على إثر الحراك الشعبي، الذي عرفته مدينة طنجة، احتجاجا على ارتفاع فواتير الماء والكهرباء، انتقل بأمر ملكي إلى عين المكان يوم فاتح نونبر 2015، كل من السيدين: عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة ومحمد حصاد وزير الداخلية، للاطلاع المباشر على مضامين شكايات المواطنين، ضد شركة "أمانديس"، وهو ما اعتبره الكثيرون إشارة قوية للتعجيل بنزع الفتيل، ومعالجة المشكل سياسيا.

وكان بديهيا، أن يشد الانتباه خروج حشود غفيرة من المواطنين، في مسيرات بالشموع طوال أسابيع متتالية، للتعبير بأسلوب حضاري عن فظاعة إحساسهم بالظلم، بعد أن ضاقوا ذرعا بالتزام السلطات الوصية والمنتخبين الصمت، إزاء الاعتداء المتواصل على قدرتهم الشرائية. وفي الوقت الذي كان حريا به تهدئة الأوضاع واستجلاء الأمور، خاصة أن البعض يحمل جزء من المسؤولية لحكومته، التي ألغت نظام الأشطر الاجتماعية، لإنقاذ المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، اعتبر رئيس الحكومة انتفاضتهم من وحي جهات مغرضة، تهدف إلى إثارة "الفتنة".

فالمغاربة استرخصوا حياتهم فداء للوطن، وضحوا بالغالي والنفيس من أجل استرداد الكرامة المغتصبة وطرد المستعمر الغاشم، ومازالوا إلى اليوم يكابدون ويلات مخلفاته، بعد استنزافه لخيرات البلاد وطاقات العباد، وساهم في تعطيل مسيرة التنمية، يعارضون بإصرار العيش تحت نير "شركات التدبير المفوض الأجنبية"، لذلك نجدهم يسارعون إلى الاحتجاج هنا وهناك، رافضين القهر والاستعباد، بل ويطالبون بإجلاء "المستعمر" الجديد. ثم بالله عليكم، كيف يسمح لشركة ذات سمعة دولية سيئة، سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن كشف عن خروقاتها منذ 2009، أن تواصل عربدتها وإفراغ جيوب المواطنين؟

ففي ظل أزمة تدبير المرافق العمومية، المتجلية في تدني مستوى الخدمات وضعف الجودة، وفي إطار مسايرة الركب الاقتصادي العالمي، باتت الضرورة ملحة إلى تسيير عقلاني فعال، وتخفيف العبء على الدولة والحد من تدخلاتها في بعض القطاعات الاستراتيجية، وانسجاما مع التوجه السياسي الاقتصادي، الذي يفرض القطع مع المقاربة التقليدية، والدخول إلى مجال التنافسية والرفع من وتيرة الأداء وتجويد الخدمات، ظهر في النصف الأخير من التسعينات نوع جديد من تدبير القطاعات الحيوية، وهو نظام جاء امتدادا لسياسة الخوصصة التي شرع في تطبيقها ابتداء من عام 1993 دون إطار قانوني، ولم يصدر القانون رقم: 54.05 المتعلق بالتدبير المفوض للمرافق العمومية، إلا في تاريخ: 16 مارس 2006 ونشر بالجريدة الرسمية العدد 5404 بالصفحة: 744.

والتدبير المفوض، تقنية جديدة يتم بموجبها تفويض أمر تدبير مرافق عامة إلى شركات خاصة، لاسيما على مستوى الإدارة الترابية المحلية، التي ظلت تشكل عبئا ثقيلا على الدولة، وتشكو كثيرا من سوء التسيير وضعف المردودية وانعدام الجودة في الخدمات. هكذا، وعلى غرار بلدان أخرى، ارتأى المغرب اللجوء إلى الاستفادة من خدمات شركات أجنبية ابتداء من سنة 1997، حيث انطلق العمل بهذه الصيغة الحديثة بمنح مسؤولية "توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل" لشركة "ليديك" بمدينة الدار البيضاء ، ول"ريضال" بمدينة الرباط، ثم ل"أمانديس" بمدينتي طنجة وتطوان، وبعد ذلك انتقل الأمر إلى شركات أخرى في قطاعي النقل الحضري والنظافة...

وإذا كانت الجماعات المحلية، تعتبر النظام المؤسساتي من بين أهم المرتكزات الأساسية في تجسيم اللامركزية الترابية، فإن تسيير القطاعات الاجتماعية، خاصة منها ذات الارتباط الوثيق بالحياة اليومية للمواطنين، كالماء والكهرباء والنقل والنظافة، التي تعد من أبرز الاختصاصات الموكول أمر تدبيرها إلى مجالسها. وينص ميثاق التنظيم الجماعي على ثلاثة طرق لتدبيرها: التدبير المباشر، الوكالة المستقلة والتدبير المفوض، وهي الطريقة التي اختارت معظم الجماعات اعتمادها. فهل استطاعت الدولة بتبنيها نظام التدبير المفوض، التوفيق بين واجبها في حماية المرفق العام، والاستجابة لانتظارات المواطنين ومواكبة الركب الاقتصادي العالمي، أم لم تعمل سوى على فسح المجال لعودة "الاستعمار"، بتواطؤ مع لوبيات ليس لها من هم غير الانتفاع من اقتصاد الريع؟ للأسف الشديد، أن الشركات المستفيدة من عقود التفويض، لم تأت بتلك القيمة المضافة التي راهن عليها المغاربة، ولم تعمل الإدارة إلا على ترجمة جزء من معاناتهم إلى لغة ثانية، لتصبح محنتهم ناطقة بلغتين: محلية وأجنبية...
ماذا تغير مذ تسليم مقاليد مرافقنا العامة إلى المستعمرين الجدد، الذين ليسوا سوى تلك الشركات الأجنبية المتهافتة على خيراتنا؟ لا شيء. إذ مازال مشكل النقل قائما بحدة، ونفاياتنا مكدسة في الشوارع خاصة خلال الأعياد الوطنية والدينية، وفواتير الماء والكهرباء في ارتفاع صاروخي متواتر... وهل يصوت المغاربة في الاستحقاقات الجماعية والجهوية، على النزهاء من المهتمين بانشغالاتهم اليومية، الساعين إلى النهوض بخدماتهم الإدارية والاجتماعية وتدبير شؤونهم المحلية باقتدار وأمانة، أم على المفسدين ممن يرجحون مصالحهم الذاتية والباحثين عن الاغتناء الفاحش؟ أكيد أننا سنمهل المجالس المنتخبة حديثا (شتنبر 2015)، على ألا تغفل معاناة المواطنين وتقوم بما يخوله لها القانون، في تفعيل لجن المراقبة وتتبع سير شركات التدبير المفوض، والسهر على مدى احترامها لبنود العقود والتزامها بدفاتر التحملات، إذ طالما ظلت تمثيلية المنتخبين في هذه الشركات صورية وبدون فعالية...

فمنذ شروع هذه الشركات الأجنبية في العمل، وموجات الغضب تتصاعد ضدها بقوة هنا وهناك، جراء الغلاء الرهيب لفواتير الاستهلاك، فضلا عما تشير إليه تقارير المجلس الأعلى للحسابات من نقائص، تركزت في الإخلال بتعهداتها على مستوى برامج الاستثمار، وعدم مراجعة العقود كل خمس سنوات وغياب الحكامة... واتضح أن الأمر مرتبط فقط بدينامية اقتصادية وأرقام معاملات، دون الأخذ بعين الاعتبار تطلعات الملايين من المواطنين ومراعاة قدراتهم الشرائية، حيث يهيمن هاجس التوازنات الماكرو اقتصادية على البعد الاجتماعي. وتنحصر هموم هذه الشركات في تحقيق أرباح هائلة، إذ لوحظ على شركتي "أمانديس" و"ريضال"، أنهما قامتا بمضاعفة الفواتير فور توليهما مسؤولية التدبير. أما شركة "ليديك"، فقد زودت أحياء مدينة الدار البيضاء بماء ملوث إضافة إلى اختلالات أخرى، كما أشار إلى ذلك تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم عام 2013. فأين الحرص على سلامة المواطن والحفاظ على قدرته الشرائية؟

لقد عملت هذه الشركات، بكثير من الدهاء على استغلال ضعف آليات المراقبة والتتبع لدى الجماعات المحلية، وافتقارها إلى الوسائل المادية والضرورية، وعدم القدرة على نقل المعرفة التكنولوجية وتأهيل الموارد البشرية. ورغم استفادتها من امتيازات القروض وإعفاءات جبائية، فإنها لم تهتم بمصالح المواطنين والمستخدمين، وكثيرا ما تتذرع بالخسائر والصعوبات المالية...
وللتخلص من قيود "المستعمر" الجديد، يتعين علينا ابتكار أساليب متطورة، واتخاذ إجراءات جريئة على المستوى القانوني، بما يجعل التدبير المفوض أكثر فعالية وقادرا على إسعاد المواطن. فمن العيب، إقصاء الشركات الوطنية والتمادي في غض الطرف عن غطرسة نظيرتها الأجنبية، التي تتحكم في قطاعاتنا الحيوية وتمتص دماءنا، وأن نبادر إلى وضع مشروع تنموي وطني يصون كرامتنا الإنسانية...