مما لا شك فيه أن معالجة أي ظاهرة يمر بالأساس من تشخيصها جيدا و بشكل موضوعي؛ و الظاهرة التي يتعارف عليها بشغب الملاعب و لو أنها عالمية و تقع في جميع بقاع المعمور إلا أننا لسنا مضطرين لنسخها توصيفا و معالجة في ملاعبنا المغربية.
فوصف الظاهرة كونها شغبا هو اختزال و تمويه لما هو أسوأ بكثير من مجرد شغب كما يعتبر بترا لها مما يجعل جميع السياسات المرصودة لمكافحتها غير مجدية و فاشلة في القضاء على الظاهرة أو حتى التخفيف منها.
لذلك وجب السؤال حول إصابة العشرات و تكرار الوفيات إضافة إلى تخريب المنشآت و الأملاك العامة و الخاصة هل هو شغب أم شيء آخر؟
إن الصور التي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي و الإعلام الإلكتروني في أحداث الدار البيضاء بمناسبة مباراة كرة القدم و في غياب تام للإعلام الرسمي؛ إنما تنقل صورة حرب مصغرة تحمل الكثير من العنف المتبادل بين أبنائنا، صورة انفجار عرى على نفسيات مريضة تسكنها الجريمة!
كما أن الحرب بين محبي نفس الفريق تطرح أكثر من سؤال حول الانتماء و تفتت الأنوية الحضرية؛ و حول الحد الأدنى للعيش المشترك بين نفس الفئة الحضرية...
و قد نجتهد كيفما شئنا في طرح الأسئلة بخصوص هذه الأحداث لكننا لن نستطيع سوى أن نسلم بأن التماسك الاجتماعي قد وصل أقصى درجات الانهيار حين تندلع مواجهة بين محبي نفس الفريق!
كما أن عجز و ارتباك تدخل الأمن في هذه الواقعة يجسد جليا فشل المقاربة الأمنية في تناول الظاهرة و عجزها؛ إذ في الغالب قد تكون فضلت القوات عدم التدخل خوفا من أن تصبح طرفا في هذه الواقعة فتتطور لما لا يحمد عقباه و يتفجر الاحتقان الاجتماعي خارج الملعب...
إن وضع قوانين زجرية ضد الشغب و تحريك قوات الأمن في الملاعب أثبت فشله لأننا لسنا أمام شغب الملاعب و لكننا أمام عنف جماعي و إذا كانت الملاعب متنفسا لذلك فهو مجرد الشجرة التي تخفي الغابة!
إنه ناقوس خطر حقيقي و صفارة إنذار متأخرة في رصد انهيار التماسك الاجتماعي و القدرة على العيش المشترك إن أبناءنا يتحولون لوقود حرب؛ هذا ما جنيناه من تعثر سياسة التعليم و فشلها الكارثي، و سياساتنا التداركية في كل الحكومات المتعاقبة في الصحة و التعليم و الثقافة و الإعلام و التعمير و الشباب و الرياضة و الطفولة و المرأة....
سيادة الفردانية و انهيار قيمنا المغربية الأصيلة؛ إفلاس كل الأحزاب التي تتغنى بتامغربيت و تتخذها مادة دعائية لا غير...
هؤلاء أبناؤنا بصورهم البشعة يقاتلون اترابهم و يقتلونهم ليسوا سوى الشجرة التي تخفي غابة الخيبات و انهيار قيم التضامن و التسامح...هؤلاء نسخة أسوأ لاترابهم الذين قفزوا في زوارق الموت نحو أوربا... و ذهبوا بحثا عما لم يجدوه... هم ذاتهم الذين ارتموا في أحضان أفغانستان بالأمس و داعش اليوم....و هم الذين قد يختارون الاسترزاق من الانفصال...
إن الغابة حبلى بالأسوأ...
و لكن ما يحز في النفس فعلا هو غياب المسؤولين و ترك أجهزة الأمن تواجه غضب الجمهور و الشارع مع أن بعض عناصره هم أيضا من هناك: من الهامش و أكلوا من عجين الخيبات قبل أن يلتحقوا بعملهم وقد تساءلنا جميعا عن مدى كمية الحقد و عن أي منظومة تعليمية تلك التي أنتجت رجل الأمن ليكسر عصاه على أخيه الأستاذ المتدرب في القنيطرة بذلك الشكل المخيف!
لماذا ننتظر حلولا للعنف من أجهزة الأمن!؟
إن غياب المسؤولين عقب أحداث الأحد الأسود عوض أن يكون أخضرا و تغاضي الإعلام الرسمي عن التوقف على هذه الكارثة هو تبخيس لنا جميعا و لحقوق أبنائنا في هذا الوطن...
أين الوزارة الوصية على الرياضة ثم أين الجامعة أين وزارة سياسة المدينة؟؟
إننا لا ننتظر منكم التعنيف أو التنديد لماذا لم تخرجوا من مكاتبكم لتقفوا جميعا في صورة رافضة للعنف و متأثرة بالموت؟!! لو مات في الملعب سائح واحد لأوقدتم الشموع أمام البرلمان و السفارة!!! هل لأن الذين ماتوا هم مجرد أبناء الهامش و الذين قتلوا مجرمون يقتلون تحت تأثير المخدرات مآلهم السجن و هذا كله ليس من اختصاصكم !!!
هل سمعتم تصريح أحد مؤسسي الالترا لفريق الرجاء و هو يقول أن الدوافع الحقيقية لإنشاء جمعيات المحبين هو أن الفريق بحاجة للدفاع ضد أعدائه؟؟؟؟
إنها إذا حرب الملاعب و انهيار التماسك الاجتماعي و أنتم غائبون و غائبون!

* باحثة في القانون العام