لا تستقيم دعوى الاستثناء المغربي إلا في مقولة "المضي قدما نحو شيء ما",على نحو تصاعدي لا يلتفت خلفه و لا يجد غضاضة في تجريب المجرب و التطبيع مع معطى الاستقطاب الحاصل بين (ممانعة) تستفرد بالشارع و (موالاة) تستفرد بالمؤسسات, في ظل سلطة متجذرة تراكم عوامل التنزيه و التعالي و تضمن سلاسة "الاختيار الديمقراطي" . إن مشهدا تدافعيا كهذا لا ينبغي الاطمئنان له ولا تكريسه, لأنه يهدد الاستقرار السياسي الهش و التنموي المعطوب ,و يتردى به بعيدا عن أخلاق السياسة, عميقا نحو أوهامها القاتلة.

تملي أخلاق السياسة على الفاعلين فيها لزوم الشارع و الركون إليه, ثم الصدور عن اختياراته و مزاجه; لكن, ليس قبل أن تكون جهود المصاحبة و التعبئة و التصويب قد شرعت في إنضاج حس المسؤولية بين صفوفه, بما يحرك فيه فضيلة "القيام بالواجب" و يخلصه من عادات التواكل و القعود و التطلب. في الطرف المقابل والبارز من السياسة يعتاش فاعلون كثر على توهم أن التغيير لا يتأتى إلا عبر مؤسسات موازية و موالية للسلطة التاريخية ,و لا يصدر إلا عن اختياراتها التي يتحتم التفاعل معها حتى لو استتبع ذلك التماهي الكلي مع خطابها, ودون اعتبار لشروط فرز هذه المؤسسات و مدى الرضا العام إزاءها.

على مسافة غير متعادلة بين الفريقين ينتصب الملك كسلطة تاريخية متضخمة, و بواجهات شتى; تضطلع بأدوار حاسمة من خلال موقع (الحياد و التحكيم و الاستيعاب) - كما تعبر هي عن ذاتها و تسوق الطبقة السياسية الموالية – غير أن محك التجربة الممتد سرعان ما يكشف لهذه السلطة موقعا آخرا بارزا وغير معلن, وهو موقع (المنازعة و الاستبعاد) المتشخص في انحياز هذه السلطة العليا لطرف دون آخر و اكتفائها به شريكا وحيدا في خوض لعبة "الممارسة الديمقراطية", بمنطق تبادل الأدوار. هذا في حين تتابع مسارات الطرف الآخر بحس متخشب مكابر تارة و بيد باطشة كائدة تارات كثيرة.

حال المنازعة هذه تشخص أمام المتتبع بكل تفاصيلها خلال المواسم الانتخابية المختلفة, لتعاود رسم المشهد السياسي و تبايناته و شروخه; إذ الحاصل أن الكتلة الممانعة ذاتها, و عند هذه النقطة تحديدا, تنشطر إزاء جدوى المشاركة الانتخابية و أثرها في منحنى التغيير.

و لما كان مسار الإصلاح عند الموالين مختزلا بدءا و انتهاء في المشاركة المؤسسية فقط , إلى جانب التفاعل الايجابي مع الاختيارات الكبرى للسلطة التاريخية, فان المعارضة الجذرية تقترح (رفع القلم) ابتداء, ثم الوقوف على العاهات السياسية و التنموية التي أسفر عنها مسار نصف قرن و نيف من الاستفراد و الإملاء, في أفق فرز جبهة وطنية جامعة على أرضية الترجيح الشعبي ثم الشراكة. و حتى نلامس هذه اللحظة الجديدة كليا, يتحتم وقف النزيف المترتب عن وهم المؤسسات القائمة على حقول الريع و صكوك الشرعية التاريخية المنزهة. وقف النزيف هذا هو ما تسميه المعارضة ب (المقاطعة) و ترى فيه الموالاة التقليدية للسلطة خروجا عن الإجماع !

حيال هذا التجاذب المزمن و بين حباله الموتورة يضيع الوطن و يبأس المواطن و يتربح المفسد. كل هذه الطوام تنشأ في ظل المطاولة المحتدة بين الفريقين, بما يحاكي لعبة سباق التحمل في انتظار جولة كسر التعادل. لكن الخشية تعظم فيما لو كانت الجولة الحاسمة يعاد في كل مناسبة خوضها, انتظارا لنتائج مغايرة تبقي الحكم على منصته !