انه سيظل كذلك رهينا لعدم الاكتراث به سواء من طرف القطاعات الإدارية الأخرى التي تتوقف عليها عملية تنزيله أو من طرف القائمين على الشأن التربوي والتعليمي أنفسهم؟

قراءة للنصوص الستة المشكلة لظهير19-5-2000 :

يمكن رصد مجموعة من التغيرات و الإضافات التي تميز بها نوعا ما هذا الظهير عن سالفه
ولعل الجديد الذي جاء به هو أنه حاول أن يكون محكم الصياغة و الإجراءات المسطرية التي تتطلبها عملية التسجيل ومراقبة المواظبة و أن يتفادى حالة القصور البنيوي التي وقع فيها سلفه من جهة وان يكون من جهة أخرى متوافقا هده المرة مع التوجهات الكبرى لميثاق التربية و التكوين كإطار فكري عام للشأن التعليمي و التربوي .هكذا تتلخص المتغيرات في النقاط التالية:

ـ1- خفض سن التمدرس الإجباري إلى ست سنوات بدل سبع سنوات (المادة 1) وذلك ليتماشى مع مقتضيات البند 26 من الميثاق الوطني مع إلزام الآباء والأولياء بتنفيذ حق الأطفال في هذا التعليم الأساسي إلى حين بلوغهم سن الخامسة عشر

ـ 2-تحميل كل شخص مسؤول عن الطفل بلغ سن الرابعة من عمره واجب التصريح به لدى اقرب مدرسة عمومية من مكان إقامته في اجل أقصاه ستة أشهر(المادة 3مكررة) وذلك حتى يتسنى للمصالح التعليمية تتبع هدا الطفل منذ ولادته وعما إذا كان سيقع تسجيله عند بلوغه سن السادسة من طرف المسؤول عنه،كما يتعين عليه كذلك السهر على تردده بصفة منتظمة على المؤسسة التي وقع تسجيله بها .هذا وقد أشارت المادة الثالثة من الظهير أن تحديد شروط التسجيل و كيفيات مراقبة المواظبة سيكون بموجب قرار لاحق سيصدره وزير التربية الوطنية.(صدر القرار بعد ثلاث سنوات)

ـ3- تحميل ضباط الحالة المدنية الموجودين بدائرة نفوذ نيابة وزارة التربية الوطنية مسؤولية موافاة هذه الأخيرة بقائمة التصاريح بالولادة المسجلة لديهم خلال السنة المنصرمة وذلك خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير إلى الواحد و الثلاثين من شهر مارس،كما يقومون كذلك ووفق نفس المسطرة بموافاتها بقائمة الأطفال المقيدين لديها بسجلات الحالة المدنية و الدين بلغوا سن الربعة عند متم الواحد و الثلاثين من دجنبر من السنة المنصرمة(المادة3مكرر) وذلك حتى يتسنى لنفس الجهة تتبع العدد الإجمالي للأطفال الذين سيبلغون سن التمدرس ومن ثم توفير ظروف تعليمهم ومراقبة عملية تسجيلهم ( إعداد الخريطة المدرسية)

ـ4- رفع مبلغ الغرامة كعقوبة وحيدة في حالة عدم تقيد الأشخاص المسؤولين بالتزامات تسجيل الأطفال بالمؤسسات التعليمية وتتبع مواظبتهم على الدراسة بجعلها مائة وعشرين درهما كحد أدنى وثمانمائة درهم كحد أقصى مع الإشارة إلى أن هذه العقوبة يسبقها إنذار يوجه إلى الشخص المسؤول من طرف السلطات المحلية(المادة6)

هذه هي أهم المستجدات الموضوعية و الإجرائية التي حاول من خلالها المشرع المغربي ومن ورائه واضعو الميثاق أن يكون ظهير19-5-2000 محكما في تنظيمه و ضبطه لعملية تسجيل و مراقبة وتتبع تنفيذ الآباء والأولياء لالتزاماتهم في تعليم الأطفال المسؤولين عنهم إلى بلوغهم سن الخامسة عشر حسب ما تقتضيه المادة الأولى منه، غير أنه بالرغم من كل هذه الاضافات التي تبدو في مظهرها جادة و حازمة فقد أبانت محاولة تنزيله على ارض الواقع مند صدوره إلى حدود اليوم عن استحالة شبه مطلقة وتعود أسباب ذلك إلى مجموعة عوامل:

ـأولا:تهاون ضباط الحالة المدنية في توجيه قوائم التصاريح بالولادات المسجلة لديهم وكذا قوائم الأطفال الذين بلغوا سن الرابعة إلى النيابات الإقليمية لوزارة التربية الوطنية كما تقتضيه المادة الثالثة المكررة من قانون إلزامية التعليم وذلك بالرغم من توجيه عدة دوريات تنبه وتحث على ذلك سواء من طرف وزارة الداخلية (مذكرة 100 موجهة بتاريخ 26-6-2000)نحو عمال وولاة الأقاليم باعتبارهم مراقبين لأعمال أقسام الحالة المدنية أو من طرف وزارة التربية الوطنية(مذكرة 58 وتاريخ 4-6-2000 ،مذكرة62 بتاريخ25-3-2002 ،مذكرة 108 بتاريخ 24-9-2002) نحو مديري الأكاديميات بضرورة التنسيق مع هذه الأقسام لموافاتها بهذه القوائم وذلك لما تكسيه من أهمية بالغة حسب ما أومأت إليه إحدى هذه المذكرات ولقد عبرت إحدى الدوريات الصادرة عن وزارة التربية الوطنية بتاريخ 8-5-2003 تحت عدد47 أي بعد ثلاث سنوات من صدور ظهير إلزامية التعليم وانطلاق العمل بمشروع الميثاق الوطني عن ضعف هذا التنسيق بين مديري المؤسسات التعليمية و السلطات الجماعية وهو ما أدى ،تقول الدورية إلى عدم ضبط الأعداد الحقيقية للأطفال البالغين سن التمدرس وبالتالي تدني مستوى التسجيل وتأخره.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن المشرع المغربي لم يرتب أي مساءلة تأديبية أو زجرية لضباط الحالة المدنية الذين يتقاعسون عن إعداد قوائم الأطفال وتوجيهها، إلى المصالح التربوية فبالرغم من أنهم يخضعون إداريا لوصاية وإشراف السلطات المحلية لوزارة الداخلية و التي يفترض أن تحاسبهم عن كل إخلال بواجب إداري أنيط بهم قانونا،فانه عوض ذلك فان هده الجهات تفضل سلوك أساليب الحث و الترغيب و الايهاب لاستمالتهم للقيام بعمل يفرضه عليهم القانون (راجع الصياغة الوصائية التي كتبت بها مثلا الدورية 68 المؤرخة في 10-6-2006)

وهكذا فان استناد الأكاديميات الجهوية في ضبط الأطفال الذين بلغوا سن التمدرس و الذين لم يعمد المسؤولون عنهم الى تسجيلهم ،على القوائم التي من المفروض قانونا أن تعدها أقسام الحالة المدنية،يعد اتكالات على قطاع إداري يشكو جله من ضعف الإمكانيات البشرية و المادية ومن طريقة عمل تعاني من المخالفات المسطرية و القانونية وذلك بسبب ضعف المراقبة و التأطير من طرف الأجهزة التي يخولها القانون ذلك خاصة المفتشين الإقليمين لمكاتب الحالة المدنية وهو ما أفصحت عنه إحدى الدوريات الصادرة عن وزير الداخلية حين احتجت بطريقة عير مباشرة على هده المكاتب التي لا تعمد إلى بعت لوائح الأطفال إلى النيابات الإقليمية التابعة لوزارة التربية الوطنية تطبيقا لأحكام هذا القانون (دورية وزير الداخلية عدد 2009 المؤرخة في 10-3-2008)

هذا و تجدر الاشارة الى أن الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين باعتبارها الجهة المشرفة على تطبيق السياسة التربوية والتكوينية في اطار مقتضيات الميثاق الوطني ،لا يوجد من ضمن الأعضاء المكونين لمجلسها رؤساء الجماعات المحلية باعتبارهم ضباطا للحالة المدنية (المادة4من ظهيراحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والمادة1من مرسوم تطبيقه الصادربتاريخ 29-6-2001) وقد كان بالأولى جعلهم كذلك لتوقف عملية تعميم تمدرس كافة الأطفال على اللوائح التي يتعين عليهم قانونا ارسالها للأكاديميات الجهوية وذلك حتى يتسنى اطلاعهم عن كثب على أهمية هذه اللوائح ودورها في ضبط الأعداد الحقيقية للأطفال الذين لم يتم تسجيلهم بالمدرسة ومن ثم امكانية استدعاء المسؤولين عنهم قانونا ولعل غيابهم عن تكوين المجلس هو من بين الأسباب التي تجعل أقسام الحالة المدنية لا تكترث باعداد القوائم المنصوص عليها في المادة الثالثة مكرر من قانون الزامية التعليم

ـ ثانيا:أشارت المادة الثالثة من قانون إلزامية التعليم على أن الإدارة هي التي تتولى التسجيل التلقائي للأطفال الذين تقاعس المسؤولون عنهم عن تسجيلهم دون تحديد هوية هذه الإدارة وقد أوضحت إحدى مذكرات وزير التربية الوطنية صدرت بعد سنتين من بدء العمل بقانون الزامية التعليم(مذكرة62 بتاريخ25-3-2002) ،وكان ذلك في انتظار صدور القرار النهائي الذي سيوضح الأمر، أن مديري المدارس الابتدائية أو المجموعات المدرسية هم المقصودون بعبارة الإدارة إذ أناطت بهم مهمة التسجيل التلقائي للأطفال بعد التعرف على سنهم وهويتهم،ثم جاء بعد هذه المذكرة بحوالي سنة قرار آخر عن وزير التربية الوطنية(قرار عدد 1036 مؤرخ في 18-9-2003) عهد بهذه المهمة إلى المصالح الإقليمية الجهوية للتربية و التكوين التي تتسلم من ضباط الحالة المدنية قوائم الأطفال المستوفين أربع سنوات،أما مديرو المدارس فقد أنيط بهم فقط موافاة هذه المصالح بقوائم الأطفال المصرح بهم لديها و البالغين أربع أو خمس سنوات دون المبادرة تلقائيا بتسجيلهم كما كان الأمر في السابق، وهكذا يكون القرار قد حسم نهائيا في تحديد الجهة المخولة لها وحدها انجاز هده العملية،ونشير إلى أن الغموض الذي أحاط بتحديد هوية الإدارة جعل سنوات تضيع من عمرالمخطط الوطني بجعل عشرية 2000-2010 عشرية تعليمية بامتياز

ـ ثالثا: ـ جاء في المادة الثالثة من ظهير19-5-2000 أن توضيح شروط تسجيل الأطفال بالمؤسسات التعليمية وكيفيات مراقبة ترددهم بصفة منتظمة عليها سيكون بموجب قرار سيصدر لاحقا عن وزير التربية الوطنية ولقد صدر فعلا هذا القرار لكن بعد مرور حوالي ثلاث سنوات من نشر قانون إلزامية التعليم وهو ما يعني أن أعواما ضاعت من عشرية التعليم مادام أن هذا القرار جاء كتفسير وتوضيح لمل طل مبهما في المواد الستة المشكلة لقانون إلزامية التعليم.

ونشير كذلك أنه بالإضافة إلى تأخر صدور هذا القرار التوضيحي فلقد ألقى بدوره بنوع من الغموض على أهم مقتضيات قانون الزامية التعليم وهي المادة السادسة منه،إذ في الوقت الذي نصت فيه هذه المادة على أن تقصير الأشخاص المسؤولين عن الوفاء بالالتزامات الناجمة عن مقتضياته يؤدي إلى إنذار من طرف السلطة المحلية التي فسرها قرار1036 بكون نائب وزارة التربية الوطنية هو المقصود بها، فقد اقتصر القرار المذكور على الإشارة إلى هذا الإنذار دون بيان ما سيرتب عنه من إجراءات يتوجب سلوكها في حالة عدم الانضباط به، علما أن نائب وزارة التربية الوطنية لا يتوفر على الصفة الضبطية التي تخلوه انجاز محضر بذلك وسيظل التساؤل عما إذا كان يقتصر دوره على إبلاغ أو مراسلة النيابة العامة بالإخلال بظهير إلزامية التعليم دون إجابة مادام أنه لحد اليوم لم تتم متابعة أي مواطن مغربي عن مخالفته و بالتالي يتعذر معرفة الكيفية التي بلغ إلى علم النيابة العامة ارتكاب هذه المخالفة

-رابعا:بغض النظر عن تقاعس ضباط الحالة المدنية في توجيه قوائم الولادات وكذا قوائم الأطفال الذين بلغوا سن التمدرس إلى المصالح التعليمية المختصة،فان وجود صعوبات بنيوية في تعميم التسجيل بالحالة المدنية على سائر المواطنين المغاربة وهي وضعية تؤرق منذ مدة مختلف السلطات الوطنية، جعل إمكانية هذا التوجيه أساسا غير ممكنة وذلك لعوامل كثيرة أشارت إليها إحدى الدوريات المشتركة بين وزير العدل ووزير الداخلية(دورية 19 س2 مؤرخة في 29-7-2008) أهمها عدم توفر عقد الزواج وتعذر انجاز رسوم ثبوت الزوجية باعتبارهما وثائق يلزم الإدلاء بهما للتسجيل بالحالة المدنية،و البطء في تصفية قضايا الحالة المدنية ودعاوى الزوجية المرفوعة أمام المحاكم،وغير خاف أن مجهودات كبرى تبدل من ظرف الجهات المختصة بهدف تحقيق تعميم شامل لنظام الحالة المدنية وإخضاع جميع المغاربة له وغالبا ما تعمد هذه الجهات إلى سلوك أساليب تكرس بطريقة غير مباشرة فوضى دائمة يعيشها هذا القطاع ونفصد بالذكر هنا أسلوب الحملات التي تدهشنها مصالح وزارة الداخلية و التي تكون عادة ظرفية و مؤقتة ثم يعود القطاع للحالة التي كان عليها بعد انتهاء الحملة و ذلك في انتظار بدء أخرى

ـ خامسا:رغم الحماسة الوطنية التي أبداها واضعو ميثاق التربية و التكوين لتحقيق أعلى نسبة التمدرس بين الأطفال وتقليص أدنى نسبة من الهذر المدرسي،فقد أخفق المشرع المغربي في ترجمة هذا الحماس إلى نصوص وعقوبات زجرية رادعة يضرب لها الحساب من طرف كل مسؤول عن طفل تراخى عن تنفيذ الالتزام بالأولوية الوطنية الثانية ،ذلك أنه مقارنة بالقانون الجنائي الفرنسي الذي يعاقب كل تقصير في هذا الشأن من جانب الأبوين أو أي شخص له سلطة أبوية على الطفل في تسجيله داخل الأجل المحدد قانونا بمؤسسة مدرسية ودون عذر مقبول بستة أشهر حبسا وغرامة تقدر بسبعة آلاف وخمسمائة أورو أي ما يعدل ثمانون ألف درهم مغربية(المادة227 من القانون الجنائي الفرنسي التي أحالها عليها الفصل 131-11 من مدونة التربية الفرنسية) ،فان العقوبة التي ارتضاها المشرع المغربي تقتصر فقط على الغرامة التي تصل إلى مبلغ ثمانمائة درهم وهي عقوبة لا يخفى وهنها إذ لا تشكل إطلاقا ردعا زجريا جديا ولا تعكس نهائيا حقيقة تصدر الشأن التعليمي للأولويات الوطنية الأولى.

هذه بصورة مجملة العوائق البنيوية التي حالت دون تنزيل مقتضيات ظهير إلزامية التعليم على أرض الواقع وهي عوائق تبدأ من مكاتب الحالة المدنية و تنتهي بالعقوبة الواهية التي خصها المشرع المغربي لمخالفي هذا الظهير الذي يبدو أن واضعي الميثاق الوطني باعتبارهم منظرين للشأن التعليمي بالمغرب ،كانوا يضمرون مسبقا نية عدم تفعيله ،مادام أنهم حبذوا منذ البداية سياسة الترغيب و الاستمالة و الحفز المعنوي للآباء وأولياء أمور الأطفال في تسجيل أبناءهم في المؤسسات التعليمية عوض جبرهم جزاءيا على ذلك وهو ما عبر عنه بكل صراحة ووضوح البند26 من الدعامة الأولى للميثاق الذي اعتبر أن تنفيذ إلزامية التعليم في المغرب يستند أساسا على الجذب و الحفز المعنوي ،وهي كما يبدو أساليب لا تخفى مثاليتها وتعويلها على الوازع الأخلاقي للمواطنين ومدى تقديرهم لأهمية التعليم و الذي يختلف من شخص لآخر،أما الوسائل القسرية المشروعة الأخرى التي لا تمثلها سوى المقتضيات الزجرية المضمنة به فلا يقتصر عليها ولا يلجأ أليها إلا بصورة استثنائية ولعل هذا هوما يفسر بجلاء عدم اكتراث السلطات القائمة على الشأن التعليمي بمقتضياته وعدم متابعة أي مواطن مغربي على مخالفته

هذا ولقد كان من نتائج اهمال هذا الظهيرالذي كان من شأن تفعيله أن يساهم بكل تأكيد في تقليص نسبة اللاتمدرس وظاهرة الهدر المدرسي وأن يضفي على المسألة التعليمية هالة الصرامة والجدية التي يتطلبها كل نص قانوني بالرغم من وهن العقوبة المرصودة لمخالفيه والتي كان يمكن في أي وقت مراجعتها وتشديدها أثناء سريانه ،أن حصد الواقع التعليمي في المغرب مزيدا من النتائج السلبية ،فبالرغم من البرنامج الطموح الذي وضعه و بشر بآفاقه واضعوا الميثاق الوطني بتعميم التمدرس الكلي للأطفال في سن السادسة ابتداءا من سنة 2002 وتخفيض الأمية الى أقل من 20 في المائة سنة 2010 مع محوها تماما سنة 2015 (راجع البند 31 من الميثاق ) الا أن الاحصائيات كشفت أنه الى حدود سنة 2008 أي بعد ثمان سنوات من العمل بالميثاق، لم تتجاوز نسبة التمدرس في التعليم الابتدائي50 في المائة كما أن أكثر من 55بالمائة من المغاربة اللذين هم في سن 25 فما فوق لا يستطيعون القراءة والكتابة أما نسبة الهدر المدرسي فقد بلغت حوالي 400ألف طفل سنويا (حالة المغرب2007-2008 منشورات وجهة نظر،كراسات استراتيجيةعدد4،صفحة157 )

ولقد اعترف فعلا البرنامج الحكومي المقدم أمام مجلس النواب بتاريخ 24-10-2007 عند حديثه عن تأهيل منظومة التربية والتكوين عن نقائص ومعوقات حالت دون التفعيل الأمثل لبعض بنود الميثاق الوطني للتربية والتكوين مما نتج عنها تأخر في تحقيق بعض الأهداف المسطرة له خاصة ،يضيف التقرير،وأن عشرية الاصلاح الحالي (2000-2010) تقترب من نهايتها ،لذلك وبهدف الرفع من وتيرة الاصلاح،بادر العمل الحكومي وبتنسيق مع المجلس الأعلى للتعليم الى اعداد برنامج استعجالي جعل من بين اهتماماته الخاصة العمل على تفعيل قانون الالزامية الذي يجسده ظهير 19-5-2000 وذلك بهدف اعطاء تعميم التمدرس مدلوله الحقيقي.(التقرير الاستراتيجي المغربي2006-2010،صدر عن مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية،التقرير التاسع،صفحة 511)

غير أنه للأسف لم يتم الاكتراث بتفعيل هذا القانون الذي لم يحظ ولو مرة واحدة و طيلة الاثنا عشر سنة من تاريخ صدوره بمناقشة لمضمونه واشكالياته التطبيقية سواء من طرف القائمين على الشان التعليمي أو من طرف الساهرين على حماية و تطبيق المقتضيات الجنائية المنصوص عليها في مختلف القوانين الجارية، وهكذا استمر مسلسل انتكاسات المنظومة التعليمية الى حدود اليوم وهو مابدا جليا من خلال الاعلان الرسمي بتاريخ 25-7-2012 عن فشل المخطط الاستعجالي لانقاذ المنظومة التعليمية الذي تم بلورته وتنفيذ مقتضياته بدءا من سنة 2009 الى سنة 2012
خاتمة

كانت هذه قراءة لما يمكن اعتباره بأهم القوانين التي قد يتشرف مشرع ما بوضعها ،فالمسألة التعليمية أو العلم بالنسبة لأي مجتمع هو من الأهمية التي لا ينكرفضلها الا جاهل كما كان يقول الامام الشاطبي،بل أكثر من ذلك فان أهميته تزداد وضوحا عند سريان العملية القانونية بفضل ما يبعثه التعلم من وعي يتسرب الى أخلاق تتجسد في السلوك اليومي للمواطنين فيجعل امتثالهم للمقتضيات القانونية الصادرة يجري بصورة تلقائية ،ليس بسبب حذرهم من عنصر الجزاء والقسر المضمن بها، بل لكون هذه المقتضيات هي في حد ذاتها وقبل كل شيئ تكون عادة مقبولة و معقولة وضرورية في نفس الان ، وقديما في جمهوريته الفاضلة ،حلم أفلاطون بمجتمع مثالي يستقي أعضاءه مثاليتهم فيه من الانسجام الداخلي بفضل ارتقاء عقلهم الانساني والفضل في ذلك كله لنظام تعليم يكيف المواطنين ليكونوا مطيعين لحكامهم الفلاسفة .أما من جهة ثقافتنا الاسلامية فتصدر الأمر الوارد بطلب العلم لكل الأوامرالشرعية الواردة بالخطاب القرآني تعد اشارة كافية منه لاطلاق النظر وتدشين البحث في أهميته الاستراتيجية لبناء مجتمع مثقف و قوي ،فالعلم هو الطريقة الأكثر هدوءا لقهر الأعداء وهزمهم.

للأسف الشديد، لم تنعكس كما يجب "الارادة الالهية" بشكل حقيقي و كامل على المنظومة التربوية ببلادنا بالرغم من تمتعنا ،بحكم مرجعيتنا الدينية الاسلامية،على حكم شرعي صريح و رصيد تاريخي ثقافي ومعرفي لطالما أشاد بفضل العلم وضرورته،غير أن ما يمكن أن نسجله هنا،هو أن هذا الرصيد وقف في حدود الوعظ والارشاد ولم يتطور الى أحكام آمرة ونافذة تجعل الأمر القرآني الوارد بطلب العلم يتكرس على أرض الواقع بشكل ظاهر وملموس، فاحكام السياسة الشرعية التي كانت تعبر فيما مضى عن المنحى الجزائي والروح القانونية لأحكام الشريعة و الفقه الاسلاميين في تشكلاتهما ومراحلهم الأولى ،تخلو من أي حديث أو اشارة لنوع عقاب أو تعزير رصد في يوم ما لأحد مخالفي تنفيذ الأمر الالاهي الأول،فلأسباب اجتماعية و معرفية أصولية سنوضحها لاحقا،ظلت فريضة طلب العلم في الثقافة الاسلامية مجرد موعظة يحدث بها الفقهاء الناس لمحاولة استمالتهم دينيا للامتثال لها ،وهكذا ظل هاجس التعليم في ضمير هذه الثقافة شأنا موعظيا خالصا لم ينعكس فقط على وعي واضعي المدونة من خلال طريقة صياغتهم المثالية للفقرة السابعة من المادة 54 ،بل كذلك على واضعي مشروع الميثاق الوطني للتربية والتعليم باعتبارهم منتمين فكريا لهذه الثقافة ،ولقد بدا ذلك جليا من مضمون البند 31 منه الذي فضلوا من خلاله ،وكطريقة لجعل التعليم الزاميا ،سلوك أساليب الحفز والجذب المعنوي للمواطنين بدل ارغامهم على ذلك بواسطة المقتضيات الزجرية التي يسمح بها ،على علته ،ظهير 19-5-2000 وحده.