مراد مختاري

تولى حزب العدالة والتنمية (قيادة) الحكومة المغربية عشية انطلاق حركة 20 فبراير بالمغرب، مرت منذ ذلك الحين إلى اليوم ثلاثة سنوات ونيف، طرأت فيها تحولات مهمة وجوهرية خاصة في المشهد السياسي، سواء في مستواه المتعلق بالنظام السياسي "المخزن" المحجوب بجدار الدولة والمؤسسات، أو في المستوى المتعلق بالحكومة والمعارضة البرلمانية، أو بالنسبة للفاعلين السياسيين خارج المؤسسات الرسمية.
في هذا الإطار تباينت المواقف من العدالة والتنمية كحزب (قائد) للحكومة، بين المعارضة البرلمانية التي اعتبرته لا يمارس السلطة كاملة لكونه لم يرقى إلى مستوى المسؤولية الحكومية وما يتطلبه ذلك من قدرة على تفعيل الدستور والانسجام مع الإرادة والتوجيهات الملكية، والمعارضة من خارج المؤسسات التي اعتبرته كذلك لا يحكم لكونه فاقدا للصلاحيات أصلا ولا سلطة له شأنه شأن من سبقه.
لكن ومن خلال المتابعة الدقيقة لسيرورة العمليات التي حظيت بالأولوية لدى حزب العدالة والتنمية من داخل الحكومة ومجموع المواقف المعبر عنها في الحالات التصارعية التي اجتاز منها، يتبين أن عمل حزب العدالة والتنمية يتجاوز كلى التحليلين السالفين، ويرقى بنفسه إلى مستوى حالة حزبية وسياسية جديدة وفريدة ليست كسابقاتها، ويتعلق الأمر هنا بأول حزب مغربي سيفرض نفسه شريكا ومندمجا في الحكم مع النظام السياسي.
أولويات حزب العدالة والتنمية على رأس الحكومة.
يوجه حزب العدالة والتنمية وهو على رأس الحكومة سياسات إرضائية [*] إلى قوى اجتماعية ودولتية بعينها، قاصدا من وراء ذلك توسيع قاعدة مؤيديه أو الراضين عنه إذا صح التعبير، وتتميز هذه القوى التي يتوجه إليها بسياساته الإرضائية بكونها مختلفة اجتماعيا بشكل جوهري، لكنها تشكل رهانا أساسيا ومركزيا لدى الحزب من أجل ضمان استمراره في السلطة وتقوية موقعه.
فكانت فئة المقاولين الكبار هي الأولى التي حظيت بسياسات الإرضاء من طرف حزب العدالة والتنمية، وذلك ما ظهر من خلال التطمينات التي وجهها إليهم في الأسبوع الأول الموالي لإعلان نتائج الانتخابات التشريعية التي أعلن فيها كحزب (أغلبي)، والحفاظ على الوزير أخنوش كثابت على رأس قطاعي الفلاحة والصيد البحري وهو مؤشر على أن لا أحد من الحزب ولا الحكومة يريد المساس بالمصالح المكتسبة لمقاولين سياديين في هذه القطاعات، وتلى ذلك عدد من الإجراءات بغرض توسيع هامش الاستثمارات الخاصة لفائدة المقاولين، ومنها تلك المتعلقة بالتعليم عن طريق امتيازات الشراكة، والصفقات العمومية التي أطلقها الرباح بالنسبة للأشغال العمومية موانئ وطرقات وغيرها، ناهيك على التصريح الأخير الذي أدلى به رئيس الحكومة في شأن ما راج حول أن الحكومة سترفع الدعم عن مواد أساسية، والذي برر فيه إقدامها على ذلك في المستقبل القريب بدافع أن 60 في المئة من المستفيدين هم مقاولون كبار، مستدركا في حينه بأنه لا يعادي هذه الفئة ولا يصارعها، بما مفاده أن التعديل سيخضع لما يستجيب لمصالحهم.
الفئة الأساسية الثانية التي تحظى بسياسات إرضائية من طرف حزب العدالة والتنمية، هي الفئات الهشة التي يسميها الحزب ب(الفقراء)، وذلك ما يظهر من خلال الرشوة المقننة التي عمد الحزب إلى بلورتها كمشروع سياسي وبديل (تنموي)، من خلال تخصيص دعم نقدي لفائدة النساء الأرامل كخطوة أولى، يليها دعم مشابه لفائدة النساء في (وضعيات هشة)، وفق الاقتراح الجدي الذي تقدم به وزير العدل والحريات مؤخرا، والذي أعلن على كون وزارته بصدد إعداد مشروع للمناقشة في هذا الصدد. هذا علاوة على مشروع التعويضات المالية المباشرة التي صرح رئيس الحكومة بأنها ستقدم بشكل مباشر لملايين من المغاربة (الفقراء) مقابل تخلصه النهائي والكلي من صندوق المقاصة، وقد صرح في شأنه بأن الحكومة ستباشر هذه العملية في الوقت الذي ستحدد فيه طريقة صرف ذلك الدعم وأنه سيعلنه ويفسر طريقة صرفه للمغاربة (الفقراء) بصفة شخصية عبر القنوات التلفزية الرسمية [1].
الفئة الثالثة التي تحظى بالإرضاء إلى حدود اليوم من طرف حزب العدالة والتنمية هي الملك ومحيطه، حيث اختار الحزب سياسة غير تلك التي كان سينهجها عبد الرحمان اليوسفي[2]، وذلك بمهادنته للمصالح الملكية في السلطة والاقتصاد أساسا، والحرص على عدم إثارة أي ملف قد يجعل هذه الجهة معنية بالصراع، وهذا ما يظهر خاصة في استنكاف الحكومة ورئيسها ووزراء العدالة والتنمية عن التدخل باختصاصاتهم الدستورية والقانونية في الصراع الدائر بين وزارة الداخلية التابعة للمؤسسة الملكية والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وأيضا عدم تدخلهم برأي مستقل في قضية الحموشي رئيس الاستخبارات المغربي، وابتعادهم المقصود عن التدخل في الشؤون الخارجية وفي مقدمتها قضية الصحراء الغربية، وارتباكهم المهين في فضيحة العفو الملكي على المجرم الإسباني كالفان، وغيرها من القضايا.
الحزب بصدد بناء توازن هيمني يضمن له الاستمرار في السلطة كشريك مندمج [3].
حزب العدالة والتنمية يرى في تصوره أن الرضى الذي سيحظى به من طرف القوى الثلاثة السالفة الذكر وذات التأثير الكبير في المجتمع والدولة، يؤهله لبناء توازن هيمني لفائدة استمراره في السلطة كشريك مندمج للمخزن، دون أن يستطيع أحد من القوى النافذة في الدولة أو القوى السياسية ـ المنافسة له في التقرب للمخزن ـ من زحزحته، وإن راهنوا في ذلك على تعبئة الفئات الوسطى المصنفة تقليديا.
تكمن قوة القوى الثلاثة التي يتوجه إليها الحزب بسياساته الإرضائية في: بالنسبة للمقاولين في ضمانهم لحركية الاقتصاد مقابل حفظ الحزب لمصالحهم، وبالنسبة للفئات الهشة في عددها الهائل الذي يضمن الحشد الشعبي والقاعدة الانتخابية الضامنة بدورها (للأغلبية) كمقابل لإرضائها بدعم مالي يسلم للأفراد والأسر مباشرة، وبالنسبة للملكية فهي الضامن الأكبر للتوازن لفائدة الحزب على رأس الحكومة في حالة ما إذا استمر الحزب في تقديم نفسه بصفة الخادم الوفي للملكية ومصالحها في الاقتصاد أساسا وفي السلطة، وإراحة بالها من حيث (الاستقرار).
وفي هذا الإطار يعتبر النهج الإرضائي الذي يمضي فيه حزب العدالة والتنمية اتجاه القوى الاجتماعية والدولتية الثلاثة المحددة آنفا، هو رهانه الذي يسمح له ببناء ميزان قوة في المجتمع، ويؤهله في المستقبل إلى مستويات أرقى من الهيمنة داخل مختلف المؤسسات، ويعزز موقعه التفاوضي تجاه القوى النافذة في الدولة، وهذا هو مركز استراتيجيته فيما يسميه ب "خيار الإصلاح" الذي يعبر على رفضه المطلق لأي تراجع عنه أو تهديد له.
ويشكل تسرب الحزب للمؤسسات [4] لحظة مفصلية في نجاح استراتيجيته وربح رهان التوازن الهيمني الذي سيفضي في تقديره إلى تحقيق موقع الحزب المندمج المشارك، لكن تحقيق التسرب يجعل الحزب أمام تحدي الزمن وهو رهان أساسي لديه يسعى إلى ربحه من خلال الاستمرار في خيار مهادنة النافذين، وصد أهوال الهجومات التي تعبأ فيها المعارضتين البرلمانية والشعبية بالأساس مختلف شرائح الفئات الوسطى، وتسريع مهمة تنفيذ ما أمكن من برنامج الحزب.
وتجدر الإشارة إلى أن مسألة التسرب للمؤسسات وكسب رهان إرضاء قوى بعينها ليست حكرا على حزب العدالة والتنمية بالمغرب، بقدر ما تشكل فهما مشتركا لدى كافة تجارب الإسلام السياسي ذات الارتباط بتنظيم الإخوان المسلمين، تم استلهامها من تجربة حزب العدالة والتنمية التركي الذي تمكن بفضل تسربه للمؤسسات ونهج سياسات تنموية وأخرى إرضائية شبيهة في الجوهر بنظيراتها الحاصلة في المغرب بفرض سلطته واستمراره كأمر واقع ما عدا محاولاته لاختراق العسكر التي بائت بالفشل وإن تم إرضائه هو الآخر وإخضاعه للتوازن الهيمني، وهذا الخيار نفسه يمكن تلمسه أيضا بناء على معطيات في المشهد السياسي الإقليمي، تقدمها تجارب الإخوان في مصر وحالة حركة النهضة في تونس، اللتين لم تفلحا في تحقيق غايتهما في التسرب للمؤسسات، الأولى فشلت بانقلاب العسكر والثانية بمعارضة الشارع بقيادة الجبهة الشعبية.
حزب العدالة والتنمية لا يراهن على الفئات الوسطى التقليدية.
يمكن تفسير السبب الذي جعل الحزب لم يعتني وهو على رأس الحكومة بالفئات الوسطى التقليدية (موظفين وأساتذة وطلبة ومعطلين...) في كونه لا يراهن عليها في ضمان استمراره، حيث يرى فيهم قوة منقسمة ومعبئة أصلا لصالح أحزاب واتجاهات فكرية وسياسية معينة ومختلفة، كما يصعب التأثير فيها بسياسات إرضائية كتلك الموجهة للقوى الثلاثة السالفة الذكر.
فإذا كان إرضاء المقاولين والملكية لا يحتاج إلا لغض الطرف عنهم لكي يحققوا ما يبتغون من استثمارات وأرباح ونفوذ، وإرضاء الفئات الهشة يتم بالتحايل عليها عن طريق استغلال صعوبة ظروفها وتدني مستوى معارفها الناتجين عن توالي سياسات التفقير والتجهيل المخزني، فإن الفئات الوسطى التقليدية تحتاج من أجل إرضائها إلى استثمارات عمومية وسياسات اجتماعية وتنمية حقيقية وضمان قانوني وقضائي للحقوق والحريات، وهذا بالطبع يحتاج إلى حكومة لها سلطة كاملة ولها برنامج وإرادة وقدرة على الإقناع والتعبئة.
كما أن حزب العدالة والتنمية في علاقته مع هذه الفئات يعتبر نفسه قد حصل سلفا على نصيبه (وهو وافر) من عضوية الفئات الوسطى في صفوفه، حيث يحظى اليوم بامتداد مهم وسط الطلبة عن طريق منظمة التجديد الطلابي الشبه جماهيرية والتي (تؤطر) ألاف الطلاب والطالبات، كما له نقابة تابعة له وتوجه مهم وسط أساتذة التعليم العالي وكذا فآت المهن الحرة من محاميين وأطباء وغيرها، ناهيك على الجناح الدعوي "التوحيد والإصلاح" الذي يخترق بشكل واسع صفوف هذه الفئات وغيرها.
لذلك فالحزب قرر أن يكتفي بما جادت به عليه الفئات الوسطى إلى هذا الحد، وأن ينأ بنفسه عن صعوبات استمالتها في هذه الفترة أساسا، واختار اختصار الطريق بالتوجه رأسا إلى القوى الثلاثة المراهن عليها، نظرا لسهولة إرضائها الذي يتحقق بمجرد التفريط في المصالح الشعبية والكرامة الوطنية.
هذا الفهم لإدارة الصراع لدى الحزب يفسر العديد من الوضعيات، لعل أبرزها:
ـ تمادي حزب العدالة والتنمية في نهج سياسات عدائية لغير فائدة الفئات الوسطى، دون أن يكترث ببيانات ومقالات المعارضة البرلمانية والشعبية في هذا الجانب، لأنها (الفئات الوسطى) في اعتباره غير مؤثرة، ولا تحظى في تقديره وحساباته لا بالأغلبية المجتمعية التي قد تؤثر على نتائج الصناديق ولا بالهيمنة على المؤسسات التي قد تحول دون تسرب الحزب إليها.
ـ عدم استقالة حزب العدالة والتنمية من الحكومة في الوضعيات التصارعية الشديدة التي عاشها منذ توليه (رئاسة الحكومة)، وخاصتا منها الوضعية المصاحبة لاستقالة حزب الاستقلال، حيث أجرى الحزب حسابات عقلانية لأحجام الربح والخسارة وفق معايير خاصة بالحزب وعقيدته [5]، وهي بالطبع مختلفة عن معايير من كان ينتظر الاستقالة على الطريقة اليوسفية، وخلص فيها الحزب إلى انه قادر على تنفيذ جزأ من برنامجه [6] الذي يتغيى التسرب للمؤسسات عن طريق إرضاء القوى الثلاثة.
ـ حجم الهجوم المتوتر الذي يشنه منافسو العدالة والتنمية ـ في إرضاء المخزن ـ بعد أن تكشف لديهم بأن هذا الأخير تقاطعت مصالحه مع مصلحة العدالة والتنمية في الاستمرار على رأس الحكومة كحزب (أغلبي)، وبعد أن عبر على ولاء صادق لإمارة المؤمنين، ونجاحه في خلق ديناميكية سياسية موازية ومنافسة لديناميكية الشارع التي أطلقتها حركة 20 فبراير وذلك بتموقعه ك(نقيض إيديولوجي) لمنافسيه من حداثيي المخزن هؤلاء، وشجاعة الحزب في تقويض عدد من المكتسبات الاجتماعية كالمقاصة والتقاعد، وتهديده مؤخرا عن طريق وزارة العدل والحريات بمراقبة النيابة العامة لهواتف المرشحين ومسؤولي الأحزاب في الانتخابات، وهذه كلها بالطبع أجواء تعطي نفسا جديدا لمقولة الخصوصية المغربية على إيقاع الدستور الجديد، وتهدد بدورها استقرار كتائب الأحزاب المخزنية.
دلالات التوازن الهيمني للحزب وتسربه للمؤسسات.
يعتبر التوازن الهيمني لحزب العدالة والتنمية وتسربه للمؤسسات، نقلة نوعية في مسار تحول العملية السياسية عموما والمشهد الحزبي على وجه الخصوص في المغرب، كيف ذلك؟
بالنسبة للعملية السياسية، ووفقا لمقولة أن "المخزن هو المتحكم في العملية السياسية" [7]، سيؤدي التوازن الهيمني للحزب وتسربه للمؤسسات إلى تعميق عملية استدماجه كوحدة دخيلة في منظومة المخزن، وهذا سيكون له لا محالة تأثيرات على المخزن خاصة، بفضل دعم الحزب وفرض موقعه من قبل القوى التي سعى إلى إرضائها واستمالتها، وبفعل المنظومة الأخلاقية التي تحكم الحزب وتشكل عنصر تماسكه ويصعب عليه بذلك التخلي عنها بسهولة لفائدة مسلكيات الرشوة والمحسوبية والزبونية التي تطبع وتورط ممارسات باقي الأحزاب المخزنية المندمجة سابقا، وهو الأمر الذي سيؤثر لا محالة على وضعيات ومصالح كتلة معينة مستفيدة من العلاقات المخزنية ويقودها للتصارع [8].
أما بالنسبة للمشهد الحزبي فسيكون فيه بفرض الحزب لنفسه على المخزن عبر اندماجه، تأثير سلبي على موقع وعلاقة باقي النسيج الحزبي المخزني مع المخزن ذاته، حيث تصبح احتمالات التخلي عن الأحزاب المنافسة للعدالة والتنمية ـ في خدمة المخزن ـ وعن أدوارها وخدماتها جد واردة، مما سيؤدي إلى إضعافها أو اندثار بعضها أو حالات اندماج في المستقبل [9]، كون الأدوار التي كانت ولا زالت تلعبها هذه الأحزاب بمقابل ما تحصل عليه من فتات لم تعد تجدي نفعا أمام حجم الخدمات التي يقدمها حزب العدالة والتنمية وحجم الاستقرار الذي يضمنه لمصالح الملكية ومحيطها وأيضا حجم الابتزاز الذي سيخلقه الحزب كوضع جديد لمن يسعى إلى التخلص منه على الطريقة المخزنية المعهودة.

هوامش:
[*] "السياسات الإرضائية" هي تسمية اعتمدتها في وصف الإجراءات التي يقوم بها الحزب وهو على رأس الحكومة، كمقابل لما تطلق عليه عدد من النخب اصطلاح "السياسات التنموية أو العمومية أو الاجتماعية أو حتى اللبرالية"، وهي في الجوهر بعيدة كل البعد على التعريفات العلمية لكل منها، وبذلك تبقى أقرب إلى توصيفها بأنها سياسات إرضائية لكونها محكومة بهاجس الإرضاء لا غير.
[1] يشكل إقدام (رئيس الحكومة) عبد الإله بنكيران على ترسيم هذا الدعم الموجه للملايين من (الفقراء) وإرفاقه بتواصل مباشر معهم عبر القنوات الرسمية، انتصارا هائلا لصالح حزبه في استمالة جزأ مهم من القاعدة الشعبية التي ستتوصل بهذا الدعم، ومادة للدعاية في يد الحزب أثناء الانتخابات، وحجة لفائدته ضد كل الأحزاب المغربية دون استثناء، وعنصر منافسة حتى بالنسبة للملك إذا ما وضعنا "القفة" الملكية و"مانضة" بنكيران في مقارنة، حيث سيتشكل حزب العدالة والتنمية في المخيلة الجمعية لفئات عريضة من الشعب كأول حزب مغربي يقوم بتوزيع النقود "لفلوس" على المغاربة، خاصة وأن ذلك تتم موازاته بخطاب شعبوي وأخلاقي وتستثمر فيه منظومة الفقر والجهل كمنافذ لتصريف مثل هذا الخطاب وتحقيقه لنتائج إيجابية مهمة لفائدة الحزب.
[2] "سياسة عبد الرحمان اليوسفي" تميزت بالحد الأدنى من الصدامية مع المخزن المتنفذ رغم ما يسجل على مقاربته التوافقية في ذلك، وذلك بهاجس تنفيذ برنامج الحكومة في حدود دنيا متقدمة تؤهل المغرب إلى توازن سياسي بين مصالح عامة الشعب ومصالح المخزن وواجهته الملكية، وهي السياسة التي أدت به في الأخير إلى تقديم استقالته، بعد أن فشل في مجاراة إيقاع المخزن، وبالطبع هذا مخالف جدا لخيار العدالة والتنمية المتمثل في المهادنة التامة للمخزن والبحث عن منافذ أخرى لتسريب برنامجه الحزبي.
[3] "شريك مندمج" هي صيغة تعكس العنصر الجديد الذي يأتي به حزب العدالة والتنمية على مستوى المشهد الحزبي والسياسي، فعلى عكس الأحزاب السابقة التي اكتفت بالاندماج في المخزن والخضوع الكلي لقواعده واستفادتها بالمقابل من منظومة الرشوة والزبونية والمحسوبية والريع وغيرها، يعمل حزب العدالة والتنمية على أن يكون اندماجه مشروط بمشاركته في الحكم، وذلك من خلال التغيرات التي يفرضها على جسم وسلوك المخزن في مسار استكمال اندماجه، مستعينا في ذلك بعناصر تميزه الأساسية وهي: دعمه من طرف القوى الثلاثة التي تحظى لديه بالأولوية في سياسات الإرضاء، ثم منظومته الأخلاقية التي لا يمكن تخليه عنها بسهولة باعتبارها عنصر تماسكه الداخلي.
[4] صيغة "التسرب للمؤسسات" تعبر على عمليات التعيينات والتوظيفات أو تحسين موقع بعض الشخصيات، التي يقوم بها الحزب لفائدة عدد من أطره أو مؤيديه في عدد من المؤسسات، وهي عملية يصعب قياسها في الفترة الوجيزة التي استغرقها الحزب في المسؤولية، لكن بحثا إحصائيا في هذا الصدد أو مرور بعض الوقت سيكون كفيلا بكشف حجم التسرب الحاصل.
[5] "معايير الحزب" المحددة للربح والخسارة والتي دفعته إلى نهج خيار الاستمرار في الحكومة تتركز أساسا في، المعيار الأخلاقي الذي يجعل استمرار الحزب في الحكومة دون أثر سلبي اتجاه أعضاء الحزب واتجاه إمارة المؤمنين، بل بالعكس من ذلك شكل الاستمرار عنصرا لتقوية التماسك لديه لكونه يستجيب لأخلاقيات الحزب في حفظ الأمانة مادام الحزب مستمرا في نهج "خيار الإصلاح" و "دعم الفقراء"، والمعيار الانتخابي الذي يجعل الحزب وهو مستمر في الحكومة أكثر استفادة من ناحية تصريفه لبرنامجه المستميل أكثر للفئات المراهن عليها من طرفه، على عكس تواجده خارج الحكومة الذي يفقده كل إمكانية في ذلك، ومعيار مصالح النافذين في الحزب من رجال الأعمال وذوي الاستثمارات في عدد من القطاعات ـ بما فيها التعليم الخاص ـ والذين لا يمكن لهم بأي شكل من الأشكال أن يتنازلوا عن الامتيازات التي يقدمها تواجد حزبهم على رأس الحكومة.
[6] "البرنامج" المقصود هنا هو برنامج حزب العدالة والتنمية، وفق خطوطه العريضة الواردة في القال "أولوية إرضاء القوى الثلاثة" و"التسرب للمؤسسات" و"بناء تواز هيمني"، وليس البرنامج الحكومي.
[7] "المخزن هو المتحكم في العملية السياسية" هي من أبرز الأطروحات المعتمدة لدى الفاعلين السياسيين المعارضين من خارج مؤسسات الدولة، في تحليل العملية السياسية بالمغرب، وترادفها صيغة "الحكم الفردي المطلق".
[8] مسألة التصارع بين كتل ضمن الوحدة الكلية للمخزن، هي مسألة جد واردة، في الحالة التي تتضرر فيها المصالح، لكون المخزن ليس بوحدة منسجمة بشكل مستمر بقدر ما هو نسيج من العلائق والمصالح المتبادلة بين عديد من الكتل، وقد سبق في تاريخ المخزن أن تبلورت تناقضات عميقة، أبرزها تلك التي طفت على السطح بانقلابي بداية التسعينات، كما أن التاريخ يسجل بأن عددا من الإندماجات التي استجدت على بنية المخزن مهما دنى حجمها كان لها رغم ذلك تأثير على وحدته، فينتج على ذلك الوضع إما تغييرات في تركيب المخزن مع حفظ مصالح الجميع، أو تصارع يفضي إلى إقصاءات، وهذه الثنائية مرتبطة بحجم قوة وتماسك الجسم الدخيل.
[9] يمكن أن نلاحظ اليوم مؤشرات على أن مسار تخلي المخزن على أدوار معينة لعدد من الأحزاب الخاضعة له سلفا ـ والتي لم تستطع مجاراة العدالة والتنمية ـ قد انطلق، وهذه المؤشرات ربما نلاحظها في التحولات التي تطرأ مؤخرا في مواقع النفوذ داخل تلك الأحزاب (تظهر بشكل واضح في الوضعيات المستجدة على الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال والأصالة والمعاصرة)، وفي تحولات الخطاب التي طرأت عليها وعلى النافذين فيها تجاه عدد من القضايا (الخطاب ((الراديكالي)) لإلياس العمري نموذجا ـ وكذا الانحطاط الذي يتسم به خطاب ((الأمين العام لحزب الاستقلال)))، والقضايا التي اعتمدها كل واحد من هذه الأحزاب للتعبئة ـ علما أن تعبئاتها تستهدف الفئات الوسطى التقليدية أساسا ـ الأصالة والمعاصر توجه لقضية الصحراء والاستقلال لقضية البطالة نموذجا.

مختاري مراد
الرباط في: 15/03/2015