علي انوزلا

أعادت جريمة قتل طلبة محسوبين على فصيلٍ يساريٍّ راديكاليٍّ طالباً ينتمي إلى حزب إسلامي، في جامعة فاس المغربية، إذكاء نار الصراع بين الإسلاميين واليساريين. وذلك يوم 24 أبريل/نيسان الجاري، عندما كان حرم الجامعة يستعد لاستقبال ندوةٍ بعنوان "يساريون وإسلاميون وديمقراطيون"، وكانت الندوة المستهدف الأول والأخير في الجريمة، بغرض إلغائها، وسد أي باب للحوار بين القوى الثلاث.

الجريمة بشعة، ويجب إدانتها بدون تردد، وبكلمات قوية، وتقديم منفذيها إلى العدالة، لتقول فيهم كلمتها. لكن، ماذا عن توقيتها، ومن المستفيدون منها؟ فالجرائم السياسية لا تقع اعتباطاً، وإنما تكون مبرمجة في أجندات سياسية واضحة المعالم، وأحياناً غير معلن عنها. ولفهم أبعاد مثل هذه الجرائم لا يجب الوقوف عند أدوات التنفيذ، أو الضحايا المباشرين، وإنما يجب طرح السؤال المهم: من المستفيد، أو من المستفيدون من ورائها؟

وللإجابة عن مثل هذا السؤال الصعب، لا بد من وضع الجريمة في سياقها. فقبل وقوعها، شهد المغرب يوم 6 أبريل/ نيسان الجاري ندوة بعنوان "اليسار والإسلاميون والديمقراطية"، نظمها مركز ابن رشد للدراسات والتواصل، جمعت لأول مرة إسلاميين ويساريين من كل أطياف الإسلام السياسي واليسار المغربي. وتم فيها طرح أصول الصراع بين الطرفين، في جو ديمقراطي، وطرح السؤال الجوهري: ما الذي يجعل هذين التيارين لا يلتقيان حول مشروع جدي، لإحداث التغيير الديمقراطي المطلوب؟ وفي أثناء انعقاد الندوة، سيلاحظ أحد المتدخلين أن الحوار الجاري بين الخصمين يجري "تحت نار العدو"، لأن السلطة لا تريد نجاح مثل هكذا حوارات. لذلك، كان من أولى نتائج تلك الندوة إيقاظ الضغائن القديمة بين طرفي الحوار لإفساده، والتشويش عليه، لأن هناك جهات ما داخل السلطة، بل، وحتى من بين صفوف الإسلاميين واليساريين، لا تريد نجاحه. وفي سياق الجدل الذي كان يسعى إلى إذكاء نار الفتنة من جديد بين الإسلاميين واليساريين، سترتكب الجريمة التي أودت بحياة طالب في عمر الزهور، وستزج بطلبة آخرين من عمر الضحية في غياهب السجون عقوداً طويلة!

جريمة جامعة فاس، ليست حالة منفردة، فهي مبرمجة ومرتبطة بأجندة سياسية، لم تعد خفية، والمستفيد منها هو كل الجهات التي لا تريد أن ترى الإسلاميين واليساريين يجلسون حول طاولة واحدة، للتفكير في مستقبل بلدانهم. جريمة جامعة فاس لا تختلف عن جريمتين بشعتين شهدتهما تونس، عندما كان إسلاميوها ويساريوها يناقشون، في المجلس التأسيسي، بنود الدستور الجديد. في تونس، كان الضحيتان اثنين من أبرز القيادات اليسارية التونسية، والمنفذون المشتبه فيهم ينتمون إلى فصائل إسلامية متطرفة. والمستهدفة كانت التجربة التونسية التي جعلت الإسلاميين واليساريين يلتئمون داخل مجلس تأسيسي واحد لإنجاز الوثيقة الدستورية التي رسمت لدول الربيع العربي طريقاً ثالثاً بين الفوضى التي خلفتها ثورات الشعوب، والانتكاسات التي تريد إعادة هذه الشعوب، مرة أخرى، إلى "بيت طاعة" السلطة المستبدة.

كل الملاحظين المحايدين، والمثقفين المستقلين، والسياسيين النزهاء، لا يمكنهم إلا أن يصرخوا "إننا نتهم!"بأعلى صوتهم، كما فعل الروائي الفرنسي الكبير إميل زولا (1840- 1902) في رسالته المشهورة "إني أتهم"، قاصدا السير غير الطبيعي للعدالة في فرنسا في قضية جريمة سياسية.

إننا نتهم بالوقوف وراء مثل هذه الجرائم الدنيئة التي يسقط ضحيتها أبرياء من صفوف اليسار أحياناً، ومن بين الإسلاميين أحيانا أخرى، كل الجهات المناهضة للتغيير التي لا تريد أن تتوحد صفوف القوى التواقة إلى تحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية لشعوب بلدانها. إننا نتهم كل من يريد استغلال هذه الجرائم السياسية، لتصفية حساباته السياسية مع خصومه السياسيين. إننا نتهم كل من يسعى إلى إذكاء نار الصراع بين الإسلاميين واليساريين، بعدما وحدتهم ميادين التحرير وبيانات التغيير. إننا نتهم صمت المثقفين الغائبين عن ساحات النقاش، وتواطؤ سياسيين إسلاميين ويساريين، وانتهازية السلطة التي تستغل مثل هذه الجرائم، لترهيب شعوبها وتنفيرهم من السياسة ومآلاتها الحزينة. إننا نتهم هذا الزمن العربي البائس، والذي يريد أن يخرجنا من زمن الثورة، ليعيدنا إلى زمن الفتنة وحروب "داحس والغبراء".

عن موقع العربي