لا يترك أنصار المشاركة السياسية هذه الأيام أية فرصة لاغتنامها في الهجوم اللاذع على المقاطعين للانتخابات ورميهم بأقدح النعوت بدءا من السلبية وكتمان الشهادة إلى خدمة المفسدين أو "العنوسة السياسية" وما إلى ذلك من اتهامات تثبت أن القوم قد فقدوا جادة صوابهم أمام تنامي خيار المقاطعة بعد أن خسروا منذ زمن استحقاق مشاركة وازنة تنسجم مع الشعارات الرنانة التي يتغنى بها من يؤثث المشهد السياسي الرسمي في البلاد. 

هذه الحملة لا تقتصر على عامة المغاربة لتطال حتى التكتلات الداعية للمقاطعة، حيث يتعرض الجميع لحالة من الترهيب والدعوة لتأديبهم بغرامات ثقيلة والتبخيس من اختياراتهم كضربة استباقية من طرف أتباع النظام تجاه من ينبغي لهم محاسبتهم، لدرجة أضحت الأحزاب المغرقة في الفساد تتحدث عن النزاهة وقطع الطريق أمام الفاسدين وعدم ترك الكرسي شاغرا للعابثين بمصالح المواطنين.
منطق الكرسي الفارغ أصبح حديث هذه الأيام لدى جل المطبلين بجدوى العمل داخل المؤسسات الرسمية حتى من ذوي النيات الحسنة، وهو منطق قد يبدو للوهلة الأولى مقبولا وحجتهم في ذلك أن الدنيا لا تقبل الفراغ وحين يترك الفراغ فلن يملأه بالضرورة إلا المتربص به، فلا داعي إذن للتباكي والاحتجاج على من يتمدد فيه.
غير أن الحالة التي نحن بصددها سياقها مختلف تماما، فلا توجد كراسي فارغة من الأصل حتى نتركها لغيرنا، لأن النظام المخزني يجثم عليها وهو لم يترك يوما الفراغ لأحد، حيث يضبط المشهد بما يناسبه دون إمكانية السماح بأي اختراق حقيقي في جبهته، وحتى وإن ترك من كراسي فهي كراسي مهترئة آيلة للسقوط بمن يجلس عليها وهي للديكور فحسب.
ثم يحدثك البعض عن فرص لا ينبغي إضاعتها لإحداث التغيير انطلاقا من مؤسسات النظام متناسين أن زمرة الفاسدين التي صممت ملعب النزال على مقاسها، لن تسمح بأي هامش للإصلاح، والفرص التي تركتها ليست خاصة إلا بمن يسعى للاغتناء السريع وقضاء مآرب خاصة على حساب من زكاه وأعطاه صوته، والذي يريد أن يعمل وهو صادق لاستثمار المؤسسات من أجل قطع الطريق على المفسدين، فلن يكون مصيره إلا المنع والحرمان كما حدث لحزبي الأمة والبديل الحضاري.
أما الفئة التي تتذاكى على المخزن وتستخف بقدراته الترويضية، فعليها قبل أن توزع الاتهامات والمزايدات ذات اليمين وذات الشمال على المقاطعين أن تنظر للتغير السريع في بنيانها الداخلي وكيف أنها دخلت لتحارب الأعيان والسماسرة، ثم لم تمض سنوات حتى بدأت تستعين بهم في لوائحها الانتخابية كوكلاء، والأكثر من ذلك أنهم أصبحوا يتقلدون مسؤوليات متقدمة داخل أحزابهم تلك، هذا دون أن نتحدث عن التحالفات التي تنسجها "الأحزاب النزيهة" مع من تنعتهم بالفاسدين بعد كل حفل انتخابي، الشيء الذي يفقد هذه الأحزاب هويتها ويجعلها على المدى البعيد لا تختلف عن الأحزاب الإدارية في شيء.
إن المدخل لأي إصلاح وتغيير في المغرب طريقه واضح والجميع يعرفونه، لكن البعض يدس رأسه في التراب، لأنه غير جاهز لكلفته ولأنه غير معني به وهو لم يدخل الحقل السياسي من أجله، وهذا لكون العمل المجتمعي شاق ومتعب ويحرمه من الفتات المخزني وقد يعرضه للأذى. لكنه لا ينتبه أنه يجني على نفسه وعلى تنظيمه بعد ذلك، فقد كانت الجماهيرية والالتحام بالشعب دائما من نصيب الخارجين عن السرب المخزني، وبمجرد ما أن يقرر أي طرف التطبيع مع النظام فهو عمليا يضحي بأي رصيد جماهيري وأخلاقي.
لذلك فالفراغ الحقيقي هو الفراغ المجتمعي وترك الشارع بلا تأطير والانشغال عنه في معمعة السلطة الموهومة، فأي تغيير لا بد أن يكون الشارع منطلقه وهو الكفيل بخلخلة المنظومة الرسمية كما حدث زمن 20 فبراير. وما دون ذلك تدليس وبيع للأوهام حتى لو تغلف بشعارات من قبيل التدافع والإيجابية المفترى عليها