محمد نوفل عامر*

يدرك المتتبع للشأن التونسي أن هذا البلد الذي كان مهد الشرارة الأولى للربيع الديمقراطي أو كما أحاول تسميته جزافا بالربيع العربي- الأمازيغي، والذي عاش لسنوات تحت وطأت حكم يمكن تصنيفه بالديكتاتوري، استطاع في ظرف ثلاث سنوات تجاوز عدد كبير من الصعاب والأزمات والمحن خلال الفترة الانتقالية، وخلق لنفسه استثناء قويا بين دول الربيع حتى بات النموذج التونسي نموذجا قويا ورائدا يحتدى به، في انتظار استكمال البناء المؤسساتي عبر الانتخابات التشريعية وتشكيل حكومة جديدة منبثقة عنها.

فرغم ما سبق أن أشرت إليه من مطبات خلال مرحلة ما سميت بحكم حركة النهضة أو خلال مرحلة إعداد الوثيقة الدستورية لسنة 2014 ، وما خلقته من نقاشات وتقاطبات إيديولوجية حول مضامينها التي لن تكون موضوع هذا النقاش لكن تأثيرها وارد كلما تحدثنا عن بنية قانونية مرتبطة بفعل ذو مرجعية دستورية، مثل الفعل الانتخابي. فقد استطاعت تونس أن تسلك مسار انتقالي قوي يؤسس لدولة ديمقراطية تحترم كل الشروط الموضوعية لبناء دولة ديمقراطية حداثية قوية.

فلن ينصب هذا النقاش على هذه المراحل والأشواط، إذ سيكون مركزا حول مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية لأكتوبر 2014 ، والتي تحضر لها الأحزاب التونسية المائتي وستة، سواء بتسخينات قبلية من قبيل جمع التحالفات وتكوين التكتلات مثل نموذجي الجبهة الشعبية والتحالف الديمقراطي، أو عبر النقاش العمومي الدائر حول حصيلة حكم النهضة وسيناريوهات ما بعد هذه الانتخابات.

ويمكن إجمالا تلخيص الاستنتاجات ومؤشرات هذه السيناريوهات في مجموعة من استطلاعات الرأي أو كما يسميها التونسيون بسبر الآراء، المنجزة من قبل مؤسسات وطنية تونسية أو دولية، أكدت كلها وجود صراع ثلاثي بين أقطاب سياسية أساسية هي حركة النهضة الذي يتزعم الجناح الإسلامي وحزب نداء تونس الذي يقود التيار الليبرالي والجبهة الشعبية التكتل اليساري القوي الذي يجمع مختلف فسيفساء اليسار التونسي.

وأكدت هذه الاستطلاعات وجود فارق طفيف بين هذه القوى مما يعني ان كل الاحتمالات واردة، وأن صناديق الاقتراع هي الفيصل بين هذه القوى، ومعها بعض الجزئيات والسرعة النهائية في الحملة الانتخابية هي التي ستحسم هذا النزال الانتخابي الذي سيؤكد نجاحه، نجاح التجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي ونموذجيتها وتفردها في المنطقة.
لكن الإشكال المطروح هو من الذي سيحكم بعد هذه الانتخابات وأي من هذه الأحزاب سيستطيع الحصول على أغلبية مريحة أو سينجح في تكوين تحالف قوي لقيادة البلاد والتحضير لرئاسيات نونبر 2014؟

بداية يجب التأكيد على أن نمط الاقتراع التونسي الذي يتشبث بنمط الاقتراع باللائحة مع أكبر بقية في دورة واحدة، لا يمكن من الحصول على أغلبية مريحة لحزب واحد كما أن قياديي حركة النهضة أكدو في عدد من تصريحاتهم تخليهم عن مبدأ تغطية كل الدوائر الانتخابية وعدم رغبتهم في تصدر المشهد السياسي التونسي. كل هذه المعطيات توفر لنا ثلاث سيناريوهات محتملة لنتائج ما بعد انتخابات أكتوبر 2014.

السيناريو الأول تصدر حركة النهضة للمشهد رغم أنه احتمال غير وارد إلا أن قوة حضور النهضة في المشهد التونسي جد بارز في ظل سياستها الجماهيرية عبر عملها الاجتماعي والإنساني وحملها لمقاليد الخطاب الديني والتي استطاعت من خلالها تكوين موالين مخلصين يشكلون كتلة ناخبة مهمة وثابتة رغم تراجع شعبية الحزب في ظل فشله في تنفيذ وعوده الانتخابية السابقة.

ورغم ذلك فالحركة ستكون في حاجة إلى أصوات خصمها السياسي نداء تونس، من اجل تكوين تحالف حكومي يوفر أغلبية مريحة، في ظل تراجع شعبية حلفائها في الحكم حزب التكتل والمؤتمر بزعامة الرئيس التونسي الحالي منصف المرزوقي.

أما السيناريو الثاني وهو حصول نداء تونس على الأغلبية وهو احتمال وارد وتحالفاته واضحة، إذ سيعمل نداء تونس على جمع الأسرة الليبرالية وقد يتجه صوب التحالف الديمقراطي وكذلك الجبهة الشعبية وهو تحالف استراتيجي استطاع سابقا إسقاط حكم الترويكا الحاكمة، بزعامة حركة النهضة قبل أن تتشكل الحكومة التقنوقراطية الحالية التي تسمى بحكومة الكفاءات.

وأظن أن هذا السيناريو جد مرجح في ظل مطالب داخلية وخارجية بارتكان حركة النهضة للمعارضة، ووجود معطيات إقليمية تؤكد تراجع مد أحزاب الإسلام السياسي بعد سقوط حكم نور المالكي في العراق ممثل حزب الدعوة ذو المرجعية الدينية، وسقوط حكم الإخوان في مصر، واستمرار الصراع المسلح في ليبيا بين القوى الإسلامية وبقية المكونات السياسية، وتراجع شعبية الإسلاميين في المغرب مجسدا في حزب العدالة والتنمية الحاكم، وهذا ما يعني أن الظروف الإقليمية مهيأة لهذا السيناريو المحتمل.

أما السيناريو الثالث والأخير وهو فوز الجبهة الشعبية، الذي سيكون مفاجئة قوية لكل المتتبعين نظرا لأن الامتداد الشعبي للجبهة تراجع مع استشهاد رموزها البارزين الشهيدين شكري بلعيد والإبراهيمي لكنه احتمال وارد في ظل إمكانية وقوع تصويت عقابي لحركة النهضة ولمختلف الفاعلين الذين تقلدوا زمام تسيير المرحلة الانتقالية سواء على عهد الترويكا الحاكمة بزعامة النهضة أو قبلها، مما قد يسمح للجبهة بتصدر المشهد وإعادة إنتاجها لتحالفاتها السابقة مع إمكانية تنسيقها مع نداء تونس.

كل هذه السيناريوهات هي إيجابية ومهمة لأنها ستحافظ على استقرار تونس وتساهم في الانتقال الديمقراطي السلمي المنشود، في ظل التحديات التي تعرفها البلاد من قبيل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وكذلك مشكل الإرهاب وما خلفه من انتشار للجماعات الإرهابية، وأي انحراف عن المنهجية الديمقراطية من قبيل الإبعاد القصري للنهضة عن الحكم، سيساهم في شرعنة الخطاب المتطرف واتساع رقعة مؤيديه خصوصا في ظل المعطيات الإقليمية المساعدة على ذلك، على ضوء ما يحدث في العراق وسوريا وليبيا.

لكن يبقى السؤال المطروح هو ما موقف التونسيات والتونسيين من هذه السيناريوهات والسيناريوهات المصوغة من قبل باحثين آخرين، خلال يوم الاقتراع ؟ الذي اعتبره شخصيا يوم انبعاث تونس جديدة.

*باحث في العلوم السياسية وتدبير الشأن العام.