عبد الله أفتات

مرة أخرى تأتي التقارير الدولية حول حرية الصحافة بالمغرب لتؤكد ما فتئت تشير إليه الجمعيات والمنظمات الإعلامية والحقوقية الوطنية في تقاريرها وبياناتها وبلاغاتها من كون حرية الصحافة ببلدنا في وضعية صعبة إن لم أقل صعبة على الإطلاق .

آخر تلك التقارير ما صدر يوم الثلاثاء الماضي عن منظمة "مراسلون بلا حدود" التي تتخذ من باريس مقرا لها، حيث وضع المغرب في رتبة جد متدنية 136 ضمن ترتيب يضم 180 دولة، متأخرة بشكل مقلق عن الأول عربيا (موريتانيا) 60، التي تقدمت 8 درجات في السلم الدولي لهذه السنة، والثاني (دولة الكويت) احتلت المرتبة 91، ثم (قطر) ثالتا التي استقرت في الرقم 113.

قبل ذلك بأيام صدر تقرير آخر عن منظمة "فريدم هاوس" الأمريكية المتعلق بحرية الأنترنيت خاصة على مستوى الصحافة الإلكترونية الذي تراجع المغرب بموجبه بنقطتين حيث نال 44 نقطة على 100 بعدما حصل في تقرير السنة الماضية على 42 نقطة، ليعزز بذلك التقارير والمقالات والمواقف التي تؤكد تراجع حرية الصحافة عموما بالمغرب والتي تواجه بهجوم عنيف من طرف المواقع الإلكترونية المقربة من السلطة.

قضايا ونقط سوداء كثيرة تجعل التقارير الوطنية والدولية تدق ناقوس الخطر، وسبق لرئيس الاتحاد المغربي للصحافة الإلكترونية أن قدم استقالته ـ قبل أن يتراجع عنها بعد أن رفضها المكتب التنفيذي ـ من رئاسة الاتحاد احتجاجا على الوضعية المقلقة والتراجع المهول في حرية الصحافة، والاعتداءات المتكررة على الصحفيين التي وصلت إلى مرحلة غير مقبولة (محاكمة الزميل المهدوي واقتراح حرمانه من العمل الصحفي لمدة مضحكة نموذجا)، وطالب في ذات الاستقالة بتدخل الملك باعتباره رئيس الدولة وباعتبار أيضا المساحة الكبيرة التي يمنحها له الدستور، بعد عجز الجهات الحكومية المعنية القيام بالواجب أمام "تغول" أجهزة موازية.

وتعتبر قضية اعتقال الصحافي علي أنوزلا وتوقيف موقع "لكم" بنسختيه العربية والفرنسية أبرز العناوين السوداء التي تتضمنها التقارير الوطنية والدولية، دون أن تكون هناك حتى الآن مبررات مقنعة لهذا المنع، بل إن الأجهزة الحكومية التي خرجت للدفاع عن سلوك الأجهزة الأمنية، دون أن تكون مقتنعة بذلك سرعان ما دخلت في صمت عميق بخصوص هذه القضية، بعد أن وجدت نفسها أمام دعاوي واهية وبعد أن وجدت نفسها أيضا وجها لوجه أمام الرأي العام الذي صب جم غضبه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي إشارة إلى انزعاج السلطات المغربية من الأصوات والأقلام والخطوط التحريرية المزعجة التي فتحت قضايا الاستبداد والفساد بالبلد، وهو ما جعل موقع "لكم" يحتل مكانة متميزة ضمن كبريات المواقع الإلكترونية التي تحظى بإقبال كبير ومصداقية معتبرة بالمغرب .

اعتقال أنوزلا وتوقيف موقعه وبذاك الشكل رغم الاحتجاجات الغير مسبوقة داخليا وخارجيا، معناه أن السلطات أرادت أن تقول أن الذي يريد أن يبقى خارج مظلتي سيكون هذا مصيره، وأن ظروف وسياق ربيع الأمة والحراك الغير مسبوق الذي شهده المغرب سنتي 2011 و 2012 قد تراجع، وانتهت في تقديرها تلك "الأحجية" التي آمنت بإمكانية التغيير في هذا الوطن، وبالتالي على الجميع اليوم "الإنحناء" والدخول لبيت الطاعة، وهذا ما صارت عليه العديد من المواقع الإلكترونية وبشكل غير معلن لكن مضمون ما تنشره يؤكد هذا.

بالموازاة مع هذا التدخل المباشر ـ اعتقال أنوزلا وتوقيف موقع "لكم" ـ الذي كلف المغرب غاليا على مستوى سمعة البلد الحقوقية ووضعه ضمن دول أوضاعها غير مستقرة، عملت السلطات على "ترويض" الصحافة المغربية وجعلت خطوطها التحريرية جد ناعمة حتى أنك عندما تتصفح الجرائد الورقية أو المواقع الإلكترونية لا تكاد تفرق بينها وبين مضامين الوكالة الرسمية التي تعمل على تمجيد سلوك وما يصدر عن السلطة الحاكمة، بطرق شتى، وعملت على استقطاب واستمالة كل الأقلام والمواقع والجرائد المزعجة إلا استثناءات قليلة لا زالت تقاوم، لكن إلى متى ؟.

وإذا كانت السلطة بالمغرباليوم قد غيبت موقع "لكم" الذي يعتبر رمز الصحافة الإلكترونية الوطنية الجادة، فإن بوادر كثيرة بدأت تشير إلى ظهور مواقع إلكترونية تسير على نفس المنوال وبمنسوب الحرية تضاهي ما كان عليه موقع علي أنوزلا، وإن كانت بوثيرة وبإمكانات متواضعة إلا أنها بالتأكيد تقوم بالمهمة وأكثر، وعلى السلطة أن تفهم أنه لم يعد مقبولا في هذا الزمن أن ترفع شعارات "الحرية والديمقرطية" في ما سلوكها وفعلها يناقض هذا الخطاب البراق خاصة على مستوى حرية الصحافة، وعليها إعمال العقل والبصيرة وترك باب حرية التعبير والإعلام مفتوحا لأنه بكل بساطة لا توجد ديمقراطية بدون صحافة حرة، أما عن الصحافة الورقية فتلك قصة أخرى، ويكفي الإشارة إلى الإمكانات الكبيرة التي تتحرك بها في ما تأثيرها وعدد قرائها يبقى متواضعا .