أثار تعيين المدير العام لمديرية مراقبة التراب الوطني " عبد اللطيف الحموشي" على رأس المديرية العامة للأمن الوطني مكان المدير العام السابق بوشعيب ارميل، ردود فعل مختلفة بين مرحب بهذا التعيين الذي سيجعل الحموشي يجمع بين جهازين أمنيين من طبيعة مختلفة: أحدهما سري والآخر علني، وبين متخوف ومتوجس من هذا التعيين لاعتبارات حقوقية صرفة.

جمع عبد اللطيف الحموشي بين إدارة المخابرات بكل تفرعاتها وإدارة الأمن الوطني يطرح أكثر من سؤال حول طبيعة الحكامة الأمنية التي نريدها لهذا الوطن؟

الحكامة الأمنية في المغرب لا يمكن التعامل معها كما لو أنها ورش مفتوحة للاستهلاك الإعلامي، بل ينبغي تكريسها في الواقع كأولوية مجتمعية ضاغطة، للحد من مظاهر الانحراف والشطط في استعمال السلطة، والتعسف في استعمال الحق، والإفراط في استعمال القوة ضد المواطنين، من دون مراعاة شرطَي التناسب واللزوم، والتصرف من دون ربط المسؤولية بالمحاسبة بخصوص تدخلات الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين.

الحكامة الأمنية من المعايير الأساسية للتحوّل الديمقراطي في أي بلد، التحوّل الذي سيجعل الأجهزة الأمنية المكلفة بحماية الأمن والنظام العام تشتغل تحت سلطة الحكومة الدستورية، وتخضع في تصرفاتها لرقابة القضاء ولمساءلة البرلمان ولتحريات لجان تقصّيه النيابية التي تستمدّ مشروعيتها من الدستور والقانون.

وقعت، في السنوات الأخيرة، تدخلات أمنية عنيفة في حق نشطاء حركة 20 فبراير، أو في مواجهة طلبة الجامعات، أو ضد وقفات احتجاجية سلمية لفعاليات حقوقية ومدنية، أو في مواجهة حراك اجتماعي في بعض المدن. مع ذلك، لم نرَ أن الحكومة التي جعلت من التنزيل الديمقراطي للدستور أهم شعاراتها نشرت أي تقرير عن العمليات الأمنية، وعمّا خلّفته من خسارة، وعن أسباب ذلك والإجراءات التصويبية المتخذة في إطار تفعيلها توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، في الشق المتعلق بموضوع الحكامة الأمنية.

ما دامت دواعي الاحتكاك بين رجال الأمن والمواطنين في المغرب موجودة، فإن وضع مدوّنة سلوك أو خطة وطنية متكاملة لضبط سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين يعدّ من المقومات الأساسية الكفيلة بإصلاح الأعطاب الموجودة في العلاقة بين المواطن وأجهزة الأمن. كما أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة أمر بات يستوجب، من الناحية الأمنية، ضرورة توقيع العقاب الإداري والجنائي الصارم على كل مَن يثبت عليه إخفاء ما ترتّب من الخسائر البشرية، أو المادية، بسبب الاستعمال المفرط للقوة العمومية، أو قام بتزوير أو تدمير أو التستر على ما حصل من تجاوزات أو وثائق متصلة بها، كما أوصت بذلك هيئة الإنصاف والمصالحة.

المؤسسات الأمنية، بخلاف باقي المؤسسات الأخرى، تقوم، بموجب القانون أو بدونه، بأعمال قسرية تنطوي على القسوة والشدة؛ وتستعمل القوة بشكل مفرط وغير متناسب أحياناً، ويمكنها أن تقوم أحياناً أخرى بإجراءاتٍ تمسّ الحرية الشخصية، مثل القبض والتفتيش والاستجواب وانتزاع الاعترافات.

ولأن هذه الأجهزة تكون في مواجهة مباشرة مع الأفراد بشكل جماعي أو فردي، فإن المواجهة تفرض على الدولة، وعلى أجهزتها الأمنية، احترام حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية. تعدّ أجهزة الأمن من أهم الآليات الوطنية التي يتوجب عليها احترام حقوق الإنسان، خصوصاً في هذه المرحلة التي تشهد تنامي ظاهرة التظاهرات والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية، للمطالبة بالتغيير والإصلاح للقضاء على الفساد والاستبداد.

وارتباطاً بموضوع الحكامة الأمنية في الجانب المتعلق بالقتل التعسفي، أو بالاستعمال غير المناسب للسلاح من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، لا بد من الإشارة إلى تعليق مهم للجنة المعنية بحقوق الإنسان على المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، جاء فيه: "ينبغي على الدول الأعضاء اتخاذ تدابير ليس فقط لمنع الحرمان من الحياة عن طريق الأعمال الإجرامية، بل، أيضاً، لمنع القتل التعسفي الذي ترتكبه قوات الأمن التابعة لها. والحرمان من الحياة على يد سلطات الدولة أمر بالغ الخطورة، ولذلك، يجب أن يتحكم القانون في الظروف التي قد يحرم فيها شخص من حياته على يد هذه السلطات، وأن يحدد هذه الظروف".
ومتى كان الاستعمال المشروع للقوة والأسلحة النارية أمراً لا مناص منه، ينبغي على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يقلّلوا الضرر والإصابة إلى الحد الأدنى، ويحترموا الحياة الإنسانية، ويحافظوا عليها. وتقرر المادة الثالثة من مدونة الأمم المتحدة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، أنه "لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال القوة، إلا في حالة الضرورة القصوى، وفي الحدود اللازمة لأداء واجبهم"، كما ينص تعليق اللجنة الدولية لحقوق الإنسان في المادة الثالثة على:
1 ـ يشدّد هذا الحكم على أن استعمال القوة من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين ينبغي أن يكون استثنائياً، ومع أنه يوحي بأنه قد يكون من المأذون به للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يستخدموا من القوة ما تجعله الظروف معقول الضرورة، لتفادي وقوع الجرائم أو في تنفيذ الاعتقال القانوني للمجرمين، أو المشتبه في أنهم مجرمون، أو يساعدون على ذلك، فهو لا يجيز استعمال القوة بشكل يتعدى هذا الحد.
2 ـ يقيّد القانون الوطني في العادة استعمال القوة من المكلفين بإنفاذ القوانين، وفقاً لمبدأ التناسبية.
3 ـ يعتبر استعمال الأسلحة النارية تدبيراً أقصى لا ينبغي اللجوء إليه، إلا عندما يبدي الشخص المشتبه في ارتكابه جرماً مقاومة مسلحة، أو يعرّض حياة الآخرين للخطر، بطريقة أخرى، وتكون التدابير الأقل تطرفاً غير كافية لكبحه، أو للقبض عليه، وفي كل حالة، يطلق فيها السلاح الناري، ينبغي تقديم تقرير إلى السلطات الخاصة من دون إبطاء.
أما مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استعمال القوة والأسلحة النارية من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، فقد نصّت على عدة خطوط توجيهية، ترتبط بالمبادئ العامة لاستعمال الأسلحة وبالجانب المتعلق بالمساءلة عن استعمال الأسلحة، وبالظروف المسموح فيها باستعمال الأسلحة، وبإجراءات استعمال الأسلحة وما بعد استعمالها.
بالعودة إلى واقعة تعيين الحموشي على رأس المديرية العامة للأمن الوطني ، يبدو أن الجمع بين إدارة جهاز المخابرات كجهاز سري و إدارة جهاز الشرطة كجهاز علني، توجه في تقديري الشخصي المتواضع، مناف لمنطق الحكامة الأمنية الذي يتأسس على ضرورة الفصل بين المسؤوليات الأمنية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإخضاع عمل الأجهزة الأمنية لسلطة الحكومة الدستورية، ولرقابة السلطتين القضائية والتشريعية، إلاّ، إذا كانت الغاية من وراء تعيين الحموشي على رأس الإدارة العامة للأمن الوطني من طرف الملك الذي يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة، هي إخراج الحموشي بشكل تدريجي وبطريقة سلسلة من مجال أمني سيادي سري اشتغل فيه لمدة 10 سنوات إلى مجال أمني سيادي عام يمكن أن يكون بوابته الرئيسية في اتجاه وزارة الداخلية في السنوات المقبلة.
هناك قراءة أخرى تذهب في اتجاه أن الهدف من تعيين الحموشي على رأس الإدارة العامة للأمن الوطني هو إحكام القبضة الأمنية لجهاز المخابرات المدنية على كل قنوات القرار الأمني الداخلي" الفرقة الوطنية، مكتب الأبحاث القضائية، المديرية العامة للأمن الوطني" وكأن الأمر يتعلق بتنزيل مشروع غير معلن عنه لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية المدنية.
هذه القراءة ممكنة، خصوصا وأن المغرب ينتظره استحقاق أمني كبير يتعلق بتنزيل الفصل 54 من الدستور والمتعلق بإحداث المجلس الأعلى للأمن بصفته هيئة للتشاور بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد، وتدبير حالات الأزمات، والسهر أيضا على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة.
تركيز عمل السلطات الأمنية على المستوى الأمني الداخلي في يد شخص واحد اشتغل لمدة 10 سنوات كمدير عام لمديرية مراقبة التراب الوطني، قرار يفيد ضمنيا بوجود مشروع غير معلن لترسيم الحدود الفاصلة بين أمن الدولة الداخلي وأمنها الخارجي. كما يعطي الانطباع أن هناك ترتيبات أخرى تسير بشكل متوازي مع الترتيب الأمني وفي غالب الأحيان هي ترتيبات سياسية بامتياز. والله أعلم