نعم لا نريدكم نوائب على دستور أمة، فمن خلال الإطلاع على الشكاية التي تحمل توقيعكم والموجهة إلى السيد وزير العدل والحريات تحت موضوع تصريحات مستفزة للقاضي محمد الهيني اتجاه المؤسسة التشريعية؛ يمكن بيسر الوقوف على عدد من الملاحظات التي لم يتم من خلالها الإنضباط للنظام الداخلي لمجلس النواب الذيصيغ وفقا للفصل 69 من الدستور، وهي الملاحظات التي تسمح لي ولغيري الحديث عن عدم أخذكم بعين الإعتبار(عند تحرير وتوجيه الشكاية) لعدد من إلتزاماتكم الدستورية فكنتم من الذين يزيدون من النوائب العديدة المصادر التي جعلتنا لازلنا لم نُنزٍل دستورا بمقتضاه انتُخبتُم نوابا برلمانيين وبمقتضاه جُعِلْتُم على رأس فرق برلمانية عدة؛



الأكيد أنكم تعلمون أن ما ينتظركم من عمل، خلال هذه السنة، لاستكمال إقامة المؤسسات، لا يستحمل إضاعة الوقت في الصراعات الهامشية؛
والأكيد أيضا أنكم تعلمون أن السنة التشريعية، حافلة بالتحديات، وتتطلب العمل الجاد والتحلي بروح الوطنية الصادقة لاستكمال إقامة المؤسسات الوطنية.
والأكيد أنكم تعلمون أن المؤسسات (بما فيها فرق الأغلبية بإعتبارها إحدى مكونات المؤسسة التشريعية) يجب أن تكون في خدمة المواطنين دون أي اعتبارات أخرى.
والأكيد تعلمون أنكم مدعوين لإعتماد التوافق الإيجابي، في كل القضايا الكبرى للأمة؛ ولا مجال لكم للتوافقات السلبية التي تحاول إرضاء الرغبات الشخصية والأغراض الفئوية على حساب مصالح الوطن والمواطنين، فالوطن يجب أن يظل فوق الجميع.
نعم أكيد تعلمون ذلك لأن هذا ما أكده لكم صاحب الجلالة وأنتم حاضرين مستمعين والمفترض مستوعبين للقول في افتتاح الدورة الأولى من هذه السنة التشريعية؛
إذا فلتكونوا في مستوى الامانة الملقاة على عاتقكم وتقبلوا الاعتراف بأنكم أخطأتم بوضع توقيعاتكم على تلك الشكاية بصفاتكم النيابية كرؤساء للفرق؛
خطأكم الأول هو أنه لا يليق بكم الأسلوب الذي حررت به تلك الشكاية فبذاك الأسلوب خرقتم الجزء السادس من النظام الداخلي لمجلس النواب المعنون بمدونة السلوك والأخلاقيات البرلمانية، والتي تهدف بقوة المادة 236 من ذات النظام إلى ترسيخ القيم الديمقراطية، والتي تؤكد أيضا المادة 237 منه على أن النائبات والنواب يجب أن يعملوا لمصلحة الوطن والمواطنين وإيثار المصلحة العامة ومن ذلك إحترامكم للنظام الداخلي لمؤسسة تمثل الأمة؛
فبمقتضى الفقرة الثالثة من المادة 237 من هذا النظام أعضاء مجلس النواب مسؤولون عن قراراتهم أمام المواطنين ويتعين عليهم أن يبنوا مواقفهم وتدخلاتهم على أسس تتسم بالدقة والمصداقية، فكيف لكم أن تقرروا إرسال شكاية خارج البرلمان تحت موضوع " تصريحات مستفزة للقاضي محمد الهيني إتجاه المؤسسة التشريعية " وموجهة إلى السيد وزير العدل والحريات، أوليس المادة 25 من النظام الداخلي لهذه المؤسسة ينص على أن اتصالات المجلس وعلاقاته الخارجية تكون بواسطة الرئيس، وأن مراسلات المجلس إلى الحكومة توجه من خلال رئيس الحكومة، في الحد الأدنى كان يجب توجيهها عبر المرور من قناة الرئيس وكان يمكن بعد ذلك إرسالها إلى وزير العدل والحريات دون المرور عبر قناة رئاسة الحكومة لكن شريطة الإشارة إلى أن هذه الشكاية موجه لوزير العدل والحريات بصفته نائب رئيس المجلس الاعلى للقضاء، فأين الدقة وأين الموضوعية في شكايتكم؛
أين هي الدقة والموضوعية وأنتم تحسمون أن المشتكى به يكيل الإتهامات لمكونات الأغلبية البرلمانية وممثلي الأمة وهو يرتدي جبة القاضي، لأن ما اعتبرتموه خرقا لواجب التحفظ وإتهامات لكم لم تصدر بمقتضى مقررات قضائية ، بل هي آراء منشورة على صفحات التواصل الإجتماعي والإعلامي بجبة الفاعل الجمعوي والمحلل الأكاديمي، فجبة القاضي تُرْتَدَى فقط عندما يتم إصدار الأحكام والقيام بالمهام القضائية داخل المحاكم أو خارجها بمقتضى القانون؛
الفقرة الأخيرة من المادة 237 المذكورة تلزمكم أيضا بتجنب إستعمال عبارات تنطوي على التهديد أو الترهيب أو الإستفزاز أو الشتم؛ فكيف لكم ممارسة الترهيب بتضمين شكايتكم عبارة ".. منصبا نفسه حارسا على المؤسسات الدستورية للبلاد"؛ وأنتم تعلمون أن الفصل 42 من الدستور ينص على أن الملك كرئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، فكيف لكم وبعيدا عن الموضوعية إقحام هذه المصطلحات في الشكاية بشكل يجعلنا نطرح أسئلة عدة حول الغاية منها بالرغم من إقتناعنا بأن مكونات السلطة التشريعية يجب أن تكون منزهة عن العبث؛
إن المادة 32 من النظام الداخلي لمجلس النواب تنص على أن الفرق والمجموعات النيابية التي يكونها النواب داخل المجلس هي فرق ومجموعات تُؤَسَّسُ باعتبارها آلية من اليات تنظيم مشاركة النواب في أشغال المجلس المذكور، وعليه فإن أي نشاط تقوم به هذه الفرق والمجموعات هو نشاط ذا طبيعة نيابية يخضع وجوبا للمادة 25 و المادة 21 من النظام الداخلي وأي إتصال أو تواصل لها مع السلطات الأخرى يجب أن تكون بواسطة الرئيس وفقا للمقتضيات الواردة في المادتين المذكورتين، وإذا ما إرتأيتم عدم ضرورة الإنصياع لهذه المواد فلماذا لم تقوموا بتقديم الشكاية بصفاتكم الشخصية لا بإسم الفرق والمجموعات النيابية التي تترأسونها؛
المؤسف أنكم خرقتم مقتضيات دستورية ومقتضيات قانونية لأجل ماذا، فقط لأجل التعبير عن عدم قبولكم للرأي الآخر بغض النظر عن صوابيته أو عدم صوابيته، وفي مواجهة من، في مواجهة شخص طبيعي، حركتم آليات مؤسساتية بشكل غير منضبط نهائيا للقانون؛
أَبِكُمْننتظر الرقي في العمل التشريعي، أنتم الذين لم تتحملوا تبعات كونكم شخصيات عمومية تؤكدون على الدوام رغبتكم في المساهمة في إرساء دولة الحق والقانون؛ كونوافي مستوى الأمانة الملقاة على عاتقكم وتحركوا في اتجاه إبطال تبعات شكاياتكم لأنها معيبة شكلا ومضمونا، وسَتُسَجَّلُ في تاريخكم النيابي على أنكم كنتم يوما من رواد الوقوف ضد تجليات أهم الحقوق والحريات، وهو حق التعبير؛
إتقوا وارتقوا يرحمكم الله، ولن أقول اقرؤا فأنا على يقين ان في الموقعين من يقرأ ويقرأ كثيرا، بل الأكثر من ذلك أعرف فيهم من قرأت له وفهمت بكتاباته العديد من النقط القانونية، فما يحز في نفسي هو أنكم فعلا في الفتنة السياسية سقطتم.

*دكتور في الحقوق، عضو المكتب التنفيذي لجمعية عدالة من أجل محاكمة عادلة