حميد المهدوي ـ قال زميل صحافي: "أستغرب لهؤلاء الصحافيين وأشباههم الذين يتسابقون للكتابة حولي مع أنني لست موظفا عموميا ولا أتقاضى راتبي من أموال دافعي الضرائب، في وقت كان عليهم استغلال الوقت الذي يضيعونه معي لمراقبة المسؤولين العموميين وإنجاز تحقيقات حول المؤسسات التي يسيرون".

والظاهر أن هذا الزميل يجهل أو يتجاهل، أن الصحفي حين يفضح مسؤولا حكوميا فاسدا، يكون (الصحفي) في قلب السياسة العمومية، وحين يتستر على مسؤول حكومي فاسد، أو يُسوِّق صورة إيجابية عن الأخير، فإن هذا الصحفي يساهم بشكل سلبي في تدبير السياسة العمومية.

يجهل هذا الصحافي أو يتجاهل أنه حين يخصص صفحاته فقط للحكومة دون الحُكم ودون الماسكين الفعليين بزمام الأمور يرتكب في حق الشعب المغربي جرائم أفظع مما ارتكبها أي مسؤول حكومي في حق هذا الشعب، خاصة إذا كان هذا الصحفي يعلم بعجز الحكومة المحكومة على التغيير.

وحين يخصص الصحافي صفحاته للافتراء على رجال أعمال دون غيرهم ككريم التازي أو ميلود الشعبي، اللذين ساندا حركة 20 فبراير، ويتغاضى عن ملفات "المفترسين" الحقيقيين المعروفين جميعا لدى الشعب، وحين يخصص جريدته فقط لوزراء "البجيدي" وقبلهم وزراء "الفاسي" وقبلهم وزراء "اليوسفي" إنما يساهم بذلك في توفير شروط الجريمة ضد كل هؤلاء، لصالح دوائر النفوذ الإقتصادي والسياسي والأمني بالبلد.

وهل يعلم الزميل المحترم أنه حين يسلط زميل مثله ضوءه فقط على خالد عليوة، لكونه خرج ولم يعد، بواسطة رخصة مؤقتة من السجن لتشييع جنازة والده، ويتغاضى عن جامع المعتصم، الذي خرج من السجن، ليعين مباشرة عضوا في المجلس الاقتصادي والاجتماعي ثم مديرا لديوان رئيس الحكومة، يُساهم في صناعة نصف الحقيقة.

ولعل الذي يجب أن يعلمه هذا الزميل الصحافي أن عنوانا لزميل مثله يفيد فيه: "الملك أسقط النظام" بخطاب تاسع مارس، أخطر بكثير من أي رصاصة شرطي ضد الشعب، خاصة إذا جاء هذا العنوان في لحظة شعبية ثورية، يتأسس فيها الوعي الشعبي على قواعد جديدة، لأن نجاعة مثل هذا العنوان في تفريق الجموع الثورية وإخماد حماسها الثوري تكون أقوى من نجاعة الرصاص والعصي والهراوات، عطفا على مقولة " إن أقسى أشكال القمع هو التضليل".

مهمة الصحافي أن يخدم الحقيقة أينما كانت، لا يضيره  في نقلها  إن كانت ستؤلم زميلا له أو قريبا من أقاربه، فمن العيب أن نكون سلطة ولا نقبل مراقبة هذه السلطة، من العيب  أن يدعم الشعب جرائدنا من ماله العام عن طريق وزارة الإتصال وفي الأخير نخون الشعب عن  طريق نقل حقائق ملغومة ومعطيات مزيفة ونحارب بالوكالة ضد جهات اقتصادية أو حكومية او ضد المعارضة.

إن أخطر ما يواجهه الشعب المغربي اليوم أن معظمه لا يملك وعيا سياسيا حقيقيا عن واقعه وطبيعة مضطهديه الحقيقيين، إنه لا يعرف مصدر قهره وسبب تعتر الانتقال الديمقراطي في البلد، فكل ما يملكه من وعي، هو مجرد وعي سياسي مزيف، يختزل الأزمة في "الحكومة" والفاعل الحزبي، وهو وعي ساهم في تشكيله بشكل كبير صحافيون إلى جانب خطب الجمعة وبرامج التعليم والبرامج التلفزية، وما لم يتملك هذا الشعب وعيه "النقي" والحقيقي سيظل فريسة تتناوب على افتراسه الحكومات المتعاقبة أكانت حكومة بنكيران أم حكومة شباط أم حكومة لشكر أم حكومة إلياس.

ولعل الحقيقة المرة التي يجب أن يعلمها المغاربة اليوم هي أن الصحافة في المغرب، عبر معظم الجرائد والمواقع الإلكترونية، باتت قلعة من "قلاع الفساد" وتبييض وجه الإستبداد، بعد أن سيطر عليها أعداء التغيير وصناع القرار الأمني والسياسي والإقتصادي في البلد، وحين يسيطر الفاسدون على اعلام شعب فإنهم بذلك سيطروا على حياته ومستقبله، ألم يقل وزير إعلام النازية جوزيف جوبلز: "اعطنى اعلاما بلا ضمير اعطيك شعبا بلا وعي".