لاغرو أن محطة الانتخابات التشريعية المقبلة تشكل حدثا هاما ومفصليا ليس فقط للفاعلين السياسيين بمختلف مواقعهم و تأثيرهم ، و إنما أيضا لفئات واسعة من المجتمع المغربي ارتبط مستقبلها بهذه الحكومة، من قبيل المعطلين حاملي الشهادات ، الموظفين و الأجراء ....إلخ ، بحيث سترهن نتائجها مستقبل البلاد و العباد السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي للسنوات الخمس المقبلة .
نؤمن أن جذور العطب السياسي بالمغرب كما خلص إليها الدكتور عبد الرحيم العطري تكمن في طبيعة النسق و اختلالاته بكل ما يحيل عليه و يكتنزه من أنماط استغلال و قواعد سلوك و ذلك في مختلف أبنيته و مؤسساته و أشكاله التي يظهر بها كنسق شمولي ، فاذا كان المخاض السياسي الذي اجتازته البلاد بعد مخاض الحراك الشعبي سنة 2011 قد أفرز وصول قوى الإسلام السياسي ممثلا في حزب العدالة و التنمية إلى قيادة الحكومة الحالية في تحالف هجين و غير منسجم على مستوى المرجعيات بين الاحزاب التي شكلت الاتلافين اللذان قادا الحكومة الحالية ، فإنه أفرز أيضا حالة سياسية جديدة تجمع جل الكتابات و الدراسات أنها تتسم بالرداءة و الإفلاس على مستوى الشكل و المضمون ، و إدخل الحياة السياسة في حالة من الموت السريري، و هو ما كرس قناعة غالبية المغاربة باستشراء الفساد بمختلف مظاهره و صوره ، خاصة مع توالي الفضائح الحكومية " الكراطة و الشكلاطة ، صفقة أزبال إيطاليا ، ....." ، و عدم قدرتها على الانسجام و التناغم مع فكر و متطلبات المجتمع و الوطن و الذي جسدته المطالب الأساسية لدينامية 20 فبراير ، و بات جليا للرأي العام أن الاستحقاقات الانتخابية هي معارك و أحيانا حروب من أجل حماية المصالح الشخصية و الوصول إلى المناصب ، تغيب فيها إلى درجة كبيرة المصلحة العامة و تستعمل فيها كل الوسائل الشرعية أو تلك التي يجرمها القانون .
و لعل أخر فصول هذا العبث و الإفلاس السياسي ما نشهده هذه الأيام مع قرب لحظة وضع الترشيحات حيث شد حزب العدالة و التنمية إليه الانظار بفعل جملة من القرارات و الأخبار التي راجت حوله و التي تؤكد أنه مستعد لفعل أي شيء للعودة إلى السلطة ولو كان ذلك متعارضا مع " مبادئه و خطه السياسي " ــ ليتأكد ما ذهب إليه فولتير عندما قال " اذا اردت ان تعرف حقيقة الانسان امنحه السلطة و المال " ــ من بينها محاولة الاستعانة ببعض رموز التيار السلفي " كالشيخ " القباج و الاستنجاد بشخصيات لها وزنها في الصف الديمقراطي و الحركات الاحتجاجية كالدكتور عبد العزيز النويضي و نجيب شوقي ...إلخ في محاولة لاستعادة وهم الطهارة السياسية ، و تبقى اخر فصول هذه المهازل السياسية هو تزكية حزب العدالة و التنمية للدكتور نجيب الوزاني رئيس حزب العهد الديمقراطي على رأس لائحة الحزب بدائرة الحسيمة في سابقة خطيرة بالحياة السياسية المغربية .
و عند وضعنا لقرار الحزب مثلا ترشيح " الشيخ " القباج بمدينة مراكش و هو المعروف بافكاره المتطرفة و خطابه المتشدد على مشرحة البحث و التحليل سنجد أنفسنا أمام جملة من التساؤلات لعل أهمها : ما هي الرسالة التي يريد حزب العدالة و التنمية بعثها من وراء تزكية هذا " الشيخ " ؟ و في محاولتنا الإجابة عن هذا التساؤل وجب أولا التنديد و شجب مسألة الاستغلال الفج لإعاقته في الدعاية الانتخابية سواء من حيث الصور أو الخطابات و التعليقات ، أما عن دلالات هذه التزكية فهي تدخل في اعتقدنا في باب الابتزاز السياسي الذي ما فتئ هذا الحزب يقوم به من خلال التلويح بقدرته على ترويض التيار السلفي ، و أيضا البحث عن " بكارة جديدة " لتجديد عذريته و لتأكيد طهارته ، لكن الأكيد أن هذا الترشيح يؤكد التناغم و التطابق في رؤى و المواقف بين هذا الحزب و بين التيار السلفي عموما ــ نعتبره زواج كاثوليكي ــ كما يعمق القول السائد بوجود حالة من " الشكيزوفرينيا "/ "التقية " في الخطاب بين خطاب موجه للعالم الخارجي و اخر للاستهلاك الداخلي موجه للأتباع و المريدين و يزكي مخاوفنا و قلقنا ان هذه "الرؤية " السياسية تشكل خطرا على المغاربة و على الديمقراطية و الحريات ، وهي القناعة التي يؤكدها بعض من انتسبوا لهذه التجارب ــ شهد شاهد من اهلهم ـــ كالاستاذ عمر العمري صاحب رواية " كنت اسلاميا ...عندما يتماهى الخيال مع الواقع " و لحسن كرام مؤلف كتاب " الذئاب الملتحية ... الخديعة الكبرى " .
اما بخصوص مسالة تزكية الحزب للدكتور نجيب الوزاني فهي من دون شك فضيحة سياسية و مؤشر حقيقي على العبث الذي غاص فيه النسق السياسي المغربي مؤخرا، وأيضا تجسيد عملي لميكيافيلية مقيتة " الغاية تبرر الوسيلة " ، و الارتباك الممزوج بالخجل الذي خيم على الاعلان عن هذه الفضيحة يؤكد ايضا ما ذهبنا اليه في ان هذا الحزب و قياداته مستعدة للتحالف مع الشيطان من اجل البقاء في السلطة و الحفاظ على مصالحه ، فبغض النظر عن الجدل القانوني و السياسي الذي رافق هذا الخبر و الذي يفرض حسب قانون الاحزاب و القانون التنظيمي لمجلس النواب إما بتقديم الوزاني لاستقالته من حزبه ــ و هو ما نرجحه ــ أو اعلان تحالف بين الحزبين حزب العهد و حزب البجيدي ــ و هو ما نستبعده لاعتبارات تنظيمية وتقنيةــ ، فإن الاشكال الحقيقي الذي تطرحه هذه النازلة هي مصداقية الاحزاب السياسية في علاقتها مع المنخرطين و الحلقات التنظيمية ــ إن وجدت ــ من جهة و ايماننا كمغاربة بالعملية الانتخابية كالية لإرساء مغرب الديمقراطية و العدالة الاجتماعية من جهة ثانية ، فكيف يعقل لرئيس حزب لم يمر على اعلانه عن تحالف سياسي جديد اختير له اسم " رافضون " أقل من شهر و الذي يضم حزب العهد الديمقراطي الذي يترأسه و الحزب المغربي اللبرالي و حزب التجديد و الانصاف ، و بعد أن منح التزكيات للترشح باسم حزبه يقرر بين ليلة و ضحاها الترشح باسم اخر ، هي ممارسات بكل بساطة تؤكد انتهازية النخب السياسية و احتضار الاحزاب السياسية .
ختاما ، نؤكد أننا مجبرون جميعا كمغاربة باختلاف مواقعنا و مواقفنا على صياغة مرحلة جديدة عنوانها العريض انقاذ البلاد من احتباس سياسي عقيم و استرجاع الامل في مغرب يتسع لجميع ابناءه و يضمن لهم الكرامة و الحرية و العدالة الاجتماعية .

*باحث متخصص في التاريخ السياسي