يحيى بن الوليد

في أكثر من مرة كرّرنا أن "الحالة المغربية"، ومن ناحية "الأداء السياسي" (وعلى افتراض أننا بصدد أداء سياسي)، تظل في حاجة إلى العلوم الاجتماعية، ككل، وأكثر، وعلى النحو الذي يدرج العلوم السياسية المعاصرة  ــ بدورها ــ ضمن "معادلة المقاربة الراديكالية". والمؤكد أن عملا، من هذا النوع، يستلزم تضافر جهود؛ مثلما يستلزم الانتظام ضمن مؤسسات ومراكز البحث التي تتجاوز التحليل نحو التشخيص وبالتالي اقتراح البدائل الملائمة وفي ضوء المؤشرات القائمة وليس المتخيلة. 

وفي هذا الإطار من المفيد أن نحيل على تقرير المؤتمر السنوي الثالث للعلوم الاجتماعية والإنسانية، الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (القطري) في تونس  في شهر مارس 2014، وحول موضوع "أي سياسات تنموية ملائمة لمواجهة تحديات الحراك الاجتماعي". وما لفت انتباهنا، ضمن التقرير، ليس "الخيارات البديلة" عن الرأسمالية الجديدة من "نموذج اقتصاد السوق الاجتماعية" و"نموذج الطريق الثالث" و"نموذج الاقتصاد الاجتماعي التضامني" و"نموذج الاقتصاد الإسلامي" أو ما يسمى "النموذج التركي" أو "نموذج التنمية المستقلة".

ما لفت انتباهنا هو ما ذهبت إليه الدكتورة ثناء عبد الله من أن "الثورات العربية لم تفشل، وإنما ما نراه هو ملامح الموجة الأولى للتغيير، وهناك موجات يجري حاليا اختمارها، ولن يستطيع أحد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء". مشدِّدة في ذلك على "أن التغيير الذي نتوخاه لن يحدث إلا بتغيير النظام الاجتماعي العربي ليحل نظام اجتماعي عربي جديد". وخلاصتها، أو بالأحرى في واحدة من أفكارها الدالة والقوية، "أن الأنظمة العربية لم تطبق أي نظرية اقتصادية لا اشتراكية ولا رأسمالية، والنظرية الوحيدة التي طبقتها هي "الفساد". 

واللافت أن الثورات العربية، وأشكال الحراك العربي بصفة عامة، كانت بـ"هوية اجتماعية" وليس "سياسية". وقد صوتت الجماهير، في بلدان ما بعد الثورات والحراك، على "الأحزاب الدينية" بدافع من هذه "الهوية الاجتماعية المسحوقة". وقد حصل ذلك في قطاع غزة، من قبل، وحين تمّ التصويت، وتحت مراقبة دولية، على "حماس"... ولاعتبار الملف الاجتماعي الضاغط وانتقاما من السلطة الفلسطينية الفاسدة. فلم تكن "إسرائيل" بمفردها، أو "طريقة الرد" عليها، ما أفضى إلى الاستقرار على "حماس". 

وفي المغرب تم الإقدام على "إصلاحات سياسية استباقية"، وطبعا تحت ضغط حراك اجتماعي قادته "حركة 20 فبراير". وكانت "حصيلة العدالة والتنمية" (25 نونبر 2011)، على مستوى التسيير الحكومي، التي سرعان ما انقلبت إلى "وصفة العدالة والتنمية" (10 أكتوبر 2013) كـ"حل" للحكومة في نسختها الثانية. وقد تأكد، ومن "المائة يوم الأولى" كما ينعتها المراقبون السياسيون، أن حزب العدالة والتنمية، وباعتباره "عاملا سياسيا"، "عاجز" على مستوى التسيير الحكومي. والعجز ليس على المستوى الاجتماعي فقط، وإنما حتى على المستوى السياسي أيضا. وهذا مع أن الحكومة رفعت شعارات سياسية تأكد انها تفوق "حجمها الطبيعي". وهذا بالإضافة إلى "الجانب الشخصي" في رئيس الحكومة، وهو جانب مجانب لـ"الصواب السياسي". هذا وإن كان من الضروري التأكيد على أن "خصومه" هم دائما، وفي جميع المواقف، من "أهل السياسة".

والحصيلة، التي يلمسها المواطن المغربي البسيط قبل المراقب السياسي، وفي مدينته أو قريته ابتداءًا، "استمراية الأبد المغربي". والأخطر، وعلى مستوى "أداء سياسيينا الأجلاء"، هو "السَبـُعية السياسية"، التي صارت وكأنها المرادف الأوحد لـ"الإنتاجية السياسية". والأفظع، كما يتّوجب القول، بـ"نتائجها السياسية" المباشرة النافرة والزاعقة... حيث حيتان النهب والفساد المبحرة، بحرية، في الثروة كما في السلطة.

لا ينبغي أن نقسو على "حزب العدالة والتنمية"، كما أنه لما ينبغي أن يقسو بدوره على المغاربة. والحال المغربية ليست هي حال تماسيح الفساد، وإنما هي حال الحيتان الأخيرة. ولذلك فـ"المطلوب" هو الاشتغال على السياق السياسي ــ الاجتماعي الذي يضمن لهذه الحيتان استمرايتها وانغراسها. ومن هذه الناحية يظل "المدخل السياسي" هو الأقرب والأساس. والمدخل، داخل هذا المدخل، أو مدخل المداخل، ومعذرة على هذا التداخل اللغوي المقصود، هو "مدخل الإصلاح السياسي التدرّجي" لا "الإصلاح الجذري". وبدون الانخراط في هذا الإصلاح، وتعميق النقاش العام والمسؤول حوله، سنكون خارج حتى "الديماغوجيا" التي تشترط قدرا من التلاعب والتضليل بالأفكار والتي ــ وهذا هو الأهم أيضا ــ ولـّى عهدها غير المؤسوف عليه.