يوم بعد يوم ، يفصح رئيس الحكومة المغربية عن صعوبات سياسية كبرى تواجهه في تسيير حكومة المملكة المغربية ، في لقاءات تلفزيونية متعددة وآخرها على قناة الجزيرة في برنامج بلا حدود ،ولقاءات مباشرة مع المواطنين في مناسبات مختلفة ، يكرر الأستاذ عبدالاله بنكيران لازمات أساسية تعتبر العمود الفقري لخطابه السياسي تعبر عن فشله في تنزيل برنامجه الانتخابي والسياسي لظروف ذاتية، متعلقة باداء وزرائه في العدالة والتنمية او في احزاب التحالف الحكومي او، لظروف موضوعية متعلقة باداء المؤسسات الدستورية الاخرى والعوامل الاخرى الداخلية والخارجية المؤثرة في العمل الحكومي .

يمكن إجمال هذه اللازمات الأساسية إلى ثلاثة عناصر متكررة باستمرار في قاموسه السياسي ، والتي يمكن اعتبار تكرارها بلغة علم النفس انها تحتل مساحة كبيرة في تفكيره السياسي وهواجسه الكبرى. انه متخوف منها وتعكس رغم زعمه العكس من ذلك .
اللازمة الاولى : الاستعمال المفرط للملك في الخطاب السياسي لبنكيران يشي بامر اساسي يهم التخوف الكبير من رئيس الحكومة من نوايا المحيط الملكي وخوفه الضمني من ان يلقى مصير اليوسفي، رغم اختلاف السياق الدستوري الحالي الذي يلزم الملك باختيار رئيس الحكومة من الحزب الفائز في الانتخابات ، فقول بنكيران مرارا وتكرارا بأنه جاء فقط لمساعدة الملك او عندما يقول بان الحاكم الفعلي للمغرب هو الملك كما قال على قناة الجزيرة مؤخرا، كل هذه المؤشرات تدل على ان بنكيران يريد اعطاء المغاربة انطباع، بان حكومته وشخصه لا يتحملان المسؤولية الكبيرة في بطء عملية الاصلاح السياسي والاداري والاقتصادي المغربي بل ان المؤسسة الملكية باعتبارها الحاكم الفعلي هي من تتحمل ذلك . كما ان بنكيران لا يفوت فرصة دون ان يذكر اتصالاته المتكررة مع الملك والهدف من ذكر ذلك بشكل متكرر هو، اعلام المواطنيين والمستثمرين وكل من يهمهم الامر في الداخل والخارج بان حكومة بنكيران وشخصه يحظيان برعاية واحتضان ملكيين ، هو بطريقة غير مباشرة يدفع عن حزبه وشخصه ادعاءات خصومه السياسيين بان العدالة والتنمية يمارس التقية السياسية اي يتمسكن حتى يتمكن كما يقول المغاربة في حديثهم المأثور، لكن بنكيران اخيرا اخافه كثيرا الاستجابة الملكية السريعة لمطالب المعارضة عندما اشتكت بنكيران للمحيط الملكي ، كما اخافه اكثر تصريح رجل مقرب جدا من مراكز القرار بالمغرب ، واقصد الامين العام لحزب الاصالة والمعاصرة والذي اكد عدم رضا الملك على حكومة عبدالاله بنكيران ، رغم العتاب الشديد الذي يمكن ان يكون قد وجه اليه بعد هذا التصريح من جهات عليا. ربما هذه الامور مجتمعة هي التي ادت الى نرفزة وعصبية رئيس الحكومة اثناء جلسة المساءلة الشهرية الاخيرة والتي استغلها لتمرير قضية هامة ، وهي ، ان قضية التحكيم الملكي الذي لجأت اليه المعارضة لن تلجمه عن الكلام الشعبوي الذي يتهم به ، هذا التخوف البنكيراني من التشويش على الرضا الملكي لحكومته، دفعه دفعا كبيرا لاختزال ممارسته السياسية وعمله الحكومي في ما يعتبره ارضاءا للملك ومحيطه مما جعل المغاربة ينظرون بعين التشاؤم من اصرار بنكيران بتغليب منطق التنازلات دون جدوى عن مطلب الاصلاح السياسي والاقتصادي، وهي نفس الطريقة التي اتبعها اليوسفي سابقا وفشل فيها فشلا ذريعا، وهو الذي وضع كل رصيده السياسي والحقوقي والتاريخي لخدمة قضية التناوب السياسي لكن ظنه وسعيه خابا ، بعدما اجبر على الرحيل عن الحكومة واستبداله بتكنوقراطي اكثر ثقة وامانة بمعايير النظام السياسي . بدون تكريم ولا ضجيج ولا احتجاج خلع عبد الرحمان اليوسفي لانه ببساطة قضى على النقابة وعلى الشبيبة وعلى الاصوات العاقلة بحزب عبد الرحيم بوعبيد ، فبقي اليوسفي وحيدا في مواجهة طلاب الاستوزار بأي ثمن وختم حياته السياسية ببلاغ بروكسيل الشهير الذي لايزال لم يقرأ جيدا بما فيه الكفاية من قبل السياسيين والباحثين، وربما ستضيء لنا مذكرات عبد الرحمان اليوسفي' شفاه الله واطال في عمره" في المستقبل بعض مناطق العتمة في المرحلة السياسية لحكومة التناوب التوافقي وبعدها .
عبدالاله بنكيران يسير بثبات نحو مصير سلفه الصالح عبدالرحمان اليوسفي ، ماض بقوة في افقار الطبقة المتوسطة المغربية والبرجوازية الصغرى والتضييق على اجورها وضرب قدراتها الشرائية ، وسبق ان تجاهل نضالات الشباب المغربي في حركة 20 فبراير رغم انه استفاد من نضالاتها وتضحياتها ولولاها لما اصبح رئيس حكومة ولا حتى وزير ، لكنه خانها وسكت عن المتابعات القضائية لنشطائها وتخالف وتعاند مع النقابات العمالية وتصارع مع الحركة النسائية مبخسا مطالبها المحقة ، ووضع كل سياسته في سلة واحدة اي سلة السعي نحو الرضا الملكي، لذلك فسيكون مصيره حتما ليس افضل من مصير سلفه الاستاذ اليوسفي، حيث سيلقى نفسه وحيدا في مواجهة الجميع وحينئذ سيكون لقمة سائغة لخصومه ومنافسيه وللماسكين الحقيقيين بزمام الامور بالمغرب.
اللازمة الثانية :
كل خطابات بنكيران تتحدث عن انجازات اقتصادية لفائدة الاقتصاد الوطني وعن تحسن مناخ الاستثمار ، والحال اننا جميعا نعلم علم اليقين ان معدل الفقر في ازدياد والبطالة في اضطراد والمديونية اصبحت غير مقبولة ولانحتاج الى قراءة التقارير الوطنية والدولية حول الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمواطن المغربي فنحن نلمسها في معيشنا اليومي ، نعلم جيدا ان نسبة نمو الاقتصاد الوطني انكمشت كثيرا بفعل الضغوط الضريبية على الطبقات المتوسطة وهي المحرك الديناميكي للاقتصاد الوطني من حيث الاستهلاك وتوفير الثروة ، كما نعلم جيدا ان عدد العاطلين عن العمل تزايد تزايدا مضطردا بفعل سن الحكومة سياسة اقتصادية ترتكز على القطاع الخاص الهش اصلا وتسعى جاهدة لاقالة الدولة من واجباتها التشغيلية واصل وجودها اصلا ، اي ان الولة وجدت اصلا لخدمة المواطن وتشغيله وتطبيبه مقابل الضرائب والالتزام الذي يبديه المواطن للقانون ، فيما حكومة بنكيران تريد للمواطن ان يخدم الدولة، كأن الدولة هي الاصل والمواطن وهو الفرع . حكومة بنكيران بطبعيتها السياسية عاجزة عن اعطاء بدائل اقتصادية جذرية وحقيقية للنمو الاقتصادي العادل ، والسبب ليس في نوايا اعضاء الحكومة او لعدم رغبتهم في ذلك ، ولكن لان الاختيارات الاقتصادية لحكومة بنكيران وللحكومات السابقة هي النهج الراسمالي التبعي ، وهذا النهج مميت لكل القوى السياسية المطبقة له لانه لا يمكن ان تتماشى الراسمالية التبعية مع العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات ،فالحكومة التي تريد خوصصة التعليم والصحة والابقاء على الادوار الامنية للدولة فاشلة اقتصاديا وسياسيا رغم قوة خطابها التواصلي او علاء كعبها الاخلاقي ، حكومة بنكيران رهنت الاقتصاد الوطني بالديون الخارجية والداخلية المشروطة سياسيا بطبيعة الحال .واصبح الدين الخارجي يستنزف 65 في المئة من الناتج الوطني الداخلي ، فماذا بقي للاستثمار؟
حكومة بنكيران تدعي انها صوت الجماهير المقهورة والضعيفة اقتصاديا والمهمشة اجتماعيا وصوت من لا صوت لهم ، ولكنها تكتفي بالخطاب الاخلاقي فقط رغم اهميته في تصريف الامور العمومية ، لكنها عاجزة عن اقرار عدالة اجرية عبر تخفيض الاجور العليا والغاء صناديق التعويضات الخيالية في الوزارات ، عاجزة تماما عن اقرار ضريبة على الثروات الكبرى بالمغرب في اطار التضامن الاجتماعي ، وعاجزة اكثر على استرداد الاموال المنهوبة والمسروقة واعادة استثمارها. حكومة بنكيران نالت ثقة المواطنين لان سجل العدالة والتنمية ،وليس بالضرورة كل اعضاء التحالف الحكومي ، يبدو على الاقل خاليا من الجرائم السياسية والاقتصادية ضد الشعب المغربي ، وهذا صحيح واتفق معه ، ولكن استراتيجية الحزب الاقتصادية والاجتماعية خالية من بدائل تنموية تقوم على التشغيل للجميع والتوزيع العادل للثروات وبعبارة دقيقة على متطلبات اقرار دولة العدل والحق والقانون كأفق استراتيجي. الحزب يطبق اجندة المؤسسات الدولية المانحة ويتجه نحو ربط الاقتصاد الوطني بالاسواق الدولية بدون تنافسية تذكر ولا اخذ بالاعتبار مساوئ النظام الراسمالي التبعي ، المفقر للشعوب والمستلب لثرواتها. عبدالاله بنكيران يتباهى دائما بانه استطاع فتح ملف صندوق المقاصة ، وهو ملف شائك قد يعصف بشعبيته الانتخابية وهذا صحيح .لكن اليس لرئيس الحكومة بدائل اخرى لدعم الطبقات الفقيرة ومنها تأميم بعض مؤسسات الدولة ومنها الفوسفاط؟ رغم ان خطاب التأميم قد يبدو اجراءا ماضويا وغير معقول ولكن يجب ان يعرف المواطن المغربي بان تخصيص عائدات الفوسفاط وحدها قادرة على تشغيلهم جميعا ، والحال اليوم ان ما يربط ايادي الحكومات المغربية هو عدم قدرتها على التحكم على كل مفاصل الثروات الوطنية التي تعتبر خارج اختصاصات الحكومة والبرلمان مجتمعين ، او التغاضي عن وكالات تستنزف ميزانية الدولة ولا تقوم باعمال اقتصادية منتجة وقابلة للقياس و لا تخضع للتقييم ولا التمحيص ، فانا شخصيا اعرف جماعة قروية عدد سكانها الف نسمة ورصد لها مبلغ 5 مليار سنتيم لانجاز طرق قروية حولها رئيس الجماعة الى ثلاث طرق كل واحدة منها تؤدي الى بيت احد الاعضاء في الاغلبية ، وبرمج التطهير السائل بمليار سنتيم سيستفيد منه مقهى واحد ووحيد ، فلو جمع هذا المبلغ وقسم على السكان على شكل استثمارات سيعطي نتائج باهرة وسينقذ الف نسمة من الفقر المذقع ، ولكن من يحاسب من في المغرب ؟ وهذا نموذج مصغر للنهب المنظم للمالية العمومية في مغرب غني ومفقر في نفس الوقت، ولكن يصر رئيس الحكومة ان يزيد تفقيره عبر اجراءات لاشعبية ولاديموقراطية وانتقامية من الطبقات الكادحة لانه يجبن امام القوى الناهبة والمستغلة بدعوى التدرج في الاصلاح .
اللازمة الثالثة: رئيس الحكومة يستغل كل فرصة جماهيرية ليقول بان حكومته جاءت لمحاربة الفساد ووقف النهب المنظم للمال العام واقران المسؤولية بالمحاسبة . ثلاث خطوات اساسية اقدم عليها رئيس الحكومة تدحض اقاويله وتصريحاته بخصوص محاربة الفساد.
الخطوة الاولى : تواطئ رئيس الحكومة مع المفسدين في ابقاء نظام الانتخابات والتقطيع على حاله اي مشرعنا للبلقنة وللفساد الانتخابي ولصالح الاعيان اصحاب الشكارة ، وكلنا نعرف بأن اي اصلاح سياسي بالمغرب واي مصالحة للمغاربة مع السياسة لابد ان تبدأ باجراءات عملية لتقوية المشروعية الديموقراطية الترابية والمجالية ، اي تقوية قدرات وضمانات الحكامة الديموقراطية للمجال وللفاعلين فيه ، فالابقاء على لوائح انتخابية مشكوك فيها واقصاء الملايين من المغاربة من التصويت بالبطاقة الوطنية لدواعي تقنية كما يقال وهو غير صحيح ، والغاء الكفاءة والشهادة في رئاسة الجماعات الترابية بدعوى التدرج في الاصلاح وعدم اغضاب الاعيان وهو الارجح ، واقصاء المراة المغربية من المناصفة بدعوى حفظ الخصوصية المغربية ومراعاة التقاليد المرعية في الحفاظ على مجتمع بطريكي . كل هذه العناصر واخرى تعتبر رئيس الحكومة باعتباره الدستوري والقانوني والشعبي متآمرا على الشعب المغربي ومشاركا في جريمة الابقاء على تخلفه السياسي والاجتماعي لدواعي سياسية رجعية وشخصية كي لا اقول انتهازية سياسية ، والحال ان الشعب الذي صوت عليه كان يأمل منه ان ينقل المغرب من مرحلة التحكم السياسي الى مرحلة الانتقال الديموقراطي، لكن مرة اخرى غلب الطبع التطبع لدى رئيس الحكومة.
الخطوة الثانية :الابقاء على نفس الترسانة القانونية المنظمة للغابات وللثروات الطبيعية والتي يتم استغلالها لقضم اراضي الشعب المغربي وتفويتها الى الخواص بطرق ملتوية وفاسدة ، فجميع القوانين المغربية تعرضت للتغيير والتبديل الا القوانين التي تتعلق بالغابات والثروات الباطنية فهي بقيت قوانين استعمارية فوق المسائلة والتعديل والتجريح ، والحال ان الحكومة المغربية لم تستطع لحد الان مواجهة مافيات الاراضي التي تشكل دولة داخل الدولة ، وتسيطر على القضاء وعلى المحافظات العقارية والاعلام والاستثمار بل الادهى من كل هذا التأمر ان تقوم الحكومة بالمتابعات القضائية وسجن السكان المحتجين والمتضررين من نزع الاراضي وتفويتها للرساميل الاجنبية .
الخطوة الثالثة : الاحتفاظ على نفس قانون الصفقات العمومية ، الذي يعتبر البقرة الحلوب لمدراء المؤسسات العمومية ورؤساء المؤسسات الترابية، هذا القانون فصل اساسا وبثغراته العديدة للنهب المنظم للمالية العمومية ، فالابقاء على سندات الطلب ضمن مدونة الصفقات العمومية تفتح الباب على مصراعيه للفساد وسرقة المال العام ، ولعل تقارير المجلس الاعلى والمجالس الجهوية للحسابات كافية للتدليل على ما اقول، حيث انتشار الفساد واستغلال النفوذ وغيرها من الجرائم المالية التي تكرمت عليهم الحكومة بعدم متابعتهم الا بعد الانتخابات ، اي تعطيل دور القضاء وتسخيره لخدمة السياسيين .
هذه الخطوات الثلاثة وغيرها كثير، تثبت بما لا يدع مجالا للشك ان حكومة عبدالإله بنكيران هي حكومة استمرار للنهب والقمع والمتابعات القضائية في حق الفاضحين للفساد من صحافة ومدونين الحقوقيين ، وليست حكومة قطع مع الاستبداد والفساد والتحكم السياسي كما هو مأمول منها.
عدم التزام الحكومة المغربية بواجباتها الدستورية والقانونية والاخلاقية في اقرار ربط المسؤولية بالمحاسبة وتنصلها من استحقاقات الانتقال الديموقراطي وضروراته الموضوعية اي تخليق الحياة السياسية واطلاق الحريات العامة بحرية ومسؤولية وتكريم المرأة المغربية وانصافها سياسيا واجتماعيا وقانونيا ، كل هذا يلازمه وجود معارضة سياسية مغربية مثخنة بجراح الفساد الاخلاقي والسياسي والانقسامات الداخلية وضعف المشروعية الشعبية وانعدام البرامج السياسية والاقتصادية البديلة.
المغرب في منعطف تاريخي بين حكومة شعبية عاجزة وخنوعة وبين مجتمع محتقن وطموح ومثقل بالخيبات والآلام والخيانات . المجتمع المغربي لن يبقى مكتوف الايدي امام ارتفاع الاسعار وضعف التنمية واستشراء الفساد وانهيار الصورة المعنوية لمعظم الاحزاب والنقابات، المغرب امامه خيارين لا ثالث لهما اما حكومة مسؤولة وديموقراطية ومستقلة في قرارتها واما انتفاضات واحتجاجات مستقبلية واحتقان اجتماعي وسياسي خطير ، حينئذ سيخسر الجميع الذي يجمعنا اي الوطن.