عندما يزور الملك مدينة فاس شهر نونبر من السنة الماضية، ولا يظهر أثر لعمدة المدينة والأمين العام لحزب "الإستقلال" حميد شباط، ضمن الوفد المستقبل للملك أو المرافق له، خلال جولاته داخل شوارع المدينة، فمعنى هذا، في إشارات  النسق السياسي المغربي: "وداعا شباط"!!

تصوروا عمدة مدينة، بل والأهم أمين عام حزب "الإستقلال" وما أدراك ما حزب "الإستقلال" في المعادلة السياسية المغربية، لا يُسمح له باستقبال الملك ولا بمرافقته خلال جولاته بشوارع المدينة، بالمقابل، فإن شخصا آخر، بالكاد ترأس مؤخرا جهة "تطوان طنجة الحسيمة، ولا يرأس حزبا، "يحظى" بالصلاة إلى جانب الملك، بل و ليس بينه وبين الملك في الصلاة على صف واحد سوى شخصين فقط، هما الوالي محمد اليعقوبي ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية !

"الإستقلال"، تاريخيا، هو حزب القصر، أعاد الملك محمد الخامس إلى المغاربة، وتَبَّث إلى جانب الحسن الثاني نظام الحكم في البلاد، وفي أقوى المنعطفات التاريخية التي مر منها النظام كان حزب "الإستقلال" أداته وحليفه الأول وسنده القوي، بل إن جميع الأمناء العامين للحزب "انتخبوا" بمباركة القصر. وحين فكر "الإستقلاليون" في وضع امحمد الدويري على رأس الحزب هددهم الحسن الثاني بالقول "إذا اخترتم الدويري فلا تدخلوا قصري"، وبالتالي أي كلام عن تمرد قيادة حزب "الإستقلال" عن إرادة القصر أو معاكستها لرغباته السياسية، مجرد ضحك على الذقون وكلام هواة في السياسة.

شباط جِيء به إلى الأمانة العامة لحزب "الإستقلال" لتنفيذ مهمتين، واحدة أساسية وأخرى ثانوية، المهمة الأولى هي مواجهة/ مزاحمة "شعبوية"بنكيران بما يتوفر عليه شباط من "شعبوية" أيضا، وكل ذلك بغاية الحد من شعبية "البجيدي"، التي تنامت بقوة بعد انتخابات 25 نونبر، بفضل الدعاية الإعلامية الكبيرة التي سهر المخزن بنفسه في تلك اللحظة على توفيرها له، بغاية إلهاء الشارع عن التفكير في الحكم عبر التفكير فقط في بنكيران، فيما المهمة الثانية تتلخص في خلق نوع من "الفرجة السياسية" قصد تمويه شعب أُرِيدَ له أن ينسى الحكم وتفاصيل السلطة في لحظة سياسية إقليمية دقيقة كانت الشعوب العربية مشدودة فيها إلى الحكم وتفاصيل السلطة.

شباط حظه عاثر  نجح في المهمة الثانوية، ولكنه فشل في مهمته الرئيسية، بعد أن تغلغل "البجيدي"أكثر وسط الشعب، ليس بفضل القرارات الكارثية للحكومة ضد المغاربة، بل بفضل "ترهات شباط" ومبادراته الحمقاء، التي ظل بنكيران "يتغذى"  بها في مراكمة المزيد من الشعبية، وسهل على زعيم البيجيدي إفهام رعاياه أن شباط هو النموذح المصغر للتماسيح والعفاريت التي تتربص لإسقاط الإسلاميين

شباط "ذبح" نفسه بنفسه حين اختار الأسلوب السطحي في مواجهة بنكيران، عبر السب والشتم والإتهامات الرخيصة حول انتماء بنكيران لـ"داعش والنصرة"، وعبر إخراج الحمير للتظاهر في شوارع العاصمة الرباط، وهذيانه حول تعرض التشيك للفيضانات بسبب زيارة بنكيران لها، قبل أن يخرج عن "النص المخزني" بمطالبته برفع الحصار عن "العدل والإحسان" والتضامن مع "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" حين كانت في مواجهة "قصف" "الداخلية.

هذا الأسلوب السطحي في المعارضة، لم يراكم من خلاله شباط سوى سخرية الشعب منه، فيما بنكيران يواصل بناء حزبه والتغلغل داخل المساجد وطبقات المجتمع بما فيها الطبقة البرجوازية، التي ارتاحت لخطاباته وإجراءاته السياسية.

وجود شباط على رأس حزب "الإستقلال" بما راكمه من "خيبات" و"ترهات" أصبح يسيء للقصر ويزعجه، خاصة بعد أن "قج" شباط برلمانيا داخل مؤسسة دستورية شهر نونبر من سنة 2014، دقائق بعد مغادرة الملك للبرلمان، اي قبل شهر تقريبا من زيارة الملك لفاس، وهي الزيارة التي لم يظهر أثر فيها لعمدة المدينة والأمين العام لحزب "الإستقلال" ضمن الوفد المستقبل للملك أو المرافق له ضمن جولاته داخل شوارع المدينة.

لقد اقتنع المخزن أن استمرار شباط على رأس "الإستقلال" وبنفس الأسلوب السطحي في مواجهة الحكومة  يُغطي عن ضعف أداء بنكيران الحكومي أمام الشعب، الذي لا يجد أمامه سوى "اللهم بنكيران ولا شباط"، لهذا بالنسبة للمخزن، يحتاج بنكيران لـ"لتعرية" حتى تظهر عيوبه أمام الشعب، وتنفذ شعبيته.

وحين يفشل أمين عام حزب "الإستقلال" بالحفاظ على رئاسة المجلس الجماعي لفاس، فمعناه بداية الترتيب لإسقاطه من الأمانة العامة للحزب. طبعا شباط أدرك المخطط، لهذا جاء حديثه عن "المساندة النقدية" للحكومة والتصويت على الأزمي، وهو سلوك يعبر عن شعوره بتعرضه لعملية "غدر" من طرف "المخزن". هذا التحول في خطاب شباط أربك "الدولة العميقة"، فكان طبيعيا أن يحاول حصاد نزع الشرعية على قراراته المقبلة، بإظهاره أمام الرأي العام بأنه مجرد "مبتز" فشل في الوصول إلى رئاسة جهة فاس واليوم يريد الإنتقام.

شباط مدان يوم هاجم  المهدي بنبركة و20 فبراير وتآمر على الحكومة، لكن الذي يدين أكثر حصاد اليوم هو كيف يصمت لحد الساعة عما نُسب إليه رغم خطورته الشديدة؟ و كيف له، وهو وزير سياسي أن يتحدث بتلك الطريقة عن أمين عام حزب سياسي داخل مجلس حكومي؟  ثم لماذا انتظر حصاد إلى أن أعلنت قيادات حزب حزب "الإستقلال" عن تغيير خطها السياسي صوب المساندة النقدية للحكومة ليكشف عن "ابتزاز" شباط للدولة ؟ هل يجهل حصاد أن "الإبتزاز" جنحة يعاقب عليها القانون، فلماذا لم يلجأ للنيابة العامة في مواجهة شباط، بدل اللجوء إلى تسريب الخبر للصحافة؟