نشرت هذا المقال قبل سنتين من الآن، وأعيد نشره الآن بكلّ حسرة تحت شعار: "الكلّ يدافع عن الإنسان، فمن يدافع عن الحيوان؟".
لم يتبقّ على حلول عيد الأضحى بالدّيار الإسلامية إلا أيام معدودات، هذا التقليد الذي دأب المسلمون على إحيائه في اليوم الموافق للعاشر من ذي الحجة من كلّ سنة هجرية، العيد الذي أخذ تسميات مختلفة بحسب اختلاف الأقطار العربية والإسلامية، فنجد من تسمياته عيد الحجاج، عيد القربان، العيد الكبير، يوم النحر...
ولعلّ ما يميّز هذا العيد عن باقي الأعياد الدينية الأخرى أنّه عيد "للنحر"، حيث يعمد المسلمون بعد أداء صلاة العيد إلى ذبح ما تيسر من الماشية اقتداء بسنة محمد (ص)، والذي أخذها بدوره عن نبي الله إبراهيم، فقصة إبراهيم مع ابنه إسماعيل والكبش الذي فدى إسماعيل غنية عن كلّ تعريف، والتي كانت سببا مباشرا في إحياء واستمرار هذه السنة بين المسلمين إلى عامنا هذا.
مقالنا هذا لن يخوض في ما هو غيبي ميتافيزيقي، ولن يخوض في مقاصد العيد ولا في غاياته ولا في مشروعيته، لأن العيد تحصيل حاصل تعوّد المسلمون على إحيائه وسيستمرّون في ذلك، بل سنناقش من خلاله الوجه "الطقوسي" للعيد عبر نقد موضوعي لطريقة التضحية عند المسلمين، وهي المتعارف عليها ب "الذبح".
إن محاولة استيعاب و مناقشة طريقة الذبح في عيد الأضحى تستدعي من المسلم وضع مسافة من الحياد بينه وبين فعل دأب وترعرع على رؤيته وممارسته منذ كان طفلا، فقد يكون التعوّد والتكرار (المغلّف بالمقدّس) قتل لديه الإحساس بالشفقة على كائن يتعذّب. وما لم يلتزم بمسافة من الموضوعية لن يستطيع التمييز بين الرحمة والوحشية وبين الإنساني واللاإنساني. فلا يمكن أبدا لمن يتوفّر على حسّ إنساني سليم ألا يرى في طريقة الذبح هذه إلحاق أذى بالغ بكائن يشاركنا الحياة على هذا الكوكب لا يستحق إلاّ رأفة ورحمة به. (ربّما هذا المبدأ من دفع البعض على قلّتهم أن يصيروا عاشبين).
سيكون أول ردّ على هذه الفكرة النقدية أنها الطريقة نفسها التي ذبح بها رسول الله متبعا هدي جدّه إبراهيم، وما المسلمون إلا متّبعي الرسول وهدي إبراهيم. سيكون جوابنا كذلك من أقوال محمد وحكمته: ففي صحيح مسلم من حديث شدّاد بن أوس قال: "إثنان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "إن الله كتب الإحسان في كلّ شيء، فإذا قتلتهم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته"". وفي مسند الإمام أحمد من حديث معاوية بن قرّة عن أبيه أن رجلا قال: يا رسول الله إنّي لأذبح الشاة وأرحمها، فقال صلى الله عليه وسلّم: والشّاة إن رحمتها رحمك الله".
إن عامة المسلمين (من منطلق الحديث) ليناقضون وصيّة النبي إليهم، لأن وصية الرسول كانت الرحمة بالأضحية، فهي الغاية والمنتهى، ويعلم النبي جيدا أن لا مناص للأضحية من العذاب، ولكنه أوصى بما يحقق أقل درجة من الأذى، ولا تهمنا التفاصيل التي أوصى بها النبي بقدر ما تهمّنا الغاية منها، فالغاية هي الرحمة، وكلّ ما من شأنه أن يجلب الرحمة لهذا الكائن الذي حكم القدر بموته فهو واجب بمنطق النبي نفسه.
وغير بعيد عن موضوعنا، فقد أتاح التقدم التكنولوجي والعلمي في عصرنا هذا عديدا من الإمكانات التي كانت مستحيلة في عهد سالفينا، فالمجال الطبي وهو ما يهمنا بالذات، عرف قفزة تكنولوجية عالية مكنت الإنسان من مصارعة مختلف الأمراض التي كانت تفتك بحياته قديما دون قدرته على مقاومتها، ولعلّ من الوسائل الطبية الناجعة التي يستفيد منها الإنسان: تقنية التخدير التي تسبق أي عملية علاجية تسبب الألم، فالهدف الأساسي منها تجنيب الإنسان للألم...فكيف؟ و بأي منطق يستفيد المسلم من تقنية التخدير عند خياطة جرح ألمّ به تجنبا للألم و يسمح لنفسه بالمقابل أن يذبح كائنا حيّا بدون تخدير متسببا له في أذى رهيب؟
لقد صار تخدير أضحية العيد قبل ذبحها ضرورة ملحّة في عصرنا هذا، خصوصا وأنه لا يتنافى مع منطق الشريعة الإسلامية، وقد رأينا كيف أن محمدا (ص) أوصى بالرحمة بالأضحية. هكذا سنكون منسجمين على الأقل مع إنسانيتنا بأن لا نرضى العذاب لمخلوق لا ذنب له إلا ما حمّلناه تاريخيا. وأكيد أن المسؤولية الكبرى تقع على كاهل "فقهاء المسلمين" الذين التزموا الصمت طوال هذه المدّة دون أن تحرّكهم إنسانيتهم لإصدار فتاوى بهذا الشأن، بل ما نخشاه حقيقة أن يقفوا معارضين لهذا الرأي إن هو ولج يوما لساحة النقاش العام...