بديل ـ صلاح الدين عابر

متقاعدون لم يتوصلوا بمعاشاتهم لمدة ستة أشهر، آخرون اقتطع من معاشاتهم دون أي مبرر..و متقاعدون لا يجدون ما يسدون به رمقهم، بينما آخرون تشردوا بعدما لم يدفعوا تسديد واجبات الكراء، فيما متقاعدون وجدوا أنفسهم أمام المحاكم لأن شركات السلف تُلاحقهم بسبب عدم تسديد الاقساط الشهرية، و السبب هو " الصندوق المغربي للـتقاعد "، الذي أحيل عليه عدد من الموظفين في أواخر سنوات أزمة الصندوق.
المُتقاعدون، أولئك المساكين الذين أفنوا زهرة شبابهم في انتاج ثروات البلاد و العمل في خدمة الإدارة و المؤسسات بكل تلاوينها، من كان يعتقد أن يعيش هؤلاء بعد إتمام مهامهم التي دامت لسنوات طويلة أوج مراحل التشرد و الفقر و الحرمان.

أزمة قديمة

أزمة التقاعد في المغرب، بحسب مراقبين في المغرب، تعود للمنطق "التهويلي" الذي يهدف إلى ضرب التقاعد عبر التوزيع المبني على التضامن الاجتماعي بين الأجيال وتعويضه بالمنطق المالي المبني على الربح. فنظام الحماية الاجتماعية في المغرب مُتعدد بكثرة صناديقه، فهناك الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، خاص بقسم من العمال بالقطاع الخاص، ثم الصندوق المغربي للتقاعد خاص بالوظيفة العمومية، فالصندوق المهني المغربي للتقاعد وهو عبارة عن جمعية، ثم التعاضيات التي يوجد أغلبها في القطاع العام ومجموعة في الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، فالنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد الخاص بالمؤقتين والمياومين والعرضين العاملين مع الدولة والجماعات المحلية وعدد من المؤسسات العمومية.

هذا، وترى جمعية "آطاك المغرب" أنه رغم هذا التشتت فهو لا يشمل كافة الفئات العمالية (عاملات البيوت، الصناعة التقليدية) والعاطلين وسكان القرى، كما أنه لا يشمل كافة المخاطر.
في يوم الأربعاء 09 يوليوز قدم الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالوظيفة العمومية وتحديث الإدارة عرضا، أمام لجنة المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية بمجلس المستشارين، حول مضمون مشروع القانون رقم 033.14 يقضي بتغيير وتتميم أحكام القانون رقم 011.71 المؤرخ في 12 من ذي القعدة 1391 (30 دجنبر 1971) المحدث بموجبه نظام المعاشات المدنية.

وبحسب نشطاء مُراقبين فإن هذا المشروع يهدف إلى حرمان الموظفين والمستخدمين الذين يتركون الوظيفة أو المطرودين و المعزولين لأسباب تأديبية، للاستفادة من معاش بشكل فوري، من الاستفادة من معاش على أساس نسبة 2,5 في المائة من عناصر آخر أجرة خضعت للاقتطاع.
و ترفض بعض الإدارات العمومية قبول الاستقالة المقدمة من طرف بعض الموظفين مما يشكل بحسب تيار المناضل-ة في المغرب، خرقا سافرا لالتزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الشغيلة، ولا سيما اتفاقية منظمة العمل الدولية المتعلقة بإلغاء العمل الجبري التي صادق عليها في فاتح ديسمبر 1966 ، وهو ما يدفع بعض الموظفين إلى ترك الوظيفة. علما أن فئة من الموظفين تلجأ إلى ترك الوظيفة بشكل متعمد من أجل الاستفادة من نسبة 2.5 لاحتساب معاش التقاعد.

وبحسب جريدة تيار المناضل-ة فإنه تحت هذا غطاء المبرر أعدت الحكومة مشروع قانون لتغيير أحكام القانون رقم 011.71 المؤرخ في (30 دجنبر 1971) المحدث بموجبه نظام المعاشات المدنية والذي يرمي إلى تأجيل الاستفادة من معاش التقاعد إلى غاية بلوغ السن القانونية للإحالة على التقاعد بالنسبة للموظفين والمستخدمين المحذوفين من الأسلاك نتيجة الاستقالة المقبولة بصفة قانونية، أو العزل مع الاحتفاظ بالحق في المعاش، أو الإحالة على التقاعد لعدم الكفاءة المهنية. وبالتالي فإن المموظف الذي يم عزله في سن 45 سنة أو 50 سنة أو 55 سنة فما عليه سوى انتظار سنوات طويلة هو وعائلته حتى يصل إلى السن القانونية للتقاعد المحدد حاليا في 60 سنة والذي تعتزم الحكومة رفعه إلى 62 سنة ثم إلى 65 سنة.


حينما يتحوّل " التقاعد " إلى شبح

موظف بأسلاك وزارة التربية الوطنية تقاعد قبل حوالي سنتين عن عمر يناهز 62 سنة، اليوم بعد تقاعده يحكي في تصريحه لـ " بديل " أن راتبه الشهري لا يكفيه حتى لأول أيام الشهر، ديون مفرطة و أبناك و شركات تفترس بنسب خيالية دون أن تراعي الأوضاع الاجتماعية، ناهيك عن الاقتطاعات من صندوق التقاعد المبررة او غيرها، يضيف المتقاعد، مُتسائلاً ماذا عساي أن أفعل بمبلغ 3000 درهم ولي ست أبناء ؟ غير انني ارضخ للاقتراض لتوفير الأساسيات.. ويرى " أحمد ن " أن راتبه الشهري غير المتوازن الذي توفره الدولة ينعكس سلبا على حياته الاجتماعية.

شركات "تفترس" المتقاعدين !

يرى الكثير من الموظفين و المُتقاعدين أن شركات السلف عبارة عن شبح يفترس جيوبهم ويثقل كاهلهم بعدما تستغل هذه الشركات لحظات ضعف و لحظات الاحتياج، وعند استفحال ظاهرة معاناة المتقاعدون من هذه الشركات، وقع الصندوق المغربي للتقاعد برتوكول شراكة مع شركات التمويل وذلك على هامش الجمع العام للجمعيات المهنية للتمويل في سنة 2011، وجاء في بنود البرتوكول تسطير خطوط عريضة لنسب الاقتراض، ومنها عدم تجاوز نسبة الاقتطاع من المبلغ الصافي للمعاش 40 في المائة، كما حُدّد الحدّ الأدنى للمعاش غير القابل للتجاوز في 1500 درهم دون احتساب التعويضات العائلية، إضافة لعدم تجاوز 3 ملفات بالنسبة لكل متقاعد و ملفين كحد أقصى بالنسبة لشركة واحدة، إلا أن هذه الخطوط شركات السلف لا تحترمها وتثقل كاهل الموظفين والمتقاعدين حتى يجدون أنفسهم في دوامة لا هروباً منها..

سوء الاستبقال و الفوضى في جسم " التقاعد "

يشتكي المتقاعدون جراء تدني ظروف الاستقبال و تقديم يد العون و الحلول للوافدين على بناية الصندوق المغربي للتقاعد بالرباط، فوضى عارمة هي في الاستقبال، إضافة إلى التماطل والتخبط بين الجهات و الإدارات دون حل أي مشكل، و يرى الكثير من المتقاعدون الذين التقاهم موقع " بديل " أن هذه السلوكيات متعمدة لأن الصندوق فقد جميع الحلول وأصبح عاجزاً عن مسايرة الأزمة الخانقة التي يتخبط فيها التقاعد.

الحكومة ترفض استرداد الأموال المنهوبة



في الوقت الذي يسير فيه " عبد الإله بنكيران " نحو طريق " إصلاح التقاعد " يرى المنخرطون أنهم يدفعون الثمن و يتحملون التداعيات المالية لسنوات من التسيير و سوء التدبير، غير أن خطة الحكومة تخلو من فكرة استرداد الأموال المنهوبة رغم أن بعض قضاياها تقف اليوم أمام المحكمة، ورغم أن لجنة برلمانية وقفت على اختلاسات بالملايير.. فسياسية حكومة " بنكيران " تحت شعار " عفا الله عما سلف " تؤدي إلى مصير مُظلم نحو أزمة سيدفع تكاليفها جميع المغاربة طيلة الزمن.

من جهتها توقعت " منظمة آطاك المغرب " أن الاحتياطات الحالية للصندوق الوطني للتقاعد والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي البالغة على التوالي 1.6 مليار درهم و 6.7 مليار درهم لا تسمح إلا بمواجهة العجز السنوي لسنة 2010. و رأت أن العجز سيصل إلى النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد والصندوق المهني المغربي للتقاعد حيث سيصل عجزهما المالي إلى 152 مليار درهم في أفق 2040. وهذا ما سيؤدي إلى تقليص المعاشات بنسب جد كبيرة.

وتؤكد المنظمة ذاتها المهتمة بالتثقيف الجماهيري، أن الباطرونا في المغرب لها نصيب من الأزمة الخانقة حاليا في الصناديق الاجتماعية إذ أنها حسب المنظمة، تتذرع بنقص الاحتياطات وبارتفاع مستويات الشيخوخة لتضغط على الدولة باتجاه رسملة نظام التقاعد والرفع من سن الإحالة على التقاعد إلى 65 سنة.
هذا الذي وصفته المنظمة بالمنطق التهويلي الذي يهدف إلى ضرب نظام التقاعد، فالمواطنون اليوم باتوا يرون أن الجزء الأكبر من موارد الدولة تمتصها الديون والأجور العليا، وأن المقاولات توجد لأنها تراكم الأرباح، في حين بقيت الأجور هزيلة وجامدة.

الأزمة إذن، يتحمل مسؤوليتها الجميع، بشرط حلولها تشمل الكل و بكل الطرق، عبر الافتحاص و استرداد الأموال أولاً و قبل كل شيء أشراك كل الفاعلين المدنيين و المجتمعين و السياسيين و اعطاء الكلمة للقرار الديمقراطي، هذا الذي تؤكد عليه منظمة آطاك المغرب، بما أنها ترى الحلول مرتبطة بإعطاء الكلمة للمجتمع كي يقرر ديموقراطيا في نسب الاقتطاعات وفي مبلغ المعاشات التي سيمنحها لشيوخه الذين أفنوا زهرة شبابهم في إنتاج ثرواث البلاد، وفتح نقاش حول نموذج الحماية الاجتماعية في صالح الطبقة العاملة.
منظمة آطاك المغرب ترى أن هناك إجراءات فورية ستحل أزمة الصناديق إذا ما طبقتها الدولة: الأداء الفوري لمتأخرات الدولة (16 مليار درهم)، استرجاع الأموال المنهوبة، استخلاص الأموال غير المؤداة من طرف الباطرونا، التراجع عن إعفاءات لصالح الباطرونا. وللقضاء على واقع تشتت صناديق الحماية الاجتماعية، لابد من توحيدها في صندوق واحد يشمل كافة الأجراء وكافة المخاطر و يسيره المساهمون المباشرون .