بديل ـ الرباط

يُؤسس إعلاميون وحقوقيون مغاربة، مساء الجمعة 25 أبريل، عند الساعة الخامسة مساءً، بالمقر المركزي لـ"لجمعية المغربية لحقوق الانسان"، إطارا جديدا يعنى بحماية حرية الصحافة والتعبير في المغرب.

وهذا مشروع أرضية التأسيس كاملا كما توصلنا به:

كانت الحرية وما تزال وستبقى حقا من حقوق الإنسان الجوهرية والأساسية، أوصت بها الشرائع الكونية ونصت عليها المواثيق والعهود الدولية، وتضمنتها القوانين المغربية وعلى رأسها بعض بنود دستور 2011.
فقد نصت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) الملزمين للدولة المغربية، أن "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية"، كما نصت المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية على أن "لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة. ولكل إنسان الحق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها".
أما الدستور المغربي لعام 2011، قد أقر في ديباجته على احترام الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وأكد في نفس الديباجة على التزام الدولة المغربية بـ "ما تقـتضيه مواثيقها من مبادئ وحقوق وواجبات"، و"تشبثها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا". كما نص في الفصل 25 على أن "حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها"، وجاء في الفصل 27 أن "للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات، الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام"، كما اعتبر الفصل 28 أن حرية الصحافة مضمونة عندما أقر بأن "للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة".
إن الحرية بمفهومها الشامل تعتبر حقا وجوديا من ضرورات الحياة، وجوهر هذه القيمة الإنسانية هي حرية التعبير وإبداء الرأي التي تميز الإنسان كفرد داخل المجتمع. فحرية التعبير والرأي أساسٌ من أسس الديمقراطية، ولولاها لما وُجدت الديمقراطية، إذ هي جوهر الحريات الأساسية الواردة في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان باعتبارها من ركائز المجتمع الديمقراطي التعددي الذي يتيح الفرصة لجميع المواطنين من أجل التعبير عن أفكارهم بكل حرية واطمئنان.
وتقعيدا عليه، فإن الدفاع عن الحق في إبداء الرأي والتعبير عن المواقف والقناعات الفكرية والسياسية والدينية، حق و واجب تفرضه الشرائع الكونية وتضمنه القوانين الوطنية و الدولية ويحميه الوعي البشري الذي راكم تجارب غنية في الترافع من أجل أن يبقى هذا الحق مصانا للأفراد والجماعات، على أساس احترام الحق في التعدد والاختلاف والرأي الآخر. لذا فإن حماية حرية الرأي والتعبير تتجلى في سن القوانين التي تضمن ممارسة هذه الحرية وصيانتها، مع اعتبار سمو المرجعيات الكونية التي تلخص ما أنتجه الفكر البشري في هذا المجال.
وبما أن الإعلام من الوسائل التي تسهم في رفع مستوى الوعي في المجتمع، وتساهم في صناعة الرأي والوعي العامين، فإن حرية الإعلام واستقلاليته ضرورية للمجتمع الديمقراطي المنشود باعتبار الإعلام سلطة مضادة حقيقية تقوم بدور الرقيب والمتتبع للسلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.
إن مفهوم الحرية يتعدى حرية التعبير وحرية الإعلام ليشمل كذلك حرية الفكر والثقافة والإبداع و المعتقد والبحث عن المعلومات والحصول عليها ونشرها، كما يشمل الحق في انتقاد ومساءلة السياسات العمومية، والحق في رفض الظلم والاستبداد والتصدي للفساد بكل أشكاله وبالوسائل القانونية.
كما أن التطورات التقنية سهلت ووسعت مجال ممارسة هذه الحرية بفضل الإمكانيات التي باتت تسمح بها تقنيات التواصل الإلكترونية والرقمية، التي ساهمت في بروز دور الفرد كلاعب جديد "المواطن الصحفي"، باعتباره مواطنا فاعلا، يعزز ويكمل عمل الصحافي، حيث أصبح قادرا على ممارسة حقه في مساءلة السياسات العمومية وانتقادها ورفضها والاحتجاج ضدها.
ونتيجة لمتابعة "اللجنة الوطنية من أجل الحرية لأنوزلا" لقضية الصحافي علي أنوزلا، والذي تم اعتقاله بتاريخ 17 سبتمبر 2013 ، ثم الحجب الذي طال موقع "Lakome.com" ، بصيغتيه العربية والفرنسية، ثم السراح المؤقت الذي أعقب التضامن الوطني والدولي مع هذه القضية، واعتبارا لما راكمته اللجنة المعنية من تجربة في هذا الصدد، انبثقت فكرة إحداث "هيأة حماية حرية الصحافة والتعبير بالمغرب" كاستثمارٍ لما راكمته اللجنة منذ تشكيلها وامتدادٍ لعملها الذي يستلهم تصورها أيضا من تجربة هيئات معروفة في العالم مثل "لجنة حماية الصحافة CPJ" و"مراسلون بلا حدود RSF " و"المادة 19، Article 19 " في بريطانيا و"مركز العمل الإعلامي الدولي" في أمريكا و"مؤسسة الصوت الحر" في هولاندا، والشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير IFEX" في كندا، وغيرها.
*****
ففي المغرب، وفي أعقاب ظهور ما عرف بـ "الصحافة المستقلة" خلال العقدين الأخيرين، تم رصد ظاهرة القمع والتضييق المُمنهجيْن على الإعلاميين وإخضاعهم للعقوبات السالبة للحرية وللغرامات المهولة والتي أدت في بعض الحالات إلى إفلاس مقاولات صحفية وإغلاق منابر إعلامية، وبلغ الأمر إلى صدور حكم جائر عام 2005، مازال ساري المفعول، بمنع الصحافي المغربي علي المرابط من الكتابة داخل بلده لمدة عشر سنوات. لقد طالت عمليات التضييق هذه مجموعة من المنابر الصحفية من بينها : لوجورنال، الجريدة الأولى، تل كيل، نيشان، المساء، أخبار اليوم، الوطن الآن، المشعل، الأيام، دومان، الموقع الرقمي Lakome.com ... وغيرها. كما شملت منشورات ومواقع رقمية لتنظيمات سياسية، والتي مازالت تتعرض بين الفينة والأخرى لهجومات ومحاولات للقرصنة.
إن هذه المضايقات والتعسفات مختلفة الأشكال ومتنوعة المصادر، ورغم أن المنظمات العاملة في مجال الإعلام وفي الحقل الحقوقي تسعى إلى انتقادها وفضحها والاحتجاج عليها، حسب ما تسمح به ظروفها وإكراهاتها وإمكانياتها، فـيُـترك صحافيون وضحايا حرية الرأي والتعبير وفاضحو الفساد يواجهون مصائرهم دون ما يكفي من وسائل الدعم والمساندة، فيتعرضون لأنواع الضغط للكشف عن مصادرهم، وللامتثال لمنطق الخطوط الحمراء الذي لا تنص عليه أية قوانين، وللأحكام القضائية غير المنصفة والتي غالبا ما تصدر عن محاكمات لا تحترم معايير المحاكمة العادلة وتصدر عن قضاء غير مستقل وتأخذ طابعا سياسا انتقاميا، تقوم بانتهاك حريات الأشخاص أو تفرض عليهم غرامات خيالية لإخراس أصواتهم، دون إغفال اللجوء إلى القانون الجنائي وقانون الإرهاب لمعاقبة الصحافيين، أو تفعيل ما أصبح يوصف ب "الرقابة الناعمة" المتمثلة في التحكم في موارد الإشهار بغرض الخنق الاقتصادي المؤدي للإفلاس المالي للمقاولات الإعلامية المستقلة.
لقد نتج عن هذا الوضع القاتم تركُ بعض الإعلاميين لمهنتهم ومغادرة آخرين لبلدهم، فارتفع عدد الإعلاميين المغاربة الذين اضطروا إلى "نفي" أنفسهم خارج المغرب، حيث حُرمَ الحقل الصحافي المغربي من خبرتهم وكفاءتهم، كما حُرمَ الشعب المغربي من أطر صحافية كُفأة قادرة على إنتاج صحافة مهنية ومستقلة تستجيب لحقه الأساسي والدستوري في الإعلام والإخبار والتحقيق، وساهم سبب غيابهم في إضعاف التأطير لمن تبقَّى من إعلاميين في الميدان.
إن التنكيل المُمنهَج الذي دأبت عليه السلطة دفعَ القوى الديمقراطية المؤمنة بحرية الإعلام والرأي والتعبير إلى إبداع أسلوب اللجان المسانِدة والمدعِّمة للمضطهدين، لتكون سندا لهم يحول دون انفراد السلطة بهم وتركهم لقمة سائغة لها، منها اللجنة الوطنية لدعم أصحاب رسالة إلى التاريخ، ولجنة دعم مدير جريدة الوطن الآن، ولجنة دعم علي لمرابط، ولجنة دعم مدير مجلة نيشان، ولجنة دعم رشيد نيني، واللجنة الوطنية للتضامن مع مصطفى الحسناوي، واللجنة الوطنية من أجل الحرية لأنوزلا، والتي يأتي تأسيس هذه المبادرة استمرارا لمسارها الترافعي.
وإذا كانت هذه المبادرات قد أثبتت نجاعتها النسبية في مواجهة ضيق صدر السلطة إزاء ممارسة حرية الإعلام وحرية الرأي والتعبير، فإنها تطرح اليوم بإلحاح ضرورة تجاوز الشكل المناسباتي في إنشائها، وتحويلها إلى هيأة مؤسساتية، ترصد باستمرار واقع الحريات، وتدعم حرية الإعلام وحرية الرأي والتعبير من أن تطالها خروقات وانتهاكات السلطة، وتتعاون باستمرار مع المؤسسات المماثلة في الخارج ذات البعد الدولي، وتستفيد من وجود كفاءات إعلامية مغربية بارزة بالخارج.
إن معطيات الوضع القانوني الراهن تبعث على القلق، منها وجود مسودة مشروع المدونة الرقمية الذي يهدد الحريات على شبكة الأنترنيت، والتعثر في صياغة قانون الصحافة الذي تعهدت الحكومات المتعاقبة في المغرب بتعديله منذ 2005 ومازال لم يرَ النور حتى اليوم، والتلكؤ الحاصل في إخراج قانون الحصول على المعلومة، وكذلك الارتباك في تقديم القانون المنظم لاستطلاعات الرأي، وقانون الأرشيف، وقانون الإذاعات الجمعوية ...
كما يتسم الوضع الإعلامي الراهن باستمرار وجود الرقابة القـبْلية التي تمارسها وزارة الاتصال على الصحف الدولية والتي أدت في حالات كثيرة إلى منع صحف ومجلات دولية من التوزيع في المغرب، وتهديد المطابع لثنيها عن التعامل مع بعض المواطنين، وتناسل الصحف والجرائد الرقمية غير المهنية التي لا تحترم أخلاقيات المهنة كما هو متعارف عليها عالميا، واستمرار الهيمنة المطلقة للدولة على وكالة المغرب العربي للأنباء وعلى وسائل الإعلام السمعية البصرية الممولة من طرف دافعي الضرائب والتي لا تستجيب لمواصفات الخدمة العمومية بل تستغلها السلطة من أجل إنتاج الرداءة والاستخفاف بذكاء المتلقي والبروباغاندا الرسمية وتغليب الرأي الواحد بدل فتحها للتعبيرات والحساسيات المتعددة داخل المجتمع.
هذا التشخيص للوضع الإعلامي في المغرب عكسته تقارير منظمات دولية أشارت بوضوح إلى مَواطن الخلل في المشهد الإعلامي المغربي، فقد جاء ترتيب المغرب في المرتبة 136 عالميا، حسب آخر تقرير صادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود"، وذلك من أصل 180 دولة في تصنيف مؤشر حرية الصحافة لسنة 2014. لقد وضع المؤشر المغرب ضمن خانة الدول التي توجد في "وضعية صعبة" من حيث احترام حرية الرأي والتعبير، وانتقد الحكومة التي قال إنها تأخرت كثيرا في ترجمة وعودها بالإصلاح التي أعلنت عنها منذ سنة 2011.
أما تقرير "فريدوم هاوس" فقد صنف المغرب في المرتبة 152 عالميا من بين 197 دولة في ترتيب مستوى حرية الصحافة بدول العالم لسنة 2013، ووضع التقرير المغرب من بين الدول "الخالية من حرية الصحافة" إلى جانب 64 دولة أخرى حلت في المراتب الأخيرة في القائمة.
وحصل المغرب، حسب نفس التقرير، على (24 نقطة) سلبية في تقييم القوانين التي تنظم عمل الإعلام، ومدى توفير الحكومة المغربية لقوانين لا تقيد حق الوصول إلى المعلومة، والضمانات الدستورية والقانونية لحرية التعبير، ثم الجوانب السلبية المسجلة في قانون العقوبات وغيره من القوانين الجنائية، والعقوبات المفروضة على القذف والتشهير في قانون الصحافة، ومدى استقلال القضاء في متابعة الصحفيين، وهيمنة الدولة على وسائل الإعلام العمومية، والرقابة على المطبوعات، فضلا عن انعدام حيوية الإعلام وتنوع الأخبار المتاحة للرأي العام الوطني، إضافة إلى عدم قدرة الصحفيين المحليين والأجانب على تغطية الأخبار دون تضييق.
كما أشار تقرير "هيومن رايتس وتش" الصادر عام 2014، إلى أن وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية المستقلة في المغرب تواجه الملاحقة القضائية والمضايقات عند تجاوزها خطوطا حمراء معينة عند انتقادها المسؤولين وسياسات الحكومة.
*****
بناء على كل ما سبق وتأسيسا عليه يأتي طرح مشروع تأسيس"هيأة حماية حرية الصحافة والتعبير بالمغرب" كجمعية لا تهدف إلى الربح وتعمل على توفير كل أشكال الحماية للإعلاميين وللأشخاص الطبيعيين والمعنويين، من باحثين وأكاديميين ومبدعين عند ممارستهم لحرية الرأي والتعبير، وتعمل على فضح ومواجهة كل المضايقات، من أية جهة كانت، التي تعترض حق الأفراد والجماعات في التعبير عن آرائهم بحرية، كما تهدف إلى إصدار التقارير وصياغة الوثائق وتنظيم الأنشطة المتعلقة بعملها.
ستتكون الهيأة من أطر قانونية وأكاديميين ومثقفين ومبدعين وصحافيين، ومن فعاليات المجتمع الحقوقي والمدني المنشغل بتوفير شروط دعم وحماية الإعلاميين وحرية الرأي والتعبير.
وستعمل الهيئة على تنظيم نفسها وفق قانون الجمعيات، وسينظم قانونها الأساسي ونظامها الداخلي مهامها بشكل مفصل، ومنها على الخصوص:
• تشكيل قوة اقتراحية من أجل الارتقاء بالترسانة القانونية ذات العلاقة بممارسة الحريات وضماناتها، وبشروط ممارسة الحق في التعبير وحرية الرأي، والإصلاح العميق للإعلام العمومي وتحريره من استحواذ السلطة ليتحول إلى مرفق عام في خدمة الدولة والمجتمع.
• مراقبة ورصد تهديدات وانتهاكات حرية الرأي والتعبير بالمغرب، والدفاع عن الإعلاميين والمثقفين والمبدعين، وتأطير الدفاع عن الضحايا ومؤازرتهم وكل من تعرض للضغط أو الاضطهاد بسبب ممارسة حقه في حرية التعبير وإبداء الرأي.
• الترافع على المستوى الوطني والدولي بخصوص تلك الانتهاكات، وتنبيه السلطة وتذكيرها بالتزاماتها الدستورية والدولية في هذا المجال عبر تنظيم حملات الدعم والاحتجاج من أجل حرية التعبير، من خلال الوسائل المضمونة قانونيا.
سينص القانون الأساسي للهيئة على شروط الانتماء إليها، وسيحدد طرق تسييرها وتمويلها وعملها وعلاقاتها وشراكاتها مع الهيئات ذات المصداقية العاملة في نفس المجال داخل المغرب وخارجه.

الرباط 31 مارس 2014