كلما قرأت عن الريع ومظاهرالفساد الذي ينخر جسد هذا البلد، تذكرت الرواية الرائعة " مزرعة الحيوان" للكاتب العالمي الشهير، جورج أورويل، والذي أبدع فيها بشكل فني، وأدبي، ذكي، ليبين لنا تلك الأساليب المقيتة التي يعتمدها السياسيون لتبرير استبدادهم، وشرعنة سرقة خيرات بلدهم. كما عرى فيها النوايا الاستبدادية والإستغلالية لكل أولئك الذين يتبجحون بالمبادئ الإشتراكية والدفاع عن الطبقات المسحوقة.

بكثير من الهجاء والسخرية، وبأسلوب أدبي رائع، فضح جورج أورويل حقيقة الحزب الشيوعي الذي حكم روسيا بعد الثورة البلشوفية، مبينا لنا كيف تنكر هذا الحزب للمبادئ الماركسية التي تشدق بها أثناء الثورة، رافعا شعارات المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية، وكيف انقلب إلى حزب ديكتاتوري، حكم البلاد بقبضة من حديد، فجوع الناس، وسلبهم حقوقهم، وكمم أفواههم، وسفك دماء معارضيه. لقد استخدم جورج اروييل حيوانات كشخصيات للرواية، وبحس فني رائع، كشف لناعن مظاهر الاستبداد والظلم، وكذالك الإنحطاط الأخلاقي، والفساد المالي الذي ميز حكم استالين ورفاقه " الشيوعيين".

عندما نتأمل فضائح وزراء التقدم والإشتراكية، نجدها تعكس نفس السلوك الإنتهازي الذي ميز الستالينيين في روسيا. فبمجرد حصولهم على نصيبهم من كعكة الحكومة، تنكروا لكل الشعارات التي روجوا لها أثناء الإنتخابات، مثل محاربة الفساد والدفاع عن حقوق الطبقات المسحوقة، ومحاربة الريع، فأخذوا حصتهم من هذا الريع ، بل أصبحوا من أشد المدافعين عنه، مستفزين بذلك مشاعر الشعب الذي يرزح تحت راية الفقر والظلم.

بكل ثقة في النفس، وبعجرفة لامتناهية، صرح الوزير "التقدمي"، عبد السلام الصديقي، في لقاء مع الصحفي رضوان الرمضاني أن مهمته كوزير هي أن " يسرح بنادم على يتودرلو" ويتقاضى على هذه الوظيفة " السامية" راتبا يفوق خمسة ملايين سنتيم قبل أن يزيد ويقول " كنتبرع مع راسي ونبرع وليداتي" . هذا هو الوزير التقدمي، ذو المرجعية الماركسية الذي وعد المغاربة بمحاربة الفساد والريع.

في حوار مع الصحفي التيجيني جاءت وزيرة أخرى، إسمها شرفات أفيلال، تنتمي لنفس الحزب، لتدافع بدورها، بكل شراسة، عن الريع والفساد، حين اعتبرت معاشات الوزراء والبرلمانيين ليس ريعا، وأن معاش الوزير الذي يفوق 39 ألف درهم هو مجرد " جوج فرنك" بالنظر للمجهود " الجبار" الذي يقوم به الوزير. نفس السيناريو جاء في " مزرعة الحيوان" عندما كان الخنزير "Squealar" رمز ال "Propaganda" والذي، أنيطت به مهام الإعلام، والقادر على تبرير سياسات وتجاوزات " Napoleon"، يقوم بإقناع الحيوانات بحكمة ما يصدر عن نابليون من قرارات، أيا كانت طبيعة هذه القرارات، ومهما كان الثمن الذي ستدفعه الحيوانات جراء تنفيذها.

أما كبير " التقدميين" السيد نبيل بن عبد الله، الأمين العام لهذا الحزب الغارق في الريع، يبدو أنه فطن أن الوزيرة " المناضلة" لم تتقن فن ال Propaganda" الإعلامية حينما كانت تبرر الريع على مسامع المغاربة، فكان عليها ،حسب قوله، أن تكون أكثر لباقة وأن لاتقف عند العبارة التي استعملتها. بذلك لم تكن في مستوى " Squealar" الذي وصفه جورج أوروييل، نظرا لفصاحته العجيبة، بالخنزير الذي يستطيع أن يصور الأسود أبيضا، والأبيض أسودا. وفي تصريح له لجريدة هبة بريس، دافع السيد نبيل بكل قوة عن ريع الوزراء، بل اعتبر معاشاتهم، على ضخامتها، لاتساوي شيئا من الناحية المادية، ولا تأثير لها على ميزانية الدولة. نفس الأسلوب اعتمده الخنزير "Squealar" عندما كان يقنع حيوانات المزرعة أن الخنازير الكبيرة، التي تحتكر السلطة، هي الأولى بخيرات المزرعة، وهي بالكاد تكفيها نظرا لجسامة المهام التي تقوم بها في تدبير شؤون المزرعة.

وزير آخر من نفس هذا الحزب يدعى خالد الناصري والذي كثيرا ما "فرع" لنا الرأس بدولة الحق والقانون، وعندما تورط ابنه هشام، في الإعتداء على مواطن بآلة حادة على مستوى الرأس،أمام قبة البرلمان، وسط استنكار كبير من طرف المواطنين، الذين شاهدوا الحادثة، هدد رجال الأمن، مستعملا نفوذه كوزير للإتصال، بإطلاق سراح إبنه وتمكينه من الإفلات من قبضة العدالة التي يتبجح، الوزير "الماركسي"، أنه يناضل من أجلها.

هذه هي حقيقة هذا الحزب الذي لبس قناع الماركسية، وزينه بشعار العدالة والكرامة والمساواة،،بينما هو في حقيقة الأمر، حزب إنتهازي، هدفه الوحيد هو الإغتناء و الكسب، مستغلا عطاء الريع، كي يساهم في تأثيث تحالف سياسي قبيح اللون، ويشارك في تشييد حكومة، طبع رئيسها علنا مع المفسدين حين قال " عفى الله عما سلف". فساهم في إغراق البلد في الديون، لينعم وزراء حكومته بأجور خيالية، وحاول إقناع الشعب أن عجز الميزانية يجب أن يتم عبر زيادات في الأسعار، يؤدي ثمنها شعب مقهور كشعب " مزرعة الحيوان" لجورج أورويل.

نزاري عبد الرحمان
أستاذ التعليم الثانوي بأمستردام