تعد فكرة تجديد النخب من أهم و أبرز معالم تقدم و تطور أي مجتمع سياسي بناء على فرضيات و أسس منها الثابت و المتحول و أيضا من خلال صراع الحقب و الأجيال و ترجمة حقيقية لدينامية المجتمع و تماهيه مع التحولات سوسيوسياسية و إقتصادية و حتى المجتمعة التي يعرفها العالم و مدى تقبله لمشاريع عقلانية حداثية تستوعب خصوصيات المجتمع الذي سيتم تبيئة جل الأفكار المتقدمة داخله و صهر جميع المكنيزمات الممكنة من أجل استمرارية الفكر الإنتاجي المتجدد .

في ظل ما يعرفه المجتمع السياسي المغربي من تحولات العمل الحزبي عجلت ببروز خطابات تصب في خندق تشبيب الهياكل و إعادة سيرورة التنظيمات بضخ نخب جديدة شابة قادرة على دفع عجلة التنمية السياسية للأمام في ظل ما عرفه المجال الإقليمي العربي بتنوع تمذهباته من ديناميكية وحراك شعبي قادته نخب شابة طمحت للتغير و أعادت خلط الأوراق من جديد لكن ظل الأمر حبيس الصالونات الثقافية و الندوات العلمية دون تفعيله بشكل جدي يبرز القيمة الحقيقية لهاته الطاقات الخلاقة داخل الجسم السياسي المغربي أضف إلى ذلك تخلف الأحزاب ذات المرجعية التقدمية عن إنتاج مثقفين عضوين أصحاب النزعة الفكرية القوية من أمثال العروي و الجابري و كسوس و الخطيبي و أمليل .....وغيرهم و غياب تام داخل السجال التنظيمي للأحزاب لمشاريع تروم لزرع نبت مثقفين قادرين على إرساء مبادئ فكرية حقيقية في حين نرى مشاكسات قوية تروم لإقصاء الفئة المثقفة الغير المتحزبة و نهج سياسة العداء نحوها كلما طفت على السطح الخطابات الرامية للإنفتاح و التعدد.

و أمام تعنت و عدم قدرة قادة الأحزاب المغربية على استيعاب قدرة الفعاليات الشابة و المثقفة على خلق حياة متطورة داخل المحيط السياسي المغربي و تلويحها كلما دعت الضرورة بورقة الشرعية التاريخية و تشبثها بحتميات كلاسيكية متجاوزة و التعامل بمنطق الوصاية و الإرشاد وخطاباتهم الطوباوية الفوقية و رفع شعار التعالي و استحاء فكر الزوايا الدينية في إرساء معالم سياسة الشيخ و المريد كما عبر عنها الأستاذ عبدالله حمودي في كتابته و تعبيراته عن مفهوم السلطة في دراسته الأنثربولوجية للموضوع و تأصيله للمفاهيم بطريقة مدققة و محاولة تصريف خطاباتهم و ترانيمهم بأسلوب دغمائي يكرس الطابع الأفقي و فرض أسلوب التلقي و اجترار صادرتهم المتهالكة من طرف الشباب , أضف إلى ذلك غياب الديمقراطية الداخلية في عمق الكيانات الحزبية المغربية فكلما اقتربت من مراكز القرار تراءت لك معالم السلطوية و الدكتاتورية الإدارية .

إن مظاهر الصراع بين الشبيبات الحزبية و قيادتها لا يمكن فصلها عن الحالة المترهلة التي تعيشها الأحزاب السياسية و عدم قدرتها على مواكبة السير المجتمعي و خلق نظرة شاملة لما يعرفه المجتمع من تحولات بالإضافة إلى ما تعيشه من معضلة مرضية تنخر جسد الأحزاب المغربية في تدبير اختلافاتها الداخلية مما يترتب عليها انشقاقات متعددة في بناءها التنظيمي مما عجل بميلاد العديد من الأحزاب السياسية فاقت الأربعة و ثلاثين حزبا دون وجود بدائل حقيقية تسرع بوضع قطيعة مع الماضي و تدبر المراحل المتاعبقة بأسلوب عقلاني يتمشى و الخصوصية المغربية التي تعرف تحولات حقيقية يستلزم معها بلورة وظائفها الداخلية بشكل جاد لا من الناحية الإجتماعية و السياسية و الإقتصادية و التربوية و فك العزلة عن سياساتها المتبعة بالإنفتاح على جل أطياف الواقع الإجتماعي و الإبتعاد عن شخصنة المواضيع و خلق صراعات جانبية تميع العمل السياسي بخطابات شعبوية تبخس المجال و تنفر منه .

فسلوك بعض زعماء الأحزاب السياسية المغربية في سياق الموضوع لا يعرض النظرة المجتمعية للأحزاب بالتآكل بل يؤثر على المشهد السياسي بمجمله و يجعل منه باحة لمجموعة من السلوكيات تكرس الذاتية و تعيد تكرار نفس المنطق البراغماتي و توطيد الطابع الهش للواقع الحزبي بالمغرب .
من الحتمي اليوم فتح المجال أمام نخب شابة و مثقفة و جيل جديد من الأطر النيرة لإعتلاء مراتب قيادية داخل الفكر الحزبي قاطعين مع منطلق مزاجية الزعماء في اختيار الخلف و تجاوز سياسة التوريث و مأسسته عبر وضع مناهج و قواعد تنظيمية لا تترك المجال لإنتاج نخب بنفس عقلية السالفة عبر الإنغلاق و الإنحصار , فطبيعة المرحلة الآنية المنفتحة على جل الأوساط و المجالات تجعل من إشارك المثقف و الشاب المغربي ضرورة ملحة بلعبه أدوار ريادية داخل المشهد السياسي و الحزب المغربي متناسين هوس تأثيث الساحة و إكتفاءه بدور الكومبارس السياسي .