استأثر توشيح الملك محمد السادس للمناضل اليساري بنسعيدآيت يدر بمناسبة الإحتفال بعيد العرش باهتمام واسع في منتديات التواصل الإجتماعي، ونال نصيبا وافرا من التعليقات وردود الفعل عند الطبقة السياسية ذات التوجهات اليسارية على وجه التحديد.حيث كان طبيعيا أن تتراوح آراء المعلقين بين مرحب بالتكريم الذي حظي به الرجل، ومتسائل عن دلالة هذه الخطوة المفاجئة، وخصوصا في ما يرتبط بالمواقف السياسية المعلنة التي عبر عنها آيت يدر طيلة مساره النضالي، وهي المواقف التي يتقاسمها مع رفاقه في حزب اليسارالإشتراكي الموحد الذي يعبر عن خط سياسي لا يتناغم في بعض تفاصيله مع الإختيارات السياسية للملكية في المغرب، والتي كان آخر تجلياتها مقاطعة استحقاقي الإستفتاءالدستوري سنة 2011 والإنتخابات التشريعية في السنة ذاتها.
توشيح شخصية سياسية "ممانعة" من طينة المناضل آيت يدر بوسام ملكي يثير أسئلة مشروعة حول الأسباب الحقيقية التي دفعت القصر إلى اختياره ضمن دائرة "المنعم عليهم"، وذلك لأن هذه المبادرة هي بمثابة ثورة على المنطق الذي ظل دائما يتحكم في اختيار الشخصيات التي تحظى بالتكريم والتشريف. كما أنها تأتي في سياق تغير ملحوظ في مواقف الملك من خلال اللغة النقدية المباشرة التي يستعملهافي خطاباته الرسمية خلال الشهور الأخيرة في تقييمهلطبيعة الخدمات المرتبطة بالشأن اليومي للمواطن المغربي . فهل يمكن اعتبار مشهد تكريم آيت يدر جزءا من هذا التغيير الذي يعبر عنه الملك؟. هل هو مصالحة رمزية مع رموز النضال السياسي في المغرب؟.
الجدل الذي رافق توشيح الأب الروحي لليسار الإشتراكي الموحد، وريث منظمة العمل الديموقراطي الشعبي، له ما يبرره، وذلك بالنظر إلى التوجه السياسي الذي يعبر عنه وينتمي إليه هذا المناضل اليساري. وعلى هذا المستوى يبدو التكريم الذي حظي به بمناسبة الذكرى السادسة عشرة لعيد العرش مفاجئا (وإن كان مستحقا على كل حال)، وذلك لأن شخصيةآيت يدر لا تستجيب للمعايير التيتستند إليها شروط اختيار المرشحين للحصول على أوسمة ملكية، والتي يحكمها عادة منطق الولاء للأعتاب الشريفة قبل أي اعتبار آخر... فالحزب الذي ينتمي إليه محمد بنسعيدآيت يدر يسعى في مشروعه السياسي إلى تحقيق مطلب الملكية البرلمانية الذي يعني التقليص من صلاحيات الملك بالشكل الذي تعرفها الملكيات الأوربية التي يسود فيها الملك ولا يحكم، وهذا المطلب وحده يعد سببا كافيا ليصطدم صاحبه مع سلطة المخزن، ويجعله خارج دائرة الإهتمام والتكريم. ولأن الشيء بالشيء يذكر، ينبغي التذكير في هذا المقام باللامبالاة التي واجهت بها المؤسسة الملكية لحظة مهمة في تاريخ الأحزاب السياسية المغربية عندما أصبحت نبيلة منيب أول امرأة تنتخب على رأس حزب سياسي في بلادنا في يناير 2012، وبالرغم من أن القصر قد بادر في عدة مناسبات إلى تهنئة مجموعة من الأمناء العامين الذين تم انتخابهم من طرف هيئاتهم الحزبية خلال السنوات الأخيرة عبر رسائل خاصة، فإن الأمينة العامة لحزب "الشمعة" لم تحظ بهذه الإلتفاتة رغم الرمزية الكبيرة التي يشير إليها وجود امرأة على رأس حزب سياسي في المغرب. ومن تم فإن هذا الإنقلاب المفاجئ في سلوك القصر عبر التعاطي بإيجابية هذه المرة مع شخصية تنتمي لنفس الحزب يطرح علامات الإستفهام، ويفتح الباب أمام قراءات وتأويلات متضاربة.
واضح إذن أن حصول هذا المناضل اليساري على الوسام الملكييستحق كلالنقاش والجدل الذي أثير حوله. وبعيدا عن حساباتالإصطفافوالإستقطاب، يحق لكل ذي رأي أن يعبر عن قراءته الخاصة لمشهد التوشيح ودلالته. وإن كانت بعض التعليقات قد تجاوزت حدود اللباقة، وسقطت في لغة التخوين دون أن تراعي تاريخ هذه الشخصية ذات الرصيد النضالي المحترم... وعلى العموم، وبعيدا عن طبيعة علاقته بالمخزن، وأيا كان مضمون الرسالة التي يحملها هذا التشريف، فإن التاريخ يشفعلبنسعيدآيت يدر ما ناله من تكريم ( وإن جاء متأخرا)، فهو يستحق التقدير والإعتراف سواء في ما يرتبط بدوره في مقاومة الإحتلال الفرنسي خلال الفترة الإستعمارية، أو فيما يتعلق بمواقفه الشجاعة التي عبر عنها خلال مساره السياسي بعد الإستقلال، وخصوصا خلالمرحلة سنوات الرصاص. لذلك فإن توشيحه من طرف الملك يعد اعترافا بما قدمه من خدمات وتضحيات، وذلك في انتظار أن تحظى شخصيات آخرى بنفس القامة والقيمة في المستقبل بنفس التشريف والإعتراف، وأن يتحول التوشيح الرمزي إلى سلوك واقعي يحقق طموح المغاربة في مغرب ديموقراطي يتسع لجميع أبنائه، وتتحقق فيه شروط التنمية والعدالة الإجتماعية والعيش الكريم.