على خلفية المقال الأخير للقاضي محمد الهيني، والذي هو عبارة عن رسالة موجهة لمجلس المستشارين، وجد رئيس جمعية "الدفاع عن حقوق الإنسان" الحبيب حاجي في تفسير الهيني للمادة 97 من مشروع القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة ما يبرر اختلافه معه في هذا التفسير.

حاجي الذي تربطه علاقة صداقة قوية مع الهيني وهو أحد دفاعه امام المجلس الأعلى للقضاء، يوضح لموكله أن الأولى هو التطبيق السليم للقانون وليس الرهان على باب الإجتهاد، لأن هذا الإجتهاد قد يُضيع الحقيقة القضائية، في حين يقول الهيني إن القاضي قد يجد نفسه أحيانا أمام نص قانوني ظالم وغير كافي لتحقيق العدالة هنا يجري الرهان على اجتهاد القاضي، الذي لا يرفضه حاجي ولكن يحذر فقط من استغلاله من طرف بعض القضاة لتصريف أهوائهم والإساءة للعدالة.

وهذا رد الحبيب حاجي على الهيني كاملا:

رد عل صديقي الهيني: في الفصل 97 من مشروع القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة
1- أولا أعلن تضامني معك قولا وفعلا وبدون شروط دفاعا عن حقك في التفكير والتعبير والرأي؛ بل وأطلب منك ألا تحني رأسك لكل من يريد قمعك. الخائفون هم من يقيدون حرية التفكير والتعبير.

2- أما في ما يتعلق بالفصل 97 من مشروع القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة فهو لا يتناقض مع الفصل 110 و117 من الدستور فعلا، فالفصلان يتحدثان عن كون القضاء يتولى حماية الحقوق والحريات وصيانة الأمن القضائي والتطبيق العادل للقانون.
لكن إذا كان القاضي لا يحمي الحقوق والحريات ولا يصون الأمن القضائي ولا يطبق القانون تطبيقا عادلا، إنما يطبقه تطبيقا ظالما باستعمال أساليب مهنية في التأويل واعتماد وسائل إثبات معينة وغض النظر عن أخرى رغم قوتها الظاهرة والحاسمة. فما المعمول؟ هل يبقى دور القاضي حاميا للحقوق وللحريات؟ هل يصون الأمن القضائي؟

مشكلة المغاربة الكبرى هي العدالة. إن ظلم المحاكم راكم سلبيات كثيرة ساهمت بشكل كبير في تنمية العنف والتسلط داخل المجتمع، فشكاوى الناس للديوان الملكي وللأسرة الملكية ولوزارة العدل وللوسيط وللمجلس الوطني لحقوق الإنسان وللجمعيات الحقوقية تؤشر على مدى خطورة الموضوع، خاصة النزاعات الناشئة عن الأحكام الظالمة غير العادلة.

لقد تعرض ذ/ البقاش (قاضي طنجة) لمحنة خطيرة مع القضاء وقضاة آخرين مظلومين. وها أنت تشرب من نفس الكأس- كأس الظلم. إن الأخطاء الشكلية الخطيرة وأخطاء الموضوع الخطيرة لا علاقة لها بالاجتهاد بتاتا. هل اجتهد قاضي التحقيق بطنجة مع الأستاذ البقاش ومحكمة الجنايات المالية بالرباط؟ وهل محكمة الاستئناف ستكون موضوعية ونزيهة ومستقلة؟ وهل الأحكام التي بموجبها اعتقل الناشط الزبير بنسعدون هي اجتهاد أم هي جهاد في القانون شكلا ومضمونا؟ وقد لا أتطرق لحالات مواطنين؛ بل لحالات القضاة أنفسهم الذين يظلمون من طرف زملائهم نتيجة وضع لا مجال فيه للحديث عن استقلال القضاء ونزاهته لأن هذه المصطلحات هي رهينة بنظام ديمقراطي حقيقي ( بالنسبة لمن يقرأ هذا المقال من دون الأستاذ الهيني.

المرجو إعادة قراءة هذه الجملة الأخيرة عشر مرات فقط، وإن كان لديه وقت فليعدها دون توقف إلى أن يغمى عليه) ونحن في المغرب لم نقترب إلى هذا الشيء العجيب بعد. إن هذا الوضع المشحون تجاه العدالة وتجاه القضاء سببه بالضبط التصرف في الشكل وفي الموضوع بشكل سافر يجعلك تقول أحيانا أن صاحبه يجب أن يعود إلى الدرس والتكوين من جديد علما بأنه دارس ومتكون، وأن سبب التصرف هو في الحقيقة اعتداء على القانون وعلى النزاهة. لذا فإن النظر إلى الفصل 97 من المشروع يجب أن يكون من خلال هذا الثقب الأسود.

لنعد إلى الفصل 97 الذي يتحدث عن جر القضاة إلى التأديب والمساءلة عن الخطإ الخطير في الموضوع والمسطرة. إن المادة تتحدث عن الخطإ الخطير وليس الخطأ العادي الذي يمكن أن يكون اجتهادا، وهو الخطأ الذي يمكن أن يسقط فيه أي قاض مثل الطبيب الذي يساءل عن الخطإ الخطير الذي لا يمكن أن يقع فيه الطبيب العادي المتوسط التكوين. إن القاضي مهني ومهمته هي القانون، وبالتالي فهو خبير قانون يمنع عليه الوقوع في خطإ مسطري خطير أو موضوعي خطير.

بصراحة، الفصل 97 نشم فيه رائحة أن ذلك الخطأ الخطير ليس بحسن نية؛ بل سوء نية، إذ أن هذا الخطأ الخطير لا يمكن أن يرتكبه قاض إلا إذا تعمد ارتكابه للإضرار بطرف ما. هذه الفكرة أيضا أتمنى أن تعاد قراءتها مرارا وتكرارا لكن دون إغماء.

3- من خلال إحدى الأفكار الواردة بمقالكم الموجه إلى مجلس المستشارين، أفهم منكم أن التطبيق الحرفي والآلي للقانون لا يعطي أي اعتبار لحماية الحقوق والحريات والأمن القضائي ولا التطبيق العادل للقانون. إني أختلف معكم، فالتطبيق الحرفي والآلي للقانون فيه حماية للحقوق وللحريات. وإذا كان هناك من غموض وضبابية في النصوص ومجال لفهم النص، يجب أن يكون هناك تطبيق وتأويل للنص تأويلا عادلا.

وأنا بالمناسبة لا أتفق مع الأستاذة حماني نائبة وكيل الملك بسيدي قاسم المتابعة كذلك بناء على تدوينة لها عندما قالت ما معناه أن أسرار تفسير القانون لعبة تتسلى بها. الأمر ليس تسلية بتاتا ولا يجب أن نفسر ونؤول القانون بما يرضي مواقفنا نحن نطبق ولا نشرع، وفي التطبيق نفسر ونؤول في حدود ما تتيحه ظروف النص.

هل مسموح لي مثلا أنا الأستاذ حاجي إذا كنت قاضيا وجاء في ملف إفراغ بعدم أداء الكراء وبمحضر تبليغه للمنذر إليه وعدم الأداء وثبوت العلاقة الكرائية تم دفع المدعى عليه بالقوة القاهرة، أنه طرد منذ 4 أشهر من العمل وتوقفت أجرته وعجز عن الأداء. هل سأرفض الطلب بناء على القوة القاهرة لثبوت طرد المدعى عليه من العمل ورفعه لدعوى التعويض وأنه عاجز حقيقة عن الأداء؟ لا يمكن، ولكن يمكن أن أحكم بالإفراغ في حالة الدفع بالقوة القاهرة التي منعته من الأداء في أجل الإنذار كوجود فياضان حال دون وصوله إلى المحكمة لإيداع المبلغ، شريطة أن يكون قد أدى خارج الأجل وبعد إزالة هذا العائق القاهر مباشرة.

هنا يمكن الاجتهاد والتطبيق العادل للقانون وليس الظالم، ويتم الحفاظ على الحقوق وعدم الإضرار بأي طرف. كما أنه يمكن لقاض أن يحكم بالإفراغ متشبثا بالنص رغم العائق، ولن يحاسب لأن تقديره قد ينصب في هذا الاتجاه، وقد لا يعتبر العائق القاهر كذلك سوء نية وليس بحسن نية.

4- دوليا، فإن هذه المادة لا تمس النصوص المدافعة عن استقلال القضاء وتأمين الحماية لهم من السلطة التنفيذية، وبمراجعتها جميعا فلن نجد ذلك وبمقالكم تقولون "... ضمانات لقيام القاضي بمهامه دون خوف من المساءلة عن مجرد تطبيق القانون حتى لا يتردد في الإعمال السليم له ليشعر بالأمان والثقة في عمله وأحكامه...لا نختلف عن هذا المنطق؛ بل ندافع عنه وإنما نحن بصدد مساءلة أعمال أخرى خارج القانون، خرق القانون، أخطاء خطيرة.

5- ثم أتساءل معكم صديقي العزيز، هل هو تطبيق عادل للقانون وحماية للحق وإعمال الأمن القضائي عندما يقول قاضي ما يلي: وحيث أفيد عن المدعى عليها أنها انتقلت من العنوان وتخلف نائب المدعيان عن الحضور رغم الإعلام مما تعذر إنذاره بالإدلاء بالعنوان الجديد للمدعية، وحيث أنه لقبول الدعوى شكلا يتعين على الطرف المدعي تحديد العنوان الصحيح للمدعى عليه مما تكون معه الدعوى مستوجبة لعدم القبول ( حكم في 9/12/2015). علما بأن دفاع الطرفين الذي هو أنا ذهبت إلى السيد نائب رئيس المحكمة الابتدائية بتطوان وسلمته طلب إخراج الملف من التأمل مصحوبا بالعنوان الجديد للمدعى عليها ثم انتظرت الإخراج، إلا أنه علل حكمه بالتعليل أعلاه ورد طلبي إلى كاتبة الضبط ليعاد إلي؟ ثم هل دفاع الطرفين الذي هو أنا مجهول العنوان حتى لا يتم تأخير الملف منذرا إياي بالإدلاء بالعنوان الصحيح طبقا للفصل 1 من قانون المسطرة المدنية والفقرات الأخيرة من ف 39 وف 32؟ كيف تعذر عليه إبلاغي؟

ألم يكن ممكنا تأخير الملف لإنذاري كتابة لدى مكتبي؟ لماذا لم يخرج الملف من التأمل عندما سلمت له طلب الإخراج من التأمل وتسلمه مني وشرحت له بأننا توصلنا للتو بالعنوان الجديد؟

إن هذا القاضي مثلا قد يكون مهووسا بالحكم بعدم القبول لرفع نتاج الملفات التي يحكمها، دون أن يكون لذلك صلة بالمفاهيم الكبرى التي تقشعر لها الأبدان ( الأمن القضائي – التطبيق العادل للقانون – حماية الحقوق) أين الأمن وأين العدل وأين الحماية؟
لكن دعني أقول لك صديقي العزيز إن زوج المدعي عليها في هذا الملف هو قاض سابق شغل منصب وكيل عام. وأنه بمجرد وضع الطلب بلغ إليه مباشرة، لأن طبيعة هذا الملف ستكون موضوعا مستقلا وسوف أمد الإعلام بالشكاية المرفوعة لوكيل الملك لمعرفة أسباب نزول هذا الطلب على الأقل في هذه اللحظة.

أمر آخر صديقي العزيز، ويا لعجيب الصدف؛ نفس القاضي ولكن في ملف آخر يتعلق بالنفقة ( وسأمد الإعلام بالمناسبة حتى يطلع رجال القانون عليه فقد حكم هذا القاضي في طلب للنفقة بتاريخ 9/2/2015 هذا الطلب تطالب فيه أم من مطلقها بنفقة الأبناء الذين لازالوا يستحقون النفقة، وهم يعيشون جميعا في هولندا. وبعد البحث الذي أجراه هذا القاضي مع المدعى عليه والمدعية نيابة عن أبنائها لمدة تفوق نصف ساعة، وبعد المستنتجات والوثائق التي نزلت في الملف سواء من طرف المدعية أو المدعى عليه حكم برفض الطلب بتعليل وحيد أوحد هو كالتالي: "وحيث أن استقرار الزوجة رفقة الأبناء بهولندا بصفة اعتيادية ودائمة يجعل المحكمة لا تتوفر على المعطيات المشار إليها أعلاه والتي تحدد على أساسها النفقة، ويكون بذلك طلب المدعية بتحديد مستحقاتها ( الحضانة) ومستحقات أبنائها من طرف القضاء المغربي غير مؤسس ويتعين التصريح برفضه". علما علما علما بأن قضاء تطوان لديه أحكام بالآلاف عن نفقة زوجات وأبناء يعيشون في إسبانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وعن نفس الابتدائية إلا هذا القاضي الذي نكن له كامل الاحترام رأى رفض الطلب وليس عدم قبول الطلب.

ورغم الحجم، فإن القاضي أراد أن يحكم بما يعلم هو كمغربي وليس لديه معطيات.

وأخيرا: أتفق معك في باقي الفقرات من رسالتك إلى مجلس المستشارين.