نجحت النخب السياسية التونسية، مدعومة بوعي شعبي قل نظيره، في الخروج من عنق الزجاجة، وتجنب الوقوع في الفوضى الدموية التي تغرق فيها معظم دول الربيع العربي، واستحق مجتمعها المدني الممثل في مؤسساته الاربع، الاتحاد التونسي العام للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والحرف والصناعية اليدوية، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، ونقابة المحامين، جائزة نوبل للسلام، لكن الارهاب العدو الاكبر للنجاح، ويضع الالغام في طريقه، لقتل الامل في نفوس المواطنين من خلال بذر بذور الفتنة، وتدمير الاقتصاد، وتوسيع دائرة البطالة.

تفجير حافلة للامن المركزي الثلاثاء في وسط العاصمة تونس الذي ادى الى مقتل 12 جنديا من عناصر الامن الرئاسي، كان الحلقة الاحدث في مسلسل التفجيرات الدموي، بعد مجزرة شاطيء سوسة، والهجوم على متحف باردو، وكأن من يقفون خلف هذا المسلسل مصممون على استمرار اعمال سفك الدماء، وحرمان الشعب التونسي من الامن والاستقرار، مكافأة له على تعايشه، وتكاتفه، وتمسكه بمبدأ الحوار للوصول بالبلاد الى الحد الادنى من العيش الكريم.

تونس باتت ضحية الجغرافيا، وموقعها بين منطقتين ملتهبتين، الاولى ليبيا، الدولة الفاشلة التي تسود ميليشيات القتل والدمار، وامارات التطرف والصراع الدولي والاقليمي، والثانية الجزائر التي خرجت لتوها من عشرية دموية، ولكنه لم تتعاف كليا، ولا ننسى الساحل الافريقي الذي بات خارج السيطرة، ومرتعا للتطرف بأشكاله كافة.

الدول مثل الافراد لا تستطيع اختيار اقدارها، ففي هذا الزمن الذي يسود فيه الجنون، ويغيب العقل، وتنقرض الحكمة والتعقل، ويصبح مصير الشعوب مرتهنا بعامل الصدفة، واملاءات الجوار، فليس غريبا ان تعاني دولة حضارية مثل تونس من امراض الجيران التي تطفح اليها من كل الجهات الاربع.

ان تصل “الدولة الاسلامية” بانغماسييها (انتحارييها) واحزمتها الناسفة الى تونس، فان هذا فأل خطير يثير القلق والرعب، ويكشف اختراقا امنيا لا بد من معالجته قبل فوات الاوان.

تونس بحاجة الى التقاط الانفاس، والحد الادنى من الاستقرار لمواصلة مسيرتها على درب التعافي، وحل ازماتها الاقتصادية المعقدة، وتوفير فرص العمل لاكثر من مليون عاطل، معظمهم من الشباب المتعلم المؤهل، ولكن هناك من يريد سفك الدماء، واغراقها في الفوضى وتحويلها الى دولة فاشلة.

الشعب التونسي المثقف الواعي الذي يعتبر من انشط الشعوب واذكاها، واكثرها ايمانا بالتعايش، وقيم العمل والانتاج، سيتجاز هذه المحنة حتما، مثلما تجاوز محن كثيرة في الماضي، ولا نملك الا ان ندين كل اعمال الارهاب والعنف التي تستهدفه بأقوى العبارات، ونؤكد تضامننا الكامل معه، وحسبنا الله ونعم الوكيل.