المقصود بتيار المقاطعة هنا، ذلك التيار الذي يتبنى عن وعي موقف مقاطعة الانتخابات والدعوة إلى مقاطعتها (عدم التسجيل في اللوائح الانتخابية و/أو الامتناع عن التصويت). و يتكون هذا التيار غير المتجانس من قوى سياسية يسارية و إسلامية(حزب النهج الديموقراطي وجماعة العدل والاحسان أساسا)، ومن حركات اجتماعية( حركة أطاك ، حركة 20 فبراير ، حركات الأطر المعطلة، حركة “تاوادا ن أمازيغن” والاتحاد الوطني لطلبة المغرب ) ، بالإضافة إلى شرائح عريضة مما يسمى بالأغلبية الصامتة التي لا انتماء حزبي لها. ترى كيف تتعامل السلطات مع أصحاب هذا التيار المعارض للعملية الانتخابية برمتها؟ 

عادة ما يصف الخطاب السائد سياسيا وإعلاميا في المغرب دعاة مقاطعة العملية الانتخابية بأقدح النعوت ، كالسلبية والعدمية والتشاؤمية والسوداوية والتشكيكية وغيرها ... كما أن القانون الانتخابي السائد يمنعهم من حق التعبير عن آرائهم عبر وسائل الاعلام العمومي(إذاعة وتلفزة ووكالة انباء رسمية). أما العمل التواصلي الميداني مع عامة الناس خلال فترات الحملات الانتخابية فيكون مآله القمع الممنهج (حالة النهج الديموقراطي بمناسبة حملة انتخابات 04 شتنبر 2015).
ترى لماذا يمنع دعاة المقاطعة من التعبير عن آرائهم ؟ ولماذا يغيبون في التغطيات الاخبارية وفي البرامج الحوارية ؟ ولماذا يقمعون أثناء تواصلهم مع الناس و أثناء قيامهم بحملات انتخابية داعية إلى المقاطعة ؟ فإذا كان هؤلاء فعلا بكل هذه النعوت السلبية التي يصفهم بها خصومهم ، فلماذا لا يدعون إلى برامج حوارية وجها لوجه مع دعاة المشاركة حتى يتمكنون من التعبير عن آرائهم بكل حرية و مقارعة خصومهم حجة بحجة ؟ لماذا نفوت على المواطنين والمواطنات فرصة سياسية هامة تمكنهم من التعرف، مباشرة و بعيدا عن وصاية السلطة، على مدى صحة أو تهافت آراء دعاة مقاطعة الانتخابات ؟
من المعلوم أن من شروط الديموقراطية حرية التعبير والإعلام. ومن المعلوم أيضا أن هذه الحرية لا تقوم لها قائمة إلا بتحقيق شرط التعددية ، التعددية الحقيقية التي تضمن فعلا حق التعبير عن الرأي والرأي الأخر، لا التعددية بمفهومها العددي الذي لا يعدو أن يكون مجرد تنويع للرأي السائد لا أقل و لا أكثر. هل يلزمنا دائما أن نولي وجوهنا شطر الغرب أو المشرق لنشاهد قنوات فضائية دولية ، بغض النظر عن توجهاتها الايديولوجية المختلفة، من أجل الاطلاع على الشأن السياسي المغربي من خلال تغطيات إخبارية متوازنة إلى حد ما ، وبرامج حوارية يتناظر فيها مختلف الفاعلين السياسيين من دون إقصاء ولا تهميش؟ فهل الرأي الداعي إلى المشاركة هش وضعيف إلى الحد الذي يمكن أن تؤثر في أصحابه آراء دعاة المقاطعة؟ أليس تيار المشاركة محصنا بالقدر الكافي الذي يمكنه من أن يميز بين الغث و السمين من الآراء؟ ما هو الدافع الحقيقي إذن لتكميم أفواه المقاطعين والداعين إلى المقاطعة؟ ألا يعتبر منعهم وقمعهم حجة أخرى تنضاف إلى الحجج التي يعتمدونها في ترافعهم عن موقفهم السياسي الداعي إلى المقاطعة ؟
إذا كنا نريد فعلا مشاركة مكثفة في العملية السياسية والانتخابية، وإذا كنا نطمح إلى بناء ديموقراطية حقيقية، فأولى بنا أن نفسح المجال لجميع القوى السياسية والمدنية من أجل التعبير عن وجهات نظرها بكل حرية. فالديموقراطية تعني من بين ما تعنيه، تدبير الاختلاف في الآراء والأفكار بين أفراد وجماعات المجتمع. كما أن من أبرز مقوماتها حرية الاختيار بما فيها الاختيار بين موقف المشاركة وموقف المقاطعة أثناء الانتخابات. وبعيدا عن الجدل القانوني الدائر حاليا حول موقف المقاطعة ، وما يثيره من تأويل وتأويل مضاد لا تحسم فيهما إلا موازين القوى المتصارعة في إطار سياق سياسي معين (سياق 2011 مثلا ليس هو سياق 2015) ، فإن حرية التعبير و الإعلام كل لا يتجزأ ، إما أن تكون أو لا تكون. كما أن الدعوة إلى المقاطعة تعبر عن حق مبدئي تضمنه المواثيق الدولية لحقوق الانسان، بالإضافة إلى أنها تجسد سلوكا سياسيا لا تجرمه القوانين لكونه تعبيرا سلميا عن موقف سياسي.
ونختم بالقول إن المنع و القمع اللذين يطالان دعاة المقاطعة له دلالتين أساسيتين: أولاهما أنه يدل على وجاهة الرأي الداعي إلى المقاطعة، وثانيهما أن موقف المقاطعة يعتبر موقفا قويا إلى درجة أن السلطة تخشى من تأثيره الواسع على موقف أصحاب المشاركة وموقف المترددين على السواء. هكذا وفي ظل مشهد سياسي رتيب وحملة انتخابية باهتة و بدون رهانات حقيقية ، يبقى موقف المقاطعة وما رافقه من منع وقمع لحزب النهج الديموقراطي ، هو الحدث الأبرز سياسيا و إعلاميا إن على المستوى الوطني أو الدولي رغم الحصار والتعتيم .