من المفارقات الغريبة في الدولة أن يتولى رئيس الحكومة بأسلوبه المعروف في التحكم والكولسة والتعتيم، وبموقف حزبه المعلوم من التنوع الثقافي واللغوي، وفي آخر أنفاس الولاية الحكومية الحالية، وضع القانون التنظيمي للغة الأمازيغية مع مستشاريه دون إشراك كفاءات المجتمع المدني الأمازيغي والحقوقي والديمقراطي في هذا الشأن، فالأمر يطرح أكثر من سؤال بالنظر إلى المعطيات التالية:

ـ أن القانون التنظيمي للغة الأمازيغية الرسمية قانون غير عادي، حيث لا يتعلق بتدبير قطاعي، ولا يدخل ضمن المبادرات والبرامج الخاصة بالأحزاب أو الوزارات، بل هو قرار وطني مركزي ورسمي للإدارة المغربية، وأحد ركائز سياستها العامة في كل مرافق الدولة، له صلة بهوية الكيان الوطني، وسيكون على جميع مؤسسات الدولة الالتزام به والحرص على تنفيذه.

ـ أن الأمازيغية لهذا السبب، ومنذ بداية حكم الملك محمد السادس، اعتبرت من طرف الطبقة السياسية المغربية شأنا وطنيا، وذلك مثل جميع الملفات التي عرفت نزاعا كبيرا جعلها بحاجة إلى توازنات حكيمة داخل دواليب الدولة (الدين الإسلامي ـ المرأة..)، وهو ما يفسر أنّ كل ما تقرر في تدبير هذه الملفات كان من منطلق تدخل مباشر من القصر، تعقبه توافقات الطبقة السياسية بكل مكوناتها، حيث تقرر اعتراف الدولة بالأمازيغية في خطاب ملكي سنة 2001، قبل أن يتمّ تعديل الدستور بموجب ذلك بعد عقد كامل سنة 2011، ولم يسبق هذه الدينامية أي قرار حكومي أو وزاري من قبل.

ـ أن رئيس الحكومة أعلن بنفسه غير ما مرة ـ وللسبب الآنف الذكر ـ أن هذا الملف “بين يدي صاحب الجلالة” وأنه ملف “أكبر منه” وأنه “يسبب له حرجا” إلى غير ذلك من التصريحات التي تداولتها في حينها وسائل الإعلام، فما الذي أزال الحرج عن رئيس الحكومة ؟ وما الذي نقله من وضعية العجز عن تناول الملف إلى موقف التطاول عليه ؟ وكيف انتقل الملف من بين يدي رئيس الدولة ليتولى رئيس الحكومة تدبيره بشكل انفرادي مع مستشاريه ؟

ـ أن حزب العدالة والتنمية بالذات هو آخر من يمكنه تدبير هذا الموضوع، بسبب مرجعيته الإيديولوجية التي لا تتسع لقضايا حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها، ومنها الحقوق الثقافية واللغوية، وقد لوحظ موقف الحزب خلال مراجعة الدستور سنة 2011، والذي كان معارضا لترسيم اللغة الأمازيغية، كما ظهرت توجهاته بوضوح في سلوك بعض مسؤوليه ووزرائه وأعضائه سواء داخل الحكومة أو البرلمان أو داخل المجلس الأعلى للتربية والتكوين، وكذا في النقاش العمومي مثل مواقف وزير التعليم العالي المخجلة، وهي سلوكات على العموم تظهر عدم مواكبة ما يجري من تطورات في هذا المجال، وعدم استساغتها كذلك. فهل يمكن أن يُكلف من عارض ترسيم اللغة الأمازيغية بوضع قانون تفعيل ترسيمها، إذا كانت الدولة تنوي فعلا تفعيل الترسيم ؟
يجعلنا هذا نطرح الكثير من الأسئلة، ولكن أيضا يجعلنا نفكر في السيناريوهات الممكنة للمستقبل القريب جدا، إذ لم يتوقع أحد أن يكون إعداد القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية بهذه الطريقة الارتجالية والمهينة:

السيناريوهات الممكنة:

1) قد يكون هدف السلطة أن تتخلص من عبء الأمازيغية في الدولة، حيث أقرت ترسيم هذه اللغة في سياق خاص ودقيق لتسوية مشكل الحراك الشعبي دون أن تكون جدّية في ذلك أو راغبة فعليا في تفعيل الترسيم، مما جعلها تعهد بوضع القانون التنظيمي لرئيس الحكومة الذي يعتبر نفسه وحزبه “ممثلين الشعب” رغم الكتلة الناخبة الضعيفة التي حصل عليها حزبه مقارنة بنسبة المقاطعة التي ما زالت مهولة، فيصبح تكريس الميز ضدّ الأمازيغية محسوبا على “صناديق الاقتراع”، أي على الديمقراطية نفسها التي وجدت لمحاربة الميز وإنهائه، أو على “موازين القوى” التي تراعيها السلطة في موضوع ولا تحسب لها أي حساب في مواضيع أخرى.

2) من جانب آخر قد يكون هدف السلطة من تفويت أهم قانون تنظيمي ورد في دستور 2011 لرئيس الحكومة وجماعته، هو إحراق المعني بالأمر وتوريط حزبه في إطار ما أسميه دائما “إحراق النخب”، حيث من عادة النظام إحراق حلفائه وإضعافهم للحفاظ على موقع السلطة المطلقة، خاصة وأن رئيس الحكومة رغم التملق الذي يبديه للملكية في خطاباته يظل يعتبر في منظور السلطة منازعا للملكية في شرعية استعمال الدين واحتكاره في المجال السياسي.

3) أما السيناريو الثالث فهو إحداث التوازنات المطلوبة داخل الأمانة العامة للحكومة، التي يعرف الجميع موقعها وأدوارها، وهي توازنات قد تحافظ على مكتسبات الأمازيغية داخل المؤسسات، لكن مع جدولتها زمنيا في إطار مبدأ التدرّج الذي يخفف عبء الكلفة المادية عن الدولة.

قد يكون هناك سيناريوهات أخرى لم تبدُ بعد مؤشراتها بالوضوح الكافي، لكننا يمكن أن نؤكد على البديهيات التالية:

ـ أن إقصاء المجتمع المدني الأمازيغي وإسناد تدبير موضوع الأمازيغية داخل المؤسسات للتيارين الإسلامي والقومي العربي، أمر ما فتئ يتكرر منذ 1998، أي منذ وضع ميثاق التربية والتكوين، مرورا بالتشكيلة الغريبة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين، وانتهاء بالقانون التنظيمي الحالي الذي تم إعداده في كواليس رئاسة الحكومة، لكن الملاحظ هو أن الدولة تعمل دائما بعد ذلك على تدارك الأخطاء العبثية التي تتكرر، والتي سببها محاولة تدبير موضع التنوع اعتمادا على منظور الدولة المركزية التقليدية التي تعيش أزمتها الخانقة منذ عقود.

ـ أن أي قانون لا يأخذ بعين الاعتبار الطابع الرسمي للغة لا يمكن أن يكون تفعيلا للترسيم، لأنه في هذه الحالة سيكون مجرد محاولة لإضاعة المزيد من الوقت وتأخير التغيير المطلوب في السلوكات والعقليات، مما سيجعل واضعيه خارج الدستور، ويجعل الوثيقة الدستورية نصا عديم القيمة يمكن خرقه دون محاسبة.

ـ أن قانون الأمازيغية إذا لم يكن في مستوى الترسيم فإنه سيكون قانونا لتكريس الميز في الدولة، مما سيجعل تحقير الأمازيغية يتحول من حيف وظلم إلى سلوك مشروع، وحينئذ سنصبح في ما يشبه الأبارتايد الثقافي واللغوي، إذ ستصبح دونية الأمازيغية أمرا طبيعيا بقرار من الدولة، في الوقت الذي كانت تعتبر فيه من قبل سوء تقدير وتهميشا مرفوضا باعتراف المسؤولين أنفسهم. ومعلوم أن تحقير لغة أو ثقافة ما هي تحقير مباشر للعنصر البشري الذي يحملهما.

ـ إن الإشكال المطروح أمامنا يستنفر الطبقة السياسية سواء في الحكومة أو المعارضة، كما يهمّ الهيئات العليا في الدولة، لأنه يتعلق بلغة رسمية ذات صلة بالكيان الهوياتي للمغاربة، وبشخصيتهم القاعدية، وبآلاف السنين من تاريخهم، وكل خطأ في التقدير أو ضعف في التدبير ستكون له عواقب وخيمة على هيبة الدولة ومصداقية المؤسسات.