أن تخصص وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خطبة صلاة الجمعة لموضوع الإنتحار بحرق الذات، فإن ذلك يعني أن الدولة تستشعر خطر هذا السلوك الذي بدأ يتكرر في الآونة الأخيرة بشكل يدعو للقلق. ويبدو واضحا أن مضامين الخطبة تتجاوز مستوى إثارة موضوع الإنتحار والتنبيه إلى عواقبه (من وجهة نظر دينية) على الشخص الذي يقدم على قتل نفسه، لتحمل رسالة سياسية تحمل تهديدا مبطنا، وذلك من خلال الإشارة إلى بعض الأطراف ( بدون ذكرها) التي تحاول استغلال بعض وقائع حرق الذات التي شهدتها بلادنا في الآونة الأخيرة لإثارة الفتنة.
من المؤكد أن الإقدام على حرق الذات سلوك مرعب وغير مقبول، لكن السؤال المغيب في تحليل هذه الظاهرة الدخيلة على المجتمع المغربي - على الأقل في حالة " بائعة البغرير" مثلا - هو: لماذا يختار المرء وضع حد لحياته بهذه الطريقة البشعة؟. خطبة وزارة الأوقاف لا يهمها هذا السؤال، فقد ركزت على مسؤولية المنتحر وعواقب فعله في الآخرة. لكن التصدي لهذا السلوك لا يمكن أن يتحقق من خلال خطابات الوعظ والإرشاد والوعد والوعيد، لأن انسداد الأفق أمام الإنسان والإحساس العارم بالظلم و"الحكرة" يلغيان كل إمكانية للصبر والخضوع لقواعد السلوك العاقل والمتزن. وعندما نتساءل عن الأسباب التي تدفع شخصا ما للإنتحار، فإن ذلك لا يعني البحث عن مبررات للإقدام على هذا السلوك، لكنه مع ذلك يظل سؤالا مشروعا، وينبغي استحضاره في كثير من الحالات. فالإنتحار ظاهرة بشرية متجذرة في أعماق التاريخ، وهي ملازمة للعلاقات البشرية في مختلف المجتمعات، وطريقة الإنتحار ليست مهمة في حد ذاتها، لكنها تكتسي أهمية بالغة في السياق المغربي، لأن الإنتحار حرقا يعيد إلى الأذهان مشهد البوعزيزي التونسي. وذلك بالتحديد ما تخشاه السلطة.
الأساليب تتعدد وتختلف ( وكذلك الأسباب) والإنتحار واحد، غير أن فهم الظاهرة من كل جوانبها يقتضي ربطها بالسياق الإجتماعي الذي أنتجها، ومرة أخرى تحضر قصة "مي فتيحة " القنيطرية التي أنهت حياتها حرقا كمثال واضح يفرض التعامل مع المسألة بمقاربة تتجاوز خطابات الترهيب والوعيد الأخروية. ذلك أن بعض التصرفات والممارسات المهينة لكرامة المواطنين، والتي تصدر عن بعض رجال السلطة وأعوانها هي التي تؤجج نار الغضب في النفوس، وتنتهي إلى ما لا تحمد عقباها. فالمعلومات المتداولة عن بائعة البغرير التي كانت تعيل أسرتها بعرق جبينها وتعبها، تفيد بأن إقدامها على حرق ذاتها لم يكن مجرد سلوك ينم عن ضعف نفسي وعجز عن مواجهة تكاليف الحياة فحسب، بل كان رد فعل مباشر على إحساسها بالغبن و" الحكرة "بسبب تعرضها للإهانة عندما صفعها قائد المقاطعة بالإضافة إلى مصادرة بضاعتها من طرف بعض أعوان السلطة. وهذا يعني أن "مي فتيحة" ما كانت لتقدم على فعل كهذا لو أنها عوملت بطريقة أفضل تحفظ كرامتها ومواطنتها وتراعي ظروفها الإجتماعية الصعبة... ومن تم فإن المعالجة الحقيقية لمثل هذا التصرف الذي أودى بحياة هذه المرأة لا يمكن أن تتحقق عبر الدعوة إلى الصبر على الشدائد والتحلي بالإيمان فقط، بل تقتضي أن نرتفع إلى مستوى الديموقراطية الفعلية التي تتأسس على الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية، لأن حماية النسيج الإجتماعي والحرص على أمن المغرب والمغاربة وضمان الإستقرار في هذا البلد... كل هذه الأهداف تتطلب القطع مع بعض ممارسات الماضي التي بدأت تطل برأسها بين الفينة والأخرى وتعود إلى الواجهة بشكل أو بآخر.
مي فتيحة التي هزت قضيتها المشاعر، لم تقدم على فعلتها من أجل أن تتحول إلى بوعزيزي مغربي بصيغة المؤنث، فهي لم تنتحر من أجل إشعال شرارة الفتنة في البلد، بل رفضت أن تعيش في وطن لا يصون كرامتها وإنسانيتها، وهي بسلوكها هذا تستصرخنا جميعا، وتضع الدولة أمام مسؤولياتها في ضمان كرامة المواطن والحرص على حقوقه وحمايته حتى لا تحيى بيننا تجربة القايد عيسى الذي واجهت شيخة العيطة العبدية المشهورة "خربوشة" تجبره وطغيانه وقهره في أواخر القرن 19، وهي تصرخ في وجهه: " أنا عبد لعبدة، وللسي عيسى لا".