خالد أوباعمر

الكثير من المغاربة يخلطون بين عميل الاستخبارات ” ولد لابواط” وبين عنصر مجند لخدمة أهداف الجهاز الاستخباري الذي يضم مئات إن لم نقل آلاف من العملاء لهم شبكات تواصلهم وعلاقاتهم العامة التي يستفيدون منها في عملهم الاستخباري.

هناك فرق كبير بين الطرفين. وعندما ينفي الصحفي الرمضاني علاقته بجهاز “لادجيد” على خلفية التسريب الذي قام به “كريس كولمان” لمراسلة وجهها هذا الأخير، إلى باطرونه الخاص أحمد الشرعي – الذي أثبتت أكثر من وثيقة تم تسريبها إلى حدود الآن دون أن يتم نفيها من قبل هذا الأخير أو أي جهة رسمية في الدولة تواصله وتعاونه مع جهاز المخابرات الخارجية- فالمؤكد أن الرمضاني كان صادقا في نفيه هذا.

غير أنه، وهذا ما لا يحتمل الشك فيه، أن الرمضاني كان مدركا لطبيعة المشروع موضوع المراسلة والذي يتعلق في غالب الأحيان بموقع كيفاش. كما أنه كان على علم حتى بالجهة التي ينسق معها باطرونه “أحمد الشرعي” في تنزيل هذا المشروع، والدليل، أن الرمضاني نفسه لم ينفي ما ورد في الجملة الأخيرة من المراسلة والتي يطلب فيها من مشغله تركه بعيدا عن الصورة!!!!!

الصحفي رضوان الرمضاني، الذي تحجج بالسر المهني داخل المؤسسة التي يشتغل فيها لكي لا يخوض في النقاش الجوهري، وقع له خلط كبير وهو يتحدث إلى الجمهور في قناة فرانس 24 التي استضافته مساء يوم الثلاثاء 30 دجبنبر 2014، لتسليط الضوء على تسريبات المدعو “كريس كولمان” المتعلقة بفحوى مراسلته مع الشرعي، حيث أنه وهو يطلق الكلام على عواهنه، لم يستطع التمييز بين مهنته كصحفي التي تفرض عليه أخلاقيا ترك مسافة معينة بين قراءة الأحداث والوقائع من الزاوية الصحفية، وبين قراءتها من موقع المسؤولية داخل الدولة. وهي المسؤولية التي لا يحوزها للأسف الشديد هذا الصحفي الذي تاه في إعطاء الدروس في الوطنية وكأن محاوره ينحدر من دولة الموزمبيق أو سفيرا لجبهة البوليساريو في بلاطو فرانس 24.

الرمضاني وهو يرد على أسئلة صحفية فرانس 24 تصرف وكأنه محامي الدولة. مرة عندما نهج أسلوب التشكيك في تسريبات كريس كولمان، رغم أنه يعلم أن الدولة لم يصدر عنها إلى غاية اليوم، أي تكذيب رسمي بخصوص مضمون الوثائق موضوع التسريبات. ومرة أخرى عندما وصف فعل التسريب بـــ”الجرمي” مع العلم أنه يعلم أنه في الحروب المخابراتية لا مجال للقانون. هناك الأعمال القذرة فقط، وهذا هو الوصف السليم في اعتقادي الشخصي.

هل يعرف الرمضاني من يكون كريس كولمان؟ هل يعرف لفائدة أي جهة يشتغل؟ ما هو الدليل المادي الملموس على أن كريس كولمان شخصية جزائرية؟ لماذا يتم استبعاد أن يكون هذا الشبح المخيف حاملا لجنسية أخرى؟ لماذا لم ترد الدولة رسميا على تسريبات كرس كولمان؟ ما الذي يمنعها من مواجهة الجزائر بالذليل المادي الملموس إذا كانت واثقة من أن أجهزتها المخابراتية هي من يقف وراء هذه الأعمال القذرة؟ كيف يمكن وصف التسريبات بالأعمال الجرمية في الوقت الذي يتحدث فيه وزير الاتصال ووزير الخارجية والوزير المنتدبة فيها عن الأعمال العدائية أو الاستفزازية؟ أليس هناك فرق بين المفهومين؟

الرمضاني كان مرتبكا رغم أنه حاول الظهور بمظهر الشخص الواثق من نفسه، ومتناقضا مع نفسه في أكثر من مرة طيلة وقت البرنامج، فهو ثارة ينظر إلى نفسه كصحفي مهني ولا علاقة له بأي جهاز وأن أسرار المؤسسة التي يعمل فيها تحتم عليه التحفظ وعدم الخوض في عدد من الأمور، وثارة أخرى يعتبر نفسه وطنيا أكثر من غيره وبأنه فخور بخدمة البلاد، وثارة أخرى يلجأ إلى نظرية القياس عن طريق المماثلة بطريقته الخاصة في تعامله مع محاوره الذي وجه له اتهاما مباشرا بقبض الأموال من السفارة الأمريكية، وكأن من يعارض السلطة، وسياساتها العمومية، في المجالات السياسية والأمنية والحقوقية ، عملاء وخونة ولا وطنيين!!!!!!

أنا أوجه سؤالا عاما للنقاش: ما هي الحدود الفاصلة بين العمل الاستخباري والعمل الصحفي؟ هل مهنة الصحافة تستوجب مهاجمة خصوم السلطة أم للصحافة قواعد وأخلاقيات ينبغي استحضارها في الممارسة الصحفية؟

إذا استطعنا الإجابة على هذين السؤالين بكل موضوعية سنصل إلى خلاصة مهمة وهي أن طبيعة الوظيفة الاستخباراتية تختلف عن طبيعة الوظيفة الصحفية. إحداث اختراقات في الجسم الصحفي أو القضائي أو في قطاع المحاماة أو التعليم العالي أو الوظيفة العمومية أو الأحزاب أو النقابات أو الحركات الاجتماعية، أعمال تدخل في صميم العمل المخابراتي الذي لا يترك مجالا بدون أعين يقظة.

الموارد البشرية لأي جهاز مخابراتي كيف ما كان نوعه وأهميته في كل بلدان العالم، تبقى إمكانياتها محدودة، بالنظر لمساحة البلاد وتعداد سكانها. لهذا فعادة ما تلجأ أجهزة المخابرات لخدمات شبكة من المتعاونين ” التشبيك” الذين يتم تجنيدهم مقابل أجرة معينة أو امتيازات لتجاوز إكراه الموارد البشرية وضغط التحديات الأمنية في ظل عولمة الإرهاب والمافيا والجريمة المنظمة والهجرة السرية

من هذا المنطلق، أنا لا ألوم ” المديرية العامة للدراسات والمستندات وحفظ التوثيق ” إذا أفلحت في استقطاب إعلاميين وجامعيين وطلبة وجمعويين وحزبيين ونقابيين للاشتغال معها كــ”جواسيس أو عملاء أو متعاونين”، فالوظيفة الأساسية التي أنشأ من أجلها هذ الجهاز المخابراتي هي حماية ” الأمن الخارجي والداخلي للملكة”.

بل إن اللوم كل اللوم، على من يتبجحون بالوطنية وخدمة المصالح العليا للبلد، لتبرير أعمالهم القذرة باسم الصحافة، وكأن من يعارضون السلطة لا مواطنة لهم.

ما هذا التكييف العنصري والاستئصالي لمفهوم المواطنة؟

إذا كان رجل الاستخبار يشتغل في نطاق واسع يتسع باتساع مجالات الأمن القومي للدولة…فالصحافي يشتغل في إطار منظومة قيمية وأخلاقية وقانونية ودستورية تؤطر عمله الذي ينبغي أن يكون صحفيا في المقام الأول والأخير. هذه هي القاعدة أما الاستثناء فلا يقاس عليه.

عندما وصل المنصف المرزوقي للسلطة في تونس أول عمل قام به هذا الرئيس، هو كشف الصحفيين الذين كانوا يسوقون نظام بن علي وكلكم يتذكر كيف تفاعلت الصحافة الوطنية مع هذا الأمر. وبعد رحيل مبارك عن السلطة في مصر ظهر نفس الأمر، حيث لوحظ خلال فترة الرئيس محمد مرسي اختفاء وجوه صحفية وظهور وجوه أخرى لم يكن مسموحا لها الظهور قبل الثورة التي أسقطت نظام مبارك الذي عادت وجوهه الصحفية من جديد بعد انقلاب السيسي على الشرعية الديمقراطية.

هذه الظاهرة موجودة في كل الدول. يلزم فقط القليل من العقلانية في التعاطي مع تسريبات كريس كولمان. أجهزة مخابرات كل دول العالم بما في ذلك الدول التي تصف نفسها بدول العالم الحر تستفيد من خدمات صحافيين متعاونين معها.

لهذا، من حق أجهزة مخابراتنا مدنية كانت أم عسكرية أن يكون لديها متعاونين. غير أنه، عندما يحرق أي متعاون أو عميل في سياق معين، فلا داعي للبهرجة.

الصحفي هو من يقع عليه عبئ التبرير وليس الجهاز الذي يدخل أمر الاستقطاب في مهامه. في رأيي حدود العلاقة بين الصحفي والمخبر تهم طرف واحد وليس طرفين.

حتى نكون منصفين وواقعيين وعقلانيين،” يتم تسجيل حالات توظف فيها الصحافة في التجسس والاستخبار، وإذا عدنا إلى الحرب على الإرهاب في أفغانستان مباشرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وبعدها الحرب على النظام البعثي في العراق، ثم الحرب على داعش حاليا، نجد، أن أكبر الأجهزة الاستخباراية في العالم تستعين بخدمات أشخاص يقدمون أنفسهم على أنهم صحفيين، ويحوزون بطاقات صحفية، لكنهم في العمق هم عملاء وجواسيس في جبة صحفيين..

هذه الأمور، أصبحت من البديهيات في عالم التجسس، ولا يمكن المزايدة فيها على بعضنا البعض. الجديد في تسريبات كريس كولمان، أنها كشفت أمورا لم تكن مفهومة لدى عامة الناس، والأمر هناك يتعلق بنطاق اشتغال المديرية العامة للدراسات والمستندات وحفظ التوثيق. هل تقتصر وظائف هذا الجهاز المهم جدا بالنسبة للأمن القومي للملكة على ما هو خارجي أم أن أنشطته تطال أيضا ما هو داخلي؟

فهم الكثير من المواطنين لوظيفة جهاز “لادجيد”، لا يخرج في أغلب الأحوال، عن نطاق حماية أمن الدولة الخارجي، من خلال تدبيره لملفات الصحراء والإرهاب والهجرة السرية وتجارة المخدرات والجريمة المنظمة...

لكن مع تسريبات المدعو “كريس كولمان” اكتشف جزء كبير من الرأي العام الوطني أن الجهاز له ارتباطات بقضايا داخلية من قبيل علاقته بالصحافة والإعلام وربما بأشياء أخرى لم تظهر بعد. بمعنى، أن جهاز المخابرات العسكرية الذي يشرف عليه السيد ياسين المنصوري كشخصية مدنية، مند سنة 2005، لم تعد رهاناته خارجية فحسب، بل أصبحت له رهانات داخلية، يمكن أن تكون مرتبطة في العمق بسياق التحولات التي شهدتها عدة بلدان عربية ومغاربية بسبب رياح الربيع الديمقراطي الذي تحول إلى خريف.

مثلما هو الشأن بالنسبة للمجال الدبلوماسي الذي لا يمكن الفصل فيه بين أهداف السياسية الخارجية والسياسة الداخلية، فالمجال الاستخباري بدوره لا يمكن الفصل فيه بين الشأنين الخارجي والداخلي.

أعتقد شخصيا، أن طبيعة الشخصية التي تقود اليوم جهاز المخابرات العسكرية ” شخصية مدنية” والخبرة التي راكمها السيد ياسين المنصوري في المجال الإعلامي بحكم المنصب الذي أسند له سابقا في وكالة المغرب العربي للأنباء، هي العوامل، التي تفسر حدوث هذا النوع من التوجه التحول في عمل لادجيد ” الجمع بين قضايا الداخل والخارج” حيث أن المعروف في أوساط الرأي العام أن تحركات هذا الجهاز تهتم بالإعلام الخارجي، فهو يركز أكثر على تسويق صورة المملكة في الخارج، وهو التسويق الذي يستفيد فيه هذا الجهاز، كما هو شأن كل أجهزة العالم الاستخباراتية، من خدمات صحفيين أجانب لهم منظورهم خاص للمهنية وللأخلاقيات في العمل الصحفي…

على كل حال، النقاش حول تسريبات المدعو “كريس كولمان” يبقى نقاشا حيويا مادام أن التسريبات تتعلق بقضايا تهم الأمن القومي للبلد وهذه مسؤولية الجميع وليس مسؤولية أجهزة المخابرات فقط.

الدولة التي اكتفت ببعث الرسائل الدبلوماسية إلى الجهات المعنية بهذه الرسائل، عليها، أن تقدم للرأي العام توضيحات حول الكيفية التي تم بواسطتها قرصنة آلاف الوثائق الدبلوماسية والعديد من مراسلات البريد الإلكتروني لعدد من الشخصيات والمسؤولين في الأمن والإعلام والدبلوماسية، حتى يكون الرأي العام على بينة من أمره.

أي دولة معرضة لأن تكون ضحية لعمليات تسريب وثائقها الحساسة، والولايات المتحدة الأمريكية، سقطت في هذا الفخ مرتين. مرة مع أسانح ومرة ثانية مع سنودن.

الفرق فقط أن هوية المسربين في الحالتين معا معلومة وغايات تسريبهما للوثائق تم توضيحها من خلال تصريحاتهما المتعددة. فهل يتجرأ “كريس كولمان” على الكشف عن شخصيته وعن غاياته من وراء تسريباته لآلاف الوثائق الحساسة للمملكة؟

مند سنة 2011 ستضاف إلى المشهد الصحفي الإلكتروني عشرات المواقع الالكترونية تم استنباتها في ظروف غامضة. وأغلب هذه المواقع أنشأت وفي فمها ملاعق من ذهب “مقرات مجهزة، أجور شهرية، إعلانات إشهارية رغم محدودية مقروئية الكثير منها، سيارات تحمل أسماء بعض هذه الموقع تتحرك بين المدن، حصانة غير مسبوقة”

لماذا تزامن بروز هذا النوع من المواقع التي تخصص البعض منها في جلد المواطنين بغض النظر عن صفاتهم السياسية والمدنية والحقوقية والصحفية، في ظل صمت رهيب للمسؤولين عن تدبير الشأن الصحفي والإعلامي في المغرب وعن حماية الحقوق والحريات، مع الحراك الذي شهده المغرب في 2011؟

الغريب في الأمر، أن عدد من الصحفيين بعدد من المواقع استفادوا من عدة سفريات إلى الخارج، ومنهم من زار دولا صديقة مثل الإمارات وقطر ومصر والأردن أكثر من مرة بداعي دورات تكوينية أو ما شابه ذلك، وهذا من حقهم، بل نطرح الأمر من باب الملاحظة فقط؟

بعد 2011 لم يعد لوكالة المغرب العربي للأنباء تلك الجاذبية التي كانت تتمتع بها في ظل تكاثر العديد من المواقع الإلكترونية المزركشة الألوان التي أغرت أحد المدراء السابقين لهذه الوكالة ودفعته بدوره إلى إطلاق موقعه الإلكتروني.

هل كان الأمر يتعلق بحاجة ضرورية لكل تلك المواقع التي ظهرت في سياق الحراك العشريني في المغرب أم أنه يتعلق بمخطط شامل ومدروس للتحكم في الإعلام البديل وتوجيهه وفق الأهداف المرسومة لتشكيل رأي عام وطني على المقاس؟