محمد نجيب البقاش

عند النظر الى اختصاصات قاضي التحقيق نجدها واسعة جداً لكنها من الناحية العملية و بسبب إغراق بعض النيابات العامة لهذه المؤسسة بالملفات التي عادة لا تستحق وقائعها ان تكون موضوع تحقيق لعدم أي جدوى منه على اعتبار أنه ، أي قاضي التحقيق ، في مثل هاته القضايا لا يعمد بعد احالتها عليه سوى الى تكرار الاستماع الى أطرافها بحيث يعيدون التصريح بنفس الأقوال التي سبق ان صرحوا بها سواء امام الضابطة القضائية او النيابة العامة ، وهذا يعد في نظري من قبيل العبث . بعض النيابات العامة كذلك وجدت في هذه المؤسسة جهة ممتازة تتخلص فيها من بعض المساطر المعقدة و المزمنة ، فعوض ان تتخذ قرارا بحفظها لانعدام الإثبات أو ضعفه ،تعمد الى احالتها عليه ملقية بكرة مسؤولية اتخاذ القرار اليه و هذا ما يزيد من إطالة عمر القضايا الجنائية المعروضة على المحاكم لسنوات اخرى .

هذا التعامل السلبي مع مؤسسة قاضي التحقيق من جهة بعض النيابات العامة أدى الى إفراغ هذه المؤسسة من مضمونها القانوني و الحقوقي كضمانة لمحاكمة عادلة و سريعة ، ينظر المرء الى الصلاحيات المتعددة و القوية لقاضي التحقيق لكنه في غالب الأحيان لا يمارس سوى مهمة الاستماع الى الأطراف و الشهود و ذلك بسبب عملية الإغراق التي تحدثت عنها ، هذا راجع كذلك الى اعتقاد بعض وكلاء الملك و الوكلاء العامون بان هذه المؤسسة ما هي الا امتداد لصلاحياتهم نظرا لارتباط اغلب القرارات التي يتخذها قاضي التحقيق باطلاعهم إياها و جعل تنفيذها رهينا بعدم استئنافها من قبلهم .

نشير كذلك طبيعة هذه المؤسسة التي تتداخل فيها بطريقة غير مباشرة السلطتان القضائية و التنفيذية ، يجب الا ننسى ان وزير العدل هو من يعين قاضي التحقيق لمدة ثلاث سنوات فقط ،و ان وزير العدل نفسه هو من يترأس النيابات العامة في المحاكم التي ترتبط بها اختصاصات قاضي التحقيق و هو ما يسمح بتمرير ما يمكن تسميته ب " التعليمات الناعمة " إليه ، فالنيابة العامة هي من تختار قاضي التحقيق المناسب من بين قضاة التحقيق الآخرين لتحيل عليه قضاياها ، و نظرا للتوجهات القانونية و للطبيعة الشخصية لكل واحد من هؤلاء القضاة ، فهي تختار عادة من يساير توجهها العام سواء من ناحية القرار المتعلق بالاعتقال من عدمه او من ناحية القرار النهائي بالمتابعة من عدمها ( و قضيتي خير دليل على ذلك تم اختيار قاضي التحقيق الأضعف تكوينا و شخصية حتى يكون في متناول يد النيابة العامة التي يرأسها وزير العدل بل و الغريب أنه يكن هو قاضي التحقيق المداوم ليلة اعتقالي يوم 18-1-2012 )، كما ان سلطة النيابة العامة في انتزاع قضية معينة من يد قاضي تحقيق و احالتها على اخر يدفع الى الكثير من التساؤلات ، فيجب ان تكون الأسباب جدية و مرتبط بمبدأي الحياد و النزاهة لا غير كما يجب ان ان يمنح لقاضي التحقيق الحق في التعبير عن رفضه لرفع يده اذا ما رأى ان مبررات النيابة العامة غير جدية و لا قانونية .

في اعتقادي المتواضع ، ان مؤسسة قاضي التحقيق ، و في ظل كثرة القضايا التي أضحت تباشرها للأسباب أعلاه ، يتعين إما تحديد جرائم معينة ينظر فيها و تجعله بحق يضطر الى ممارسة صلاحياته الواسعة أو أن تلغى بالمرة ، أتحدث هنا عن المحاكم الابتدائية ، اذ لا يجب ان ننسى ان نفس صلاحيات قاضي التحقيق يمكن للقضاء الجنحي الجالس ان يمارسها في إطار ما يسمى بالبحث التكميلي . على العموم صلاحيات قاضي التحقيق مرتبطة بل و تتوقف على قوة شخصيته و تكوينه القانوني ، ففي غياب هاذين العاملين فهو يمسي مجرد امتداد للنيابة العامة التي يترأسها وزير العدل لا أقل و لا أكثر .