يحيى بن الوليد

الظاهر أنه تـمّ تلخيص الحكومة المصرية، في نسختها الأخيرة، في وزارة الثقافة بمفردها؛ غير أن تواجد جابر عصفور على رأسها يفرض نوعا من هذا الاختزال. فتعيينه على رأسها ذو طابع سياسي مثلما هو دليل على "الاستراتيجيا" التي يسعى التوجه الجديد في مصر إلى الاستجابة إليها والأكيد في سياق مغاير وقبل ذلك ضاغط وخانق. وأهم ما يشترطه هذا السياق ضرورة الانفتاح على "التيار المدني" وضمنه "التيار الديني" الذي ينتظم في "الإسلام المعاصر" الذي يقر بدوره ــ ومن خارج "لوثة التكتيك" ــ بالاندماج في العصر؛ ومن ثم وضع حد لمخطط الزحف نحو "الدسترة" التي تفضي إلى "الدولة الدينية" التي تصر على جعل المجتمع مجلى لها عبر "خطابات" ترى فيها الدين (ديننا الحنيف) بأكمله.

قراءات لم تر، وسواء من قريب أو بعيد، ما يؤكد على الحد الأدنى من كلامنا، بل وذهبت إلى ما هو أبعد حين رأت في توزير جابر عصفور دليلا على تخبط النظام الجديد وعدم قدرته على "القطيعة السياسية" مع نظام حسني مبارك أو "المباركية" الكامنة في أجهزة "الدولة الرخوة" كما أسمها الاقتصادي والكاتب المصري جلال أمين. ويظهر في هذا الاختزال نوع من الحكم المتسرع الذي لا ينبني على قراءة منجز جابر عصفور في "وحدته السياقية الفكرية الكبرى" وتعيينا من ناحية "أداء المثقف" (ودونما تغافل، هنا، عن مثقفي مصر الآخرين، وما أكثرهم).

وجابر عصفور، ورغم انتسابه لمؤسسات الدولة الثقافية من قبل، ومن موقع التسيير الفعلي، لم يستهلك ذاته أو يقدم هذه الذات كـ"وجبة سريعة" للنظام... مثلما حافظ على المسافة المطلوبة مع نظام قيل عنه ــ وضمن ما قيل ــ إنه لم يكن لا استبداديا ولا ديمقراطيا. إلا أن هذا النظام كان يعي بخطورة الجبهة الثقافية وبضرورة ارتكازها على "المواجهة" بمعناها التاريخي والوجودي، ذلك أن المعركة مع الخطاب النقيض لا يتوجب فيها الاكتفاء بتجنيد السلطة بمعناها الإجرائي التسلطي المباشر. ولذلك كان النظام، بحكم "منطقه البرجماتي"، أوّل من يعي بأن جابر عصفور، وبحكم تكوين هذا الأخير الأكاديمي المتين وبحكم خلفيته الفكرية "التنويرية" أيضا، هو الأنسب لـ"دور الملاكم" في التعامل مع الرموز المنبثقة والمتحدثة باسم نيران "الإسلام السياسي" و"السخط الإسلامي". وقد كتب عصفور، وبدون مواربة أو تحفظ، عن "مواجهة الإرهاب" وسواء من داخل مجاله الأثير المتمثل بالنقد الأدبي أو من داخل الفكر (فكر الأنوار العقلاني). ولعل هذا ما ضمن لخطابه نوعا من "الاستمرارية"، و"التداول"، رغم "التهديد" الذي طاله من قبل بعض "المختصين في إطفاء المصابيح" كما تمّ نوصيفهم.

النظام كان يعرف أنه لا يمكن التضحية بجابر عصفور، ومن قبل النظام ذاته وفي سياق "التنازل" و"المحاصصة"، وعلى نحو ما حصل مع الراحل نصر حامد أبو زيد مع المجموعات الدينية المتعصبة التي أرغمته على الرحيل إلى الغرب تأكيدا لمبدأ "العقل المهاجر" الذي لم يكن يرغب فيه. وجابر عصفور يدرك، وعلى شاكلة جده طه حسين، ان تصريف "الخطاب النقيض" يستلزم "الانتظام المتحرِّر" داخل مربع الدولة على الرغم من رخاوتها (سالفة الذكر) في جميع المجالات عدا مجال الاستبداد والتجذر التسلطي الاجتماعي إذا جاز أن نحوّر بعض الشيء عبارة الراحل خلدون النقيب التي كان يكررها جابر عصفور. وفي المغرب "انتقد" المؤرخ المفكر الأمعي، في فترات سابقة، بدليل "تحوله إلى الاصطفاف في إصطبل الدولة" دونما تقدير للدولة التي تحمي من "الانفجار الاجتماعي"، مما يدعو إلى الالتفات للجانب "الثقافي" لا "الإداري" بمفرده في الدولة. وقد نشرنا بحثا مطولا في الموضوع ذاته (من بعيد... عبد الله العروي... مثقفا) تصدّر مجلة "تبين" (القطرية) التي يصدرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (العدد الأخير: 8 ــ 2014).

لا نرغب، في هذا المقال المحدود زمانيا ومكانيا، أن نستعيد منجز الرجل في المؤسسات التابعة للدولة (وهو ما سعينا إلي دراسته في كتاب فكري نأمل أن يظهر في قادم الأيام). الأهم قراءة "حدث التوزير" الذي يحتمل أكثر من "تأويل". ومن هذه الناحية لا نرى أن الرجل من النوع الذي يمكنه التنازل عن خطه الفكري الواضح والصارم. إضافة إلى أنه، ومن ناحية مقابلة، من النوع الذي بإمكانه تقديم استقالته في أية لحظة في حالة اصطدامه مع "السلطة".

ومن قبل، واستطرادا، كان عصفور قد قبل باستوزاره في النسخة الأخيرة من حكم مبارك، وهو ما جرّ عليه سيلا من الانتقادات بالنظر لمتوالية الثورات العربية ــ وقتذاك ــ وبالنظر للرصاص الحي الذي كان لا يزال يحصد المصريين الأبرياء. وبدورنا كتبنا في الموضوع مقالا مطوّلا تحت عنوان "هل ينبغي إحراق جابر عصفور؟" (وهو متدول في شبكة الاتصال الدولي).

كثيرون لم يفاجأوا لنبأ توزير الرجل في الحكومة الجديدة التي يرأسها الجنرال السيسي. ومرد ذلك، وفي ضوء تداخل السياق وتداخل اللحظة العربية ككل، إلى الحزب الذي ينتمي إليه جابر عصفور. والمقصود، هنا، حزب الفكر بعناها الاصطلاحي الجذري المعاصر. إضافة إلى حنكة الرجل على مستوى التدبير المؤسساتي للثقافة. ودونما تغافل عن خلفيته العربية الرحبة التي ضمنت لاسمه تداولا في العالم العربي ككل. وهو، ومنذ فترة، صرّح في مجلة عربية طليعية بأن "القاهرة لم تعد عاصمة ثقافية وحيدة".

فالرهان عليه رهان عربي لا مصري فقط؛ وهذا على الرغم من خصومه النقديين ومن أعدائه أيضا، وهم كثر أيضا، ولاسيما داخل مصر. وهؤلاء، وكما قلنا في المقال السابق، ينبغي احترامهم أيضا.

ذات مرة أشار الروائي المصري الألمعي نجيب محفوظ إلى دور العسكر حين يجمعون بين الخير والوطنية، وهذا ما ذكرنا به البعض في سياق محاولة فهم اندلاع "الربيع العربي". وجابر عصفور آثر الدفاع عن توزيره، الأخير، باسم "الوطنية". وحتى لا نسقط في "نظرة غيبية". فالرهان، وحتى نتكلم بلغة العلوم السياسية المعاصرة، يظل على الانتظام في "مطلب الدولة التاريخية"، وليس على "مركَـب النظام"، وعلى أساس من الاعتقاد في جدوى "الكسب الديمقراطي المتدرِّج". وهو سؤال لا يمكن الإجابة عنه، إلا فيما بعد، ومن قبل المؤرخين، وفي ضوء مفهوم "الأمد الطويل"؛ وهو ما يستلزم أن تتاح للرجل أكثر من فرصة في وزارته. والأمل معقود على أن لا يرحل جابر عصفور مع رحيل المرحلة.