لم تكن الزيادة في أجور موظفي الدولة والجماعات المحلية و المحددة في مبلغ 600 درهم، تزامنا مع الحراك الشعبي الذي شهده المغرب في سنة 2011 وسط زخم حركة 20 فبراير التي جاءت بها كأحد مكاسب الشغيلة المغربية، إلا فاصلا تمهيديا نحو إجراءات أكثر تقشفا وفاصلا يُمتص من خلاله غضب الشارع مع العديد من الوعود في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية، هكذا ترى ذلك أكثر المنظمات والجمعيات المدنية الحقوقية والسياسية في المغرب.

في ذلك الوقت (وقت الحراك) أجل المغرب العديد من "الإصلاحات" الاقتصادية التي التزمت بها الحكومة وفقا لبرامج هيكلية من طرف صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، ولم يكن الصندوق المغربي للتقاعد الذي شهد عملية نهب خطيرة لموارده المالية بحسب ما أعلنته النقابات الأكثر تمثيلية في البلاد، هذه العملية التي تضررت من خلالها الطبقة العاملة بشكل عام -لم يكن- إلا فرصة أخرى لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي لتقديم وصفاتهما وجرعاتهما التي قال عنها رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران في أكثر من مناسبة بطريقة غير مباشرة "إنها دواء مر وجب على المغاربة تحمله".

وصفات اججت غضب الشارع المغربي وحركاته الاحتجاجية والنقابية بعد زخم احتجاجات 20 فبراير، مما دفع سياسيين إلى القول إنها ستؤدي حتما إلى انفجار اجتماعي جديد، وهي الوصفات التي يتم اجراؤها تحت الطاولة ويتم اجراء مفاوضاتها بسرية تامة احيانا ويتم عقد من خلالها اتفاقات تحكم مصير البلد وأجيال من أبنائه، قرارات تمس بالقدرة الشرائية للمواطن وتؤدي إلى استفحال الهشاشة والفقر والبطالة، لكن الحكومة تسميها وصفات "الإصلاحات" وتتم عنونة هذه الاجراءات بعناوين براقة بإيعاز من الحكومة.

إجراءات تقشفية تهز الأجراء

كانت الحكومة في 07 يناير عقب عقد مجلسها على أول موعد مع ملف "إصلاح انظمة التقاعد " برسم سنة 2016 التي ستشهد الكثير من تطبيق الإجراءات التقشفية وفق خطة معينة ومعدة سلفا، جرى رسم معالمها في التوصيات التي وضعها كل من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، للمغرب، وذلك بغية تفكيك انظمة الحماية الإجتماعية وبغرض الاستفادة من خط الاحتياط والسيولة، حسب دراسات تُسمى " الأكتوارية" ، وهي تُطبق حساب الاحصاء والاحتمالات على التأمينات وأنظمة الاحتياط" .

وتتلخص التعديلات القانونية لـ "الإصلاح المقياسي" لمعاشات التقاعد المدنية الخاصة بموظفي الدولة الرسميين والجماعات المحلية التي يديرها الصندوق المغربي للتقاعد، والتي اعتبرتها منظمة "أطاك المغرب" في تقرير حول قانون المالية برسم سنة 2016 خطوة أولى نحو تدمير هيكلي لأنظمة التقاعد التضامنية، وهي التعديلات التي تنص على رفع سن التقاعد بشكل تدريجي من 62 سنة إلى 65 سنة مع الزيادة في الاقتطاعات من الرواتب انطلاقا من 10% حاليا إلى 14% مقسمة على سنتين ابتداء من 2015 والاعتماد التدريجي، على مدى 4 سنوات، للراتب السنوي المتوسط خلال 8 سنوات الأخيرة عوض آخر راتب حاليا وتخفيض نسبة الأقساط السنوية لاحتساب المعاش، من 2,5% إلى 2% بالنسبة للتقاعد العادي، ومن 2% إلى 1,5% بالنسبة للتقاعد النسبي ثم رفع المدة الأدنى لطلب التقاعد النسبي إلى 26 سنة عوض 21 سنة للموظف، و20 سنة عوض 15 سنة للموظفة حاليا.

ورغم الإعداد المسبق للإصلاح المعني عبر التوصيات المذكورة، جرى على مدى 10 سنوات الماضية، صرف الملايير من السنتيمات على ما اطلقوا عليه خطة "إصلاح أنظمة التقاعد"، في إطار جملة من المناظرات والأيام الدراسية والأسفار والاجتماعات والتي تطلبت أموالا باهضة إضافة إلى الدراسات كالتي انجزها مكتبا الخبرة الفرنسيين (Actuaria – Charles Riley) في إطار طلب عروض مفتوح كلف ما يناهز 8,6 مليون درهم.

خطة البنك العالمي نحو "صندوق التقاعد المغربي"

الكاتب العام لمنظمة "آطاك المغرب" أزيكي عمر كشف لـ " بديل.أنفو"، أنه في سنة 1994 حدد البنك العالمي ما أسماه بـ " استراتيجية الدعائم الثلاث"، فالأولى، قائمة على نظام التوزيع التضامني الذي يمنح حق التقاعد القانوني للأجراء والموظفين وتموله الاقتطاعات على الأجور (الحماية الاجتماعية). وهنا البنك العالمي يدعو إلى تقليص حجمها بشكل كبير.

والدعامة الثانية تكميلية قائمة على "الرسملة" أي أن التقاعد يأتي من مردودية توظيفات أموال الادخارات تسيرها مجموعات مالية خاصة. وهنا البنك العالمي يرى أنه يجب توسيع هذه الدعامة وتعميم إجباريتها.

أما الدعامة الثالثة، فهي اختيارية وفردية مبنية على "رسملة" صافية تسيره أيضا مجموعات مالية خاصة (تأمينات وبنوك). ويقترح البنك العالمي تشجيع هذه الدعامة الثالثة أكثر عبر الإعفاءات ضريبية.

وهي الاستراتيجية التي أدت إلى استفحال أزمة التقاعد وستؤدي حتما إلى انهيار هذا الصندوق مع ضرب مكاسب الشغيلة حيث أن هذه الاستراتيجية تضرب نظام التوزيع التضامني مع رفع السن القانوني للخروج إلى التقاعد وتخفيض معاشات التقاعد، وذلك لدفع الأجراء والموظفين إلى البحث عن معاشات تكميلية بـ" الرسملة".

من أين بدأت أزمة التقاعد ؟

تمتد أزمة صندوق التقاعد إلى ما بين سنة  1980و1990 بعد تفاقم الديون، حيث وضع المغرب بإيعاز من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي "برنامج التقويم الهيكلي" كتمهيد لإجراءات أكثر تقشفا. واستفحلت هذه الاجراءات مع حلول الأزمة الاقتصادية خلال2007-2008 لتشكل ذريعة تسريع نفس هذه الهجومات على مكاسب الأجراء وخاصة في البلدان الأوربية. أزيكي عمر يقول إن ذلك جاء "في إطار حرب شاملة يشنها الرأسمال ضد العمال بشكل لم يسبق له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية"، وزاد :" نرى في اليونان كيف أن تقليص معاشات التقاعد يشكل إحدى ركائز خطط الترويكا (المفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي) لحل الأزمة المالية وتسديد الديون. وفي هذا السياق العام، تندرج خطة الدولة المغربية والبنك العالمي وصندوق النقد الدولي لضرب مكسب التقاعد".

ومن جهة أخرى، فصلت المنظمات النقابية " الاتحاد النقابي للموظفين التابع للتوجه الديمقراطي داخل الاتحاد المغربي للشغل والجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي" الأسباب الرئيسية التي شكلت ذريعة لاستهداف نظام معاشات الموظفين والموظفات والتي لخصتها في عدم اداء الدولة كمشغل خلال فترة 40 سنة للمساهمات القانونية المتوجبة عليها و ماوصفته بـ "سوء تدبير الصندوق المغربي للتقاعد، واستشراء الفساد والنهب فيه كمؤسسة عمومية، واستعمال أموال الصندوق في توظيفات مالية مضارباتية".

وبحسب "تقرير مجلس القيم وبنك المغرب ووزارة المالية حول الاستقرار المالي برسم سنة 2014 " فقد بلغت التوظيفات التي قامت بها الصناديق الثلاث (الصندوق الوطني للتقاعد، والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، والصندوق المهني المغربي للتقاعد) 207,76 مليار درهم وسجلت ارتفاعا سنويا بمعدل 6,7% في الست سنوات الأخيرة. وهو الأمر الذي دعا النقابات المذكورة لتشير إلى أن هذه الأموال تسيل لعاب المجموعات المالية والبنوك وشركات التأمين الخاصة التي تضغط بشكل كبير أيضا نحو رسملة أنظمة التقاعد.

وأوضحت النقابات أن الأسباب التي أدت إلى تدمير صناديق التقاعد عبر استعمال جزء من موارد نظام المعاشات المدنية ولمدة طويلة لحل أزمة نظام المعاشات العسكرية للصندوق المغربي للتقاعد وتجميد التوظيف الذي أدى إلى تنامي عدد الموظفين والموظفات المحالين على التقاعد، في حين أن عدد الموظفين والموظفات الجدد ظل في تقلص مستمر، و اعتبرت العديد من النقابات هذا التقليص استجابة لإملاءات البنك العالمي.

المغادرة الطوعية لعبت بدورها دورا مهما في المعادلة، الشيء الذي اعتبرته النقابات "تخريبيا" من خلال تكاثر عدد المتقاعدين والمتقاعدات وتقلص عدد الموظفين النشيطين دون الحديث عن التكاليف الباهظة لتعويضات المغادرة وعن افتقاد قطاعات حيوية كالصحة والتعليم لكفاءات عالية لم يتم تعويضها حتى الآن.

وفي تحليلها لأزمة التقاعد، ربطت منظمة "أطاك المغرب " في بيان لها حول تجديد خط الاحتياط والسيولة بضرورة إلغاء المديونية وذلك من أجل تقليص العجز العمومي واعتبرت أن المديونية تمتص بشكل مباشر قسطا هائلا من موارد الدولة لأداء خدمة الدين التي بلغت 163 مليار درهم سنة 2013 مقابل 98 مليار لنفقات الموظفين. فلابد إذن من إلغاء الديون العمومية والقطع مع إملاءات المؤسسات المالية الدولية.

الحكومة على الرف

ظل رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، لوقت طويل يدافع عن خيارات تقشفية معالمها واضحة منذ البداية ويدعو المغاربة إلى الصبر ثم الصبر على هذه الحكومة، بينما يُوقِّع من تحت الطاولة الاتفاق على قرارات مصيرية في تاريخ البلاد. وفي الوقت الذي كانت فيه النقابات الأكثر تمثيلية تطالب بالجلوس على طاولة الحوار الاجتماعي، كانت للحكومة رؤية أخرى وقرارات تم اتخاذها سلفا دون إشراك المعنيين فيها وكان الغرض من هذه "المفاوضات" هو ربح مزيد من الوقت.

ويرى مراقبون مغاربة أن 4 سنوات من عمر حكومة "الإسلاميين" خرج المغرب بخفي حنين في ظل إخفاقات على كل الأصعدة والمجالات ودون أن ينجح " البيجيدون " في الوفاء بوعودهم الإنتخابية شأنهم شأن الأحزاب المشكلة للحكومة، التي كانت قواعد حزب المصباح سباقة لإستنكار العديد من الاصلاحات والقرارات التي اتخذتها، بينما فضل الكثيرون التخلي نهائيا عن هذا الحزب فيما اعتبره آخرون حزبا يمضي في خطة الإصلاح بالثبات والعزيمة المطلوبة.