خالد أوباعمر

انطلاقا مما نشر في الجرائد الوطنية، وبالاستناد كذلك على ما ورد في مجموعة من التقارير الصادرة عن مراكز دولية مختصة في رصد وتحليل حركية استقطاب التنظيمات الجهادية المتطرفة للمقاتلين من كل أنحاء العالم... فإن عدد المقاتلين المغاربة الذين التحقوا بكل من سوريا والعراق للقتال في صفوف القاعدة أو النصرة أو حركة شام الإسلام التي كان يقودها المغربي إبراهيم بنشقرون قبل مصرعه، يقدر بحوالي 1500 مقاتل مغربي.

التقديرات الإعلامية المتضاربة، تفيد بأن 1000 مقاتل مغربي سافرو لبؤر التوتر انطلاقا من المغرب بواسطة رحلات جوية من مطار محمد الخامس في اتجاه تركيا في أغلب الأحيان، في حين أن " 500" مقاتل سافرو إلى جبهات القتال من خارج المغرب، وهم في غالب الأحيان، إما مغاربة حاملين لجنسيات وإقامات بدول أوروبية " فرنسا، هولندا، بلجيكا، اسبانيا" أو مغاربة كانوا متواجدين في ليبيا أو تونس قبل إسقاط نظام معمر القدافي وفرار بن علي.

من جانب آخر، يصل عدد المدن المغربية حسب إحصاء 2004 إلى 51 مدينة، من ضمنهم مدينة سيدي سليمان، التي كان عدد سكانها الحضريين بناء على نتائج إحصاء 1982 يصل إلــى: 50.457 وفي إحصاء 1994 ارتفع العدد إلى 69.645 ليصل في إحصاء سنة 2004 إلى 78.060.

إقليم سيدي سليمان من الأقاليم التي تعاني في صمت رهيب من الإقصاء الاجتماعي في الوسطين الحضري والقروي "الهشاشة، الفقر، البؤس والعوز، الهذر المدرسي، تدني مستوى الخدمات الصحية، تخلف البنيات التحتية في عدد من الجماعات القروية، ارتفاع مؤشر العطالة" . كما أنه يعد من الأقاليم التي أخد منها الفساد بكل تمظهراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية أكثر مما أخدته مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية !

قبل أشهر فقط، نقلت تقارير صحفية وطنية، أخبار مخيفة عن عدد الشبان، الذين سافرو من إقليم سيدي سليمان إلى جبهات القتال في سورية، لتعزيز صفوف التنظيمات الإرهابية المتطرفة، حيث نقلت جريدة الأحداث المغربية، عن مصادرها الأمنية، بأن عدد الشباب الذين غادروا هذه المدينة في اتجاه سورية بلغ 47 حالة !!!

هذا الرقم مخيف جدا، ويساءل الجميع عن الأسباب الحقيقية التي دفعت 47 شابا من هذا الإقليم بالتوجه لجبهات القتال تاركين ورائهم أسرهم وأطفالهم؟ وعن مصادر تمويل سفرياتهم؟ وعن طبيعة الجهات التي قامت بعمليات الاستقطاب؟ والأخرى التي سهلت لهم مأمورية السفر؟ وعن طبيعة المراقبة الأمنية لتحركات السلفيين على صعيد هذا الإقليم؟
إذا أخدنا هذا الرقم المخيف لعدد الشبان الذين سافرو من إقليم سيدي سليمان"47 مقاتل" في اتجاه سوريا كما نشرت الصحافة ذلك قبل ستة أشهر، وقمنا بعملية بسيطة لاحتساب النسبة المئوية لمقاتلي إقليم سيدي سليمان، من مجموع المقاتلين الذين غادروا المغرب من مختلف المدن بغاية الجهاد ضد نظام بشار الأسد، وقمنا بتوطين تلك النسبة استنادا إلى خارطة المدن المغربية الــــ51، فالمؤكد أننا سنصل إلى خلاصة صادمة ومؤلمة، تفيد بأن مدينة سيدي سليمان أصبحت، قاعدة خلفية، أو مصنعا خصبا، لصناعة وتصدير السلفيين إلى جبهات القتال المشتعلة.

وبالعودة إلى حملة الاعتقالات، التي أشرفت عليها الأجهزة الأمنية عقب أحداث 16 ماي 2003 الإرهابية، التي هزت مدينة الدار البيضاء، وأودت بحياة العشرات من الضحايا الأبرياء، نجد بأن سيدي سليمان، كانت من بين المدن التي سجلت فيها حالات اعتقال في صفوف سلفيين يشتبه في علاقتهم بتفجيرات 16 ماي !

لماذا سافر كل هذا العدد من أبناء سيدي سليمان إلى سورية؟ ماهي هي الأسباب الحقيقية وراء تبنيهم للفكر السلفي الجهادي؟ هل هم يائسون؟ أم أنهم فقراء؟ أم أنهم غير متمدرسين؟ من قام بغسل أدمغتهم؟ هل الفاعلون سلفيين ينشطون في المدينة؟ أم سلفيين يفدون إلى المدينة من مدن أخرى؟ أي دور للعوامل الاقتصادية والاجتماعية بهيمنة الفكر الجهادي السلفي على عقول شباب هذا الإقليم الذي يعاني من الهشاشة والفقر والعوز؟ أين كانت الأجهزة الأمنية عندما كان السلفيون يستقطبون الشباب ويشحنوهم بفكر وهابي تكفيري تخريبي يدغدغ مشاعرهم ويحولهم إلى عبوات ناسفة قابلة للانفجار في أي لحظة؟ من سهل لهم السفر؟

إقليم سيدي سليمان من الأقاليم التي لم تأخذ حقها من التنمية والأسباب وراء ذلك كثيرة ويمكن التفصيل فيها في مقالات لاحقة...وهناك نقاش حقوقي حول تغول من يوصفون بجماعة "بوكو فساد" الذين يتمتعون بالنفوذ ويسعون إلى الاستمرار في التحكم في الثروات "المادية واللامادية" دون أي يطالها العقاب في إطار مبادئ الدستوري التي تربط المسؤولية بالمحاسبة وتجعل من القانون أسمى تعبير عن أرادة الأمة دون تمييز بين المواطنيين.
وهناك تساؤلات مشروعة تفجرت في الآونة الأخيرة حول مآل مشاريع تنموية لم يتم تنزيلها على أرض الواقع إلى غاية اليوم رغم تخصيص ملايين الدراهم كاعتمادات مالية لها؟.
لم يعد مطلوبا اليوم في اقليم سيدي سليمان وضع المساحيق التجميلية، لإخفاء العيوب، أو لتغطية الشمس بالغربال، في محاولات فاشلة ومفضوحة لتبييض صورة المفسدين الحقيقيين الذين عاثوا في الإقليم فسادا واستبداد وتشير إليهم أصابع الاتهام بشكل مباشر من قبل مسؤولين في هيئات وطنية وازنة...
إن المطلوب هو التفكير في كيفية انقاد شباب وساكنة هذه المدينة من مخاطر تسرب الفكر السلفي الجهادي الداعشي إلى عقولهم الطرية، وهذا الهدف لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع، في ظل غياب التنمية الحقيقية على مستوى هذا الإقليم، وفي ظل غياب مراقبة دقيقة للمشاريع المبرمجة، وفي ظل وجود فراغ سياسي ومدني وإعلامي قاتل، بدأت تستغله الجهات المستفيدة من الفساد والريع، وتوظفه لمصلحتها، لتنفيذ أجندة تسلطية تحكمية استبدادية على مستوى هذا الإقليم الذي صدّر 47 شابا "قنبلة بشرية" لقتال نظام بشار الأسد في سورية تاركين ورائهم عائلات مكلومة.

البلطجة، والأعمال القدرة، والتحكم في مقدرات الساكنة وثرواتها المادية واللامادية، لاينتجون، إلاّ، التعصب والتطرف واليأس..لهذا فالحكمة المطلوبة اليوم في التعاطي مع الإشكالات الاجتماعية والعويصة التي يمكن لأصحاب الفكر الظلامي والمتطرف استغلالها، لتحويل شباب إقليم سيدي سليمان، إلى عبوات ناسفة وقنابل بشرية موقوتة، تقتضي القطع مع أساليب الاستبداد والفساد والتحكم، والشروع في افتحاص مشاريع التنمية والميزانيات المرصودة إليها للتأكد من مدى وقع وتأثير تلك المشاريع بشكل مباشر على مستوى عيش المواطن في إقليم سيدي سليمان والضرب بقوة على أيدي المفسدين، حتى لا يقع النزيف، ويتحول الإقليم إلى معمل لصناعة الإرهاب وتصديره للخارج.