يحيى بن الوليد

قبل أسبوع فرغنا من الصيغة النهائية لكتابنا الفكري/ النقدي حول "تمزقات المثقفين العرب"، ومن المنتظر أن يصدر عن دار "رؤية" بالقاهرة. وقد حرصنا فيه على الانتظام في ما نسميه "معركة النقد الثقافي"؛ وذلك من خلال التركيز على موضوع، محدّد، هو موضوع "نقد المثقف"، ودونما تغافل عن تعقـّيدات الموضوع وتشابكاته بالنظر لما يتخلله من تقاطبات وتجاذبات ومخرجات... تفرض على الباحث ضرورة الانتظام ضمن "وجهة نظرية تحليلية معينة" لابد من أن تنتظم، بدورها، ضمن "مرجعية معرفية" تحمي من التخندق في "الريْع الخطابي" الذي لا يقرّ، في مثل هذه الحال، إلا بمقدار "الدخل الإيديولوجي" الذي يوائمه في أثناء التعامل مع مشكلات الحقل الثقافي الذي يلتبس ــ وبالنظر للسياق العربي الضاغط والمغلوب ــ بالحقل السياسي. وهذا أيضا مع أن التعاطي لمثل هذه المشكلات يستلزم تداخل الفكر ذاته والمسؤولية التي هي الوجه الآخر لهذا الفكر.

أجل إن موضوعنا هو "نقد المثقف"، والمؤكد أنه موضوع متداول في التحليل الثقافي والسياسي ومن وجهات نظر مختلفة وبمرجعيات مختلفة أيضا وعلى النحو الذي يبلغ حدّ التضارب وحدّ "صراعات التأويل" أو "صراع التأويلات". ومن هذه الناحية بالذات نوّد التلميح، وبنوع من المجازفة، إلى وجهة النظر المغايرة، والجديدة في الوقت ذاته، التي حرصنا على الاستناد إليها في التعامل مع هذا الموضوع. والعنصر الجديد، أو حتى عنصر الجدّة، يكمن في التركيز على جانب خفي في "النسق السائد"... طالما أنه، ومن أبجديات "حفريات المعرفة"، أن المرحلة الثقافية هي مفعول "نسق فاعل" يشتغل من خلال مجموعة من العلاقات التي تستمر وتتحوّل في استقلال عن "الذوات"؛ مما يجعل من المجتمع مجالا لهذا النسق وبما في ذلك الأنساق الصغرى الفرعية التي يتشكـَّل من مجموعها النسق العام.

لا نخفي أننا أقدمنا على عنوان مغاير ("في معركة النقد الثقافي ــ أبحاث في نقد المثقف العربي") في سياق الثقافة العربية المعاصرة، نتيجة اقتناعنا بأن القارئ العربي بدأ يتهيأ لهذا النقد. وهذا على الرغم من أن بدايات النقد الثقافي لا تزال متعثرة بالمغرب الذي ينتمي إليه صاحب الكتاب، وهذا مع أن المجتمع المغربي والعربي ككل يغطس في مستنقع من "العيوب المختبئة" التي تفترس "بنيانه الثقافي" و ــ من ثم ــ "السياسي". وفي هذا الصدد تتبدّى الأهمية الإبستيمولوجية الراديكالية للنقد الثقافي، لأنه يظل الأنسب للتعاطي مع هذا الموضوع.

إن العوائق كامنة في "بنية الذات" ذاتها، وهي عوائق ذات أبعاد ثقافية. وبكلام آخر: إن ما يحصل، وبشكل متزايد، يحصل باسم "ثقافة محدّدة" حتى وإن كان من الضروري التأكيد على أنه يصعب ــ وبلغة المناطقة ــ تقديم "تحديد مقنع" بخصوص هذه الثقافة طالما أنها توجد أمامنا وخلفنا بتعبير شيخ الأنثروبولوجيين كلود ليفي ستراوس. وهذا بالإضافة إلى أن هذه الثقافة تتمظهر بأشكال متداخلة: هجينة في أحيان، وهابطة في أحيان أخرى وكثيرة. ومن ثم ضرورة الانفتاح على الأنثروبولوجيا السياسية بصفة خاصة والعلوم الاجتماعية بصفة عامة. وأهمية النقد الثقافي تكمن في هذا الانفتاح، وعلى النحو الذي يجعل منه "كرنفالا أكاديميا" (وبغير المعنى التنقيصي للعبارة).

وعندما نشير إلى الفكرة الأخيرة فإن ذلك لا يعني أننا سنتحرك في هذه الدائرة شاسعة الاتساع التي قد تفضي إلى الاستعراض المنهجي بدلا من التحليل النقدي. الغاية مما سبق هي التلميح إلى الأفق الذي بالإمكان التحرّك في إطار منه ودونما اتكاء على أي نوع من الاعتقاد الذي بموجبه يتمّ الإعلاء من النقد الثقافي وعلى النحو الذي يجعله قادرا على تفسير جميع الظواهر وبما في ذلك ظاهرة "أمراض الحالة العربية" ذاتها. فـ"توضيح كلمة "الثقافة" يتطلب مجلدات بأكملها" و"لسنا نملك هنا سوى مناقشة بعض خيوط القصة وما يترتب عليها" كما يقول البروفيسور الأمريكي راسل جاكوبي في كتابه "نهاية اليوتوبيا".

لقد بدا لنا أن نطرح موضوعنا بـ"شكل مختلف"، وقبل ذلك بدا لنا أن نستبدل بـ"خريطة المفكر فيه" "خرائط اللامفكر فيه" داخل الفكر العربي المعاصر. وفي هذا السياق اهتدينا إلى موضوع نقد المثقف أو موضوع "المثقف... معكوسا". والسبب في ذلك أن هذا الأخير، وعوضا من أن يؤكد على حضوره الذاتي النقدي، فإنه راح يكرِّس حالته المرضية. وحصل ذلك من خلال "مشاركة السلطان" التي بلغت "لوثة الانبطاح"، وكل ذلك على حساب الخوض في "حقول الألغام"، ودون التفريط في اكتساح "الفضاء العام"، ومن منظور "الشعبوية" التي وصلت ما بين "المثقف الشعبوي" و"الأكاديميا الشعبوية". وكانت الحصيلة الثقيلة: "ثقافة التدمير" و"ثقافة الادعاء ومرض الذاكرة" و"مكبوت الفحل السياسي"... وصولا إلى ما هو أخطر، وهو "ثقافة الكراهية". ولعا هذا ما يفرض ضرورة البحث في موضوع "خصي المثقفين" وعما إذا كان "واقعا" أم "تهمة"؟ وهذه هي أبحاث الكتاب.

وأملنا أن نكون قد أسهمنا في إضاءة الموضوع وبما يدعم "البدائل المتفتحة" التي لا يمكن رسمها إلا من داخل الثقافة ذاتها بعد أن يتم "تهويتها" وبعد أن يتم دعمها بمفاهيم الفكر الإنساني ذاته: "الفكر المركـّب الحر والمفتوح".